الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الثورة الصناعية الرابعة .. هل نحن مستعدون ؟

الثورة الصناعية الرابعة .. هل نحن مستعدون ؟

مقدمة:
يعتقد الأغلبية منا أن هناك ثورة صناعية واحدة فقط هي تلك التي حدثت في إنجلترا في 1760 واستمرت حتى 1820 . الا أن العالم شهد حتى الآن ثلاث ثورات صناعية وهو على أعتاب الثورة الرابعة.
ــــــــــــــــــــــــــ
يدور مفهوم “الثورة الصناعية الرابعة”، الذي انطلق من ألمانيا قبل سنوات قليلة، حول أتمتة الصناعة، والتقليل من عدد الأيدي العاملة فيها، بحيث ينحصر دور الانسان في الصناعة على الاشراف، وهذا يستلزم استخدام قدرات علمية لامتلاك بنية تقنية ورقمية متطورة. ستكون الثورة الجديدة، كما هو الحال مع الثورات الثلاث، سلاحا ذا حدين: إيجابيات وسلبيات عديدة ستطال الجميع، بما في ذلك المجتمعات المتقدمة. من إيجابيات “الثورة الصناعية الرابعة” أنها ستعين الانسان على تحقيق نسب عالية من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية عموماً، بتخفيضها كلف الإنتاج، وبالتالي تأمين خدمات ووسائل نقل واتصال تجمع بين الكفاءة العالية والثمن الأرخص. كما انها ستساهم في تقديم رعاية صحية أفضل للإنسان، وستختصر الكثير من الوقت في عملية التطور، وتعميم منجزاتها على العالم . الا أنها ستفرض في الوقت نفسه تحديات غير مسبوقة على المجتمعات البشرية. إن الثورة الصناعية الرابعة تشترط إعادة هيكلة اقتصادية شاملة، مقرونة بهيكلة اجتماعية وسياسية، سيرافقها تغيّر في القيم الثقافية والاجتماعية. الا أن المجتمعات البشرية، ستعاني جراء تبعات “الثورة الصناعية الرابعة”، زيادة في أعداد الباحثين عن عمل بشكل كبير حيث تؤكد تقديرات خبراء الاقتصاد أن أتمتة الصناعة من شأنها أن تقلص فرص العمل إلى 50%، خاصة بين الفئات الوسطى والدنيا من الأيدي العاملة، أي أصحاب “الوظائف البسيطة” التي لا تحتاج إلى خبرات علمية وتقنية عالية. ويخشى من أن تؤدي “الثورة الصناعية الرابعة” إلى اضمحلال دور الشركات المتوسطة والصغيرة في العملية الإنتاجية، وهيمنة الشركات الكبرى، ويشار هنا إلى تصريح أدلت به وزيرة التعليم والبحوث الألمانية، يوهانا فانكا، نوهت فيه إلى أن مخاطر الاعتماد على الشركات الكبرى لأن القوة الاقتصادية لألمانيا مازالت مستمدة من قوة اقتصاد الشركات المتوسطة والصغيرة، وأكدت الوزيرة الالمانية على ضرورة أن يعطى هذان القطاعان الحيويان اهتماماً كافياً. منظمة العمل الدولية حذرت في تقريرها السنوي، من ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل عالمياً في العام 2016، بسبب ضعف أداء الاقتصاد العالمي، وذكرت المنظمة في تقريرها أنه من المتوقع أن تزيد معدلات الباحثين عن عمل عالمياً بحوالي 2.3 مليون في عام 2016 عن 2015، والذي بلغ حوالي 197 مليون باحث عن عمل بالإضافة إلى 1.1 مليون كزيادة في عام 2017. وحذّرت المنظمة من تراجع أوضاع الطبقات المتوسطة في البلدان ذات الاقتصادات الناشئة والنامية، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى قلاقل واضطرابات اجتماعية وسياسية واسعة، بسبب اتساع حالة الفقر، وتدهور الأوضاع المعيشية في البلدان المذكورة. ويجب الأشارة الى خطر عدم كفاية إجراءات المؤسسات الاقتصادية من الهجمات الإلكترونية، ويعتمد سد هذه الثغرة على أشكال جديدة من التعاون بين كل دول العالم، الوصول إليها مازال متعثرا .
