الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محمية أخلاقية وطنية عراقيا

محمية أخلاقية وطنية عراقيا

عادل سعد

”إن الطريف والمحزن في آن واحد قاله لي أحد المواطنين بما معناه إنني في العراق أجد نفسي سكمة صغيرة أمام حيتان كبيرة مخيفة، ولا أسمح لنفسي أيضًا أن (أتعملق) على الآخرين، وأنضم إلى قائمة الحيتان من السياسيين الفاسدين، ليس بطرًا، ولكن عفة واستصغارًا لسطوة هذا النوع من الحيتان، وقد أقع في هذا المحظور، غير أنني لا أملك الإمكانية والحمد لله.”

أوقعني استطلاع قمت به تحت طائلة المفاجأة، كان الهدف التعرف على هوس الهجرة الذي ضرب مجددًا عقول العراقيين الشباب ودفعهم ويدفعهم إلى تبني القرار بمغادرة البلاد (ومناطحة) المجهول في إصرار غريب على مواقف الشخصية العراقية إذا أخذنا بالاعتبارات المناقضة لبعض التحليلات التي تتهم هذه الشخصية بنزعة الانفلات ضمن متوالية من الثرثرة اليومية، تضاهي الثرثرة التي تسيطر الآن على الشارع العراقي من احتمال انهيار سد الموصل، وبالتالي تعرض بغداد إلى الغرق على الرغم من أن السد يبعد عن العاصمة العراقية قرابة 650 كيلومترا.
إن ما توفر لدي من معلومات ومعطيات أن العراقيين لا يطمحون بالوصول إلى إحدى الدول الأوروبية، أو الولايات المتحدة الأميركية، أو كندا، أو أستراليا، بسبب البحث عن فرصة للرفاهية الاقتصادية وإزاحة الهموم الأمنية عن الكاهل فحسب، وإنما أيضًا بفعل الشعور بأنه غريب في منطقته العراقية التي يعيش بين أفراد مدينته أو عشيرته أو في المؤسسة التي تضمه طالبًا أو موظفًا، بل والغربة بين أفراد عائلته في بعض الأحيان والبحث عن خلاص من الهموم النفسية التي تلاحقه، وليس لها من مضاعفات سوى الإحباط واليأس والقنوط، وربما الاغتراب الداخلي.
ما توافر لي من وقائع عن ذلك لا يمكن إلا الأخذ به كظاهرة من خلال روايات أشخاص تحدثوا إعلاميًّا، وأشخاص التقيتهم وهم في كل الأحوال عينه عشوائية من مختلف الاتجاهات والانتماءات.
لقد التقيت ببعض هؤلاء خلال زيارتي إلى العاصمة اللبنانية بيروت مطلع الشهر الماضي، حيث تعرفت على عراقيين لا ينقصهم المال، ولا ينقصهم الأمن الذي يمكن أن يوفر لهم الاطمئنان بما في ذلك بعض النازحين والمهجرين قسرًا داخل العراق الذين استطاعوا النزوح إلى مناطق أخرى تعد آمنة في التوصيف الدقيق لمعنى الأمن.
لقد استبينت من أحاديثهم أن هناك انقطاعًا واضحًا بينهم وبين الآخرين، وأن ذلك يعمق شعورهم بالعزلة والخوف من الوقوع في محظور الكآبة وانفصام الشخصية، ولذلك اضطروا أن يجمعوا أنفسهم ويهاجروا إلى لبنان على الرغم من أن أحدًا لم يهددهم وليس لديهم مخاوف الإصابة بالفقر أو العوز حتى لو عاش أكثر من مئة عام.
إن الطريف والمحزن في آن واحد قاله لي أحد المواطنين بما معناه إنني في العراق أجد نفسي سكمة صغيرة أمام حيتان كبيرة مخيفة، ولا أسمح لنفسي أيضًا أن (أتعملق) على الآخرين، وأنضم إلى قائمة الحيتان من السياسيين الفاسدين، ليس بطرًا، ولكن عفة واستصغارًا لسطوة هذا النوع من الحيتان، وقد أقع في هذا المحظور، غير أنني لا إملك الإمكانية والحمد لله.
على أي حال، إن الانفصال بين هذا النوع من المواطنين الذين يبحثون عن الخلاص خارج العراق لا يقتصر على تلك العينة التي استفتيتها عن أسباب الهجرة وبنيت عليها هذا التشخيص، وإنما من خلال علاقاتي ومتابعاتي مع آخرين يبحثون عن الاستبصار في ذلك، منهم معارف وأصدقاء ضمن لقاء الأسبوع يوم الجمعة على ضجيج شارع المتنبي العامر بكتب الأرصفة ومقهى حافظ، فلا حديث يتصدر بيننا إلا موضوع هذا الانقطاع الذي أصاب الشخصية العراقية، عموما مع هامش من الخوف أن تصبح البلاد (دولة فاشلة) وفق المقاييس التي وضعتها الأمم المتحدة لتحديد هذا المفهوم، واحتمالات وقوع مشاكل لهذا المواطن أو ذاك مهما كانت درجة التحسب عالية لديه.
وإزاء ذلك يصبح وقف هذا النزيف البشري العراقي لا يقتصر على تحقيق الأمن والوعود بالتنمية المستدامة، وإنما أيضًا في استحداث محمية أخلاقية موحدة على امتداد أرض العراق، تعيد للألفة نسيجها التضامني والتكاتفي، ونبذ العزلة والكف عن سياسة الإقصاء والتخوين.

إلى الأعلى