بدأت الثورة الصناعية الأولى في إنجلترا منذ عام 1760 وحتى 1820 ثم انتقلت بعدها إلى دول غرب أوروبا ومنها إلى جميع أنحاء العالم وبها حلت الآلة محل الانسان بشكل جزئي وجرى تصنيع مواد كيميائية جديدة وانتشار عمليات تصنيع الحديد وتحسين كفاءة الطاقة المائية وزيادة استخدام الطاقة البخارية وظهور نظام المصانع. سيطرت صناعة المنسوجات على الثورة الصناعية الأولى، من حيث فرص العمل، وقيمة الإنتاج، ورأس المال المستثمر، لأنها كانت الصناعة الأولى من حيث استخدام الآلات الحديثة التي ظهرت مع الثورة الصناعية. أدت الثورة الصناعية في بريطانيا إلى ثورة زراعية كبيرة هناك منذ منتصف القرن الثامن عشر، مما ساهم في تحسين المستوى المعيشي لسكان الأرياف حيث تزايد إقبالهم على استعمال المعدات الزراعية المتطورة التي أفرزتها الثورة الصناعية، وبدأ سكان الأرياف يعتمدون على جانب من مدخراتهم في تطوير المشاريع الصناعية. الثورة الزراعية وما صاحبها من إدخال الآلات والوسائل الحديثة في الزراعة أدى لسيطرة الآلات الكبيرة والاستغناء عن نسب كبيرة من العمال الزراعيين، هذا الأمر أدى لتوفير أيدي عاملة رخيصة وكثيرة للعمل في المصانع. كما ساهمت الثورة الزراعية في بريطانيا في تجمع رصيد ضخم من الأموال نتيجة التجارة الواسعة بين مستعمراتها فأدى لانتشار البنوك التي شجعت العديدين على الاقتراض وإقامة المشاريع الصناعية. وقد تزامن ظهور الآلات وانتشارها الكبير مع الاحتياج إلى مصادر جديدة من الطاقة، تم استخدام الفحم الحجري ثم البخار ثم الكهرباء من أجل تشغيل المحركات والآلات والسفن والقاطرات.
علاء الدين السيد يقول إن الثورة الصناعية الأولى أدت الى ظهور وسائل النقل وتسهيل عمليات التنقل بين المدن والبلدان. كما أدت إلى ظهور النظام الرأسمالي في الاقتصاد الذي يقوم على حرية العمل والمبادلات، وتحسنت أوضاع الناس المعيشية وازدهرت حركة العمران وزاد الإنتاج الصناعي بشكل كبير مما جعل الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها إنجلترا أن تصبح دولاً مقرضة نتيجة وجود فائض ضخم من الأموال لديها. من الناحية الاجتماعية أدت الى ظهور طبقتين رئيسيتين هما طبقة أرباب العمل وطبقة العمال، حدثت بينهما مواجهات عديدة، بعضها دام، مما أدى لتدخل الدولة للحد من تلك المواجهات من خلال التشريعات الخاصة بساعات العمل، والاجور والتأمين الصحي على العمال، والتأمين ضد الحوادث وغيرها.
تعرف الثورة الصناعية الثانية بالثورة التكنولوجية. بدأت هذه الثورة منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى مع اكتشاف طريقة لتصنيع الصلب تسمى طريقة “بسمر” في ستينيات القرن التاسع عشر. (طريقة بسمر هي أول عملية صناعية غير مكلفة لإنتاج كميات من الصلب المنصهر من الحديد الخام. نسبت هذه الطريقة لمخترعها هنري بسمر الذي حصل على براءة الاختراع العملية في 1855. تعتمد الفكرة الأساسية للطريقة على إزالة الشوائب من الحديد عن طريق أكسدتها بدفع الهواء خلال الحديد المنصهر، فتتأكسد الشوائب وترتفع درجة حرارة الحديد ويبقى منصهراً نتيجة الحرارة الناتجة عن الأكسدة.)هذه الطريقة كانت أول عملية صناعية غير مكلفة لانتاج كميات كبيرة من الحديد الصلب مما أحدث ثورة في صناعة الصلب وتقليل تكلفته. تطورت هذه الثورة بشكل متسارع في دول أوروبا الغربية وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا وفرنسا بالإضافة إلى الولايات المتحدة واليابان. تمحورت الثورة الصناعية الثانية حول صناعة الصلب والسكك الحديدية والكهرباء والمواد الكيميائية. ساهمت هذه الثورة الصناعية في انتاج نطاق واسع من النظم التكنولوجية الحديثة التي لم تكن معروفة من قبل مثل التليجراف وشبكات الغاز والمياه والصرف الصحي والسكك الحديدية، بعدما كانت هذه الخدمات مقتصرة على نطاق ضيق ببعض المدن. ظهور التليجراف ساهم بسهولة نقل الأخبار والأفكار بين دول العالم في وقت ضئيل جداً، مما سمح ببداية ظهور عصر العولمة وتحول العالم لقرية صغيرة. وسرع من هذا الأمر ما تم إدخاله من شبكات الكهرباء والهواتف. وقد بشرت هذه الثورة بعصر الانتاج الشامل ذي الكميات الضخمة .
الثورة الصناعية الثالثة هي التي نعيشها اليوم . انها العصر الرقمي للتصنيع. أخذت تكلفة إنتاج كميات قليلة من منتجات متنوعة تناسب الأذواق المختلفة في الثورة الحالية بالتناقص نتيجة التقنيات المذهلة من برمجيات متطورة وروبوتات مساعدة ومواد جديدة لم تكن معروفة في السابق وأساليب جديدة في التصنيع مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد مع مجموعة متكاملة من خدمات الإنترنت.تمثل الثورة الصناعية الثالثة التحول من عصر الإشارات التناظرية والعصر الميكانيكي والكهربائي إلى العصر الرقمي. بدأت هذه الثورة في أواخر خمسينات القرن الماضي مع ظهور أجهزة الحاسوب والتسجيل الرقمي . ارتبطت هذه الثورة بما يطلق عليه اسم عصر المعلومات، لأن هذه الثورة الرقمية أدت إلى تطور أساليب وطرق جمع وإرسال المعلومات حول العالم بسرعة متناهية ، لتصبح هذه الثورة هي قلب العولمة التي يعيشها العالم حالياً. يوجد اليوم عدد كبير من المصانع العملاقة التي تدار بشكل جزئي بواسطة الروبوتات وأجهزة الذكاء الصناعي، لكن هذه المصانع لاتزال تعمل بمراقبة و تدخل مستمرين من البشر.
///الثورة الصناعية الرابعة
تستيقظ في الساعة السادسة صباحا بعد نوم عميق على انغام ساعتك الذكية. في ذات اللحظة تدب الحياة في بيتك.غرفة النوم أشعلت الضوء وكذلك الحمام الذي بدأ بالاستعداد كي تأخذ حمامك الصباحي المعتاد، وكذلك الحال في المطبخ . بعد أن انهيت افطارك تبدأ بارتداء ملابسك التي فصلت على مقاسك، محرك سيارتك يبدأ بالعمل في الكراج استعدادا للذهاب للعمل. تحاول الاتصال بكبير المهندسين بالمصنع الذي تملكه وفوجئت بأن بطاريته على وشك النفاد، لكن الهاتف يعطيك تنبيهاً بأنه لاداعي للقلق فعملية استبدال البطارية تتم الآن داخلياً دون مشاكل. تستلم رسالة على هاتفك تفيد بأن إحدى الآلات في المصنع قد تعطلت وأن عملية التصليح الذاتي قد بدأت بالفعل وأنها ستنتهي خلال ساعة تقريباً. ليس من الضروري أن تذهب يوميا الى المصنع فالمصنع يدير نفسه بالكامل ويعتني بنفسه في كل الحالات الطارئة التي قد تستجد، وأن اليوم ذاهب هناك لمجرد الرغبة بالذهاب لا أكثر.
هذا ليس فيلم من أفلام الخيال العلمي، نحن في عالم ما بعد الثورة الصناعية الرابعة، حيث أن كل ما تحتاجه مصّنع لك حسب طلبك ومن أجل زيادة رفاهيتك . الثورة الصناعية الرابعة تنبأ بها الألمان منذ5 أعوام تقريباً، ثورة يدور كل شيء في العالم حولك ومن أجلك. هذه الثورة استمدت تسميتها من مبادرة تمت عام2011 من قبل رجال أعمال وسياسيين وأكاديميين، الذين قاموا بتعريفها على أنها وسيلة لزيادة القدرة التنافسية للصناعات التحويلية في ألمانيا من خلال زيادة دمج “الأنظمة الإلكترونية الفيزيائية في عمليات التصنيع. ملخص الأمر هو زيادة دمج أنظمة آلات يتم التحكم بها إلكترونياً. هذه الأنظمة تمثل آلات ذكية متصلة بالإنترنت، هنا سيكون دور مديري المصانع هو خلق وتكوين شبكة من الآلات التي ليس فقط تقوم بعمليات الانتاج بأقل قدر من الأخطاء، ولكن يمكنها أن تغير بشكل مستقل وذاتي أنماط الانتاج وفقاً للمدخلات الخارجية التي تحصل عليها مع احتفاظها بدرجة عالية من الكفاءة. هذه الآلات متصلة بالإنترنت وبالتالي هي على اطلاع بما يحتاجه العالم من منتجات قد تتغير فيها الأذواق، وبالتالي تقوم بتغيير أنماط وأشكال وحتى ألوان ما تقوم بتصنيعه طبقاً لحاجة العالم في الخارج. تبنت الحكومة الألمانية هذه المبادرة معلنةً أنه سيتم اعتماد استراتيجية التكنولوجيا المتقدمة في البلاد. وقد قامت الولايات المتحدة أيضاً، من بين دول أخرى، بالفعل بتبني هذه المبادرة أيضاً وقامت بتأسيس جمعية غير ربحية للإنترنت الصناعي في عام2014 بقيادة عمالقة الصناعة الأميركية مثل جينيرال إليكتريك وآي بي إم و وإنتل. ماهي الثورة الصناعية الرابعة ؟
واحدة من أكثر الجوانب الملموسة للثورة الصناعية الرابعة ستكون فكرة تصميم الخدمات الموجهة. هذا الأمر يتراوح بين قيام الزبائن أنفسهم باستخدام إعدادات المصنع نفسه لإنتاج منتجاتهم الخاصة (ستقوم أنت بالدخول على تطبيق المصنع على هاتفك الذكي وتعطيه مواصفات المنتج الذي تريده ليقوم بتصنيعه على الفور بشيك أوتوماتيكي كما لو أنك دخلت على حسابك البنكي وقمت بتحويل مبلغ ما لحساب آخر)، وبين قيام الشركة نفسها بانتاج المنتجات الفردية للأفراد بعينهم طبقاً لما يريدونه من مواصفات. من جهة أخرى فإن هذا الأمر معناه أن المنتجات المصنعة ستتواصل بشكل تلقائي ودائم مع المصنع نفسه، فلو أن هاتفك الذكي على سبيل المثال عرف موعد نهاية عمره الافتراضي في المستقبل القريب، فسيقوم الهاتف بإعطاء ملاحظة للمصنع والذي سيقوم بدوره بتغيير مستويات انتاجه ليعكس المعلومات التي منحها إياه هاتفك الذكي. بمعنى آخر فإن عملية التغذية الراجعة الخاصة بالمنتجات المصنعة ستكون ذاتية مما يساعد المصنع بشكل تلقائي على تطوير طريقة تصنيعه.ليس هذا فحسب ولكن هذا الأمر معناه أيضاً أنه بمجرد أن يتوقف هاتفك الذكي عن العمل فستجد هاتفا آخر جاهزا تم تصنيعه خصيصاً لك ليحل محله على الفور، وسيكون الهاتف الجديد على نفس الشكل الذي تفضله والذي كان عليه هاتفك القديم المفضل.
ليس هذا فقط. إن الشامبو الذي تستخدمه سيكون مخصصا لك أنت وحدك بما يناسب نوع شعرك وطبيعة فروة رأسك وما قد يكون بها من قشرة أو التهابات ما. وكل هذا بدون أي تكلفة اقتصادية إضافية . عندما تطلب اليوم من شركة أبل مثلاً أن تنتج لك لابتوب خاصا بك فإن سعر الجهاز سيكون أضعاف السعر الأصلي للجهاز المعتاد، لكن في الثورة الصناعية الرابعة فأنت ستحصل على جهازك الخاص بالمواصفات التي تتمناها دون أي تكلفة إضافية.
يعتقد كلاوس شواب مؤسس ومدير المنتدى الاقتصادي العالمي ان العالم يقف على حافة ثورة تكنولوجية من شأنها أن تحدث تغييرا جذريا في انماط الحياة التي نعيشها والعمل الذي نؤديه والطريقة التي نتعامل مع بعضنا البعض. وبسبب عظم حجم هذه الثورة ونطاقها وتعقيداتها ، فإن التغييرات التي سترافقها لم تر البشرية مثيلا لها من قبل. نحن لا نعرف حتى الآن كيف ستكون تلك التغييرات ، لكن شيئا واحدا واضح لنا الان: يجب ان يكون تجاوبنا نحن ( مهما كنا في القطاع الخاص والعام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني) معها متكاملا وشاملا.
لقد استخدمت الثورة الصناعية الأولى الماء والبخار من اجل مكننة الإنتاج. استخدمت الثانية الطاقة الكهربائية من اجل الإنتاج الواسع. واستخدمت الثالثة الالكترونيات وتكنولوجيا المعلومات لأتمتة الإنتاج. تستند الثورة الصناعية الرابعة على الثالثة، على الثورة الرقمية التي بدأت منذ منتصف القرن الماضي. تمتاز الثورة الرابعة بمزجها للتقنيات التي تلغي الحدود الفاصلة بين كل ما هو فيزيائي ورقمي وبيولوجي.
هناك ثلاثة أسباب للاعتقاد ان التحولات اليوم لا تمثل مجرد إطالة أمد للثورة الصناعية الثالثة بل دخول في الثورة الصناعية الرابعة: السرعة والنطاق ونظم التأثير. أن السرعة في التغييرات الحالية ليس لها سابقة في التاريخ. بالمقارنة مع الثورات الصناعية السابقة، تتطور الثورة الصناعية الرابعة بسرعة عالية، علاوة على أنها تطال كل صناعة تقريبا في كل بلد. وأن سعة وعمق هذه التغييرات تبشر بتحول لجميع نظم الإنتاج، والإدارة، والحوكمة. إن الاحتمالات غير محدودة امام المليارات من البشر الذين يتواصلون عبر هواتفهم المحمولة التي لم ير مثلها الانسان مثيلا في قوة المعالجة، وسعة التخزين، والوصول إلى المعرفة. وسوف تتضاعف هذه الاحتمالات عن طريق الاختراعات التكنولوجية الجديدة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وإنترنت الأشياء (هو البيئة التي فيها الشخص من نقل البيانات عبر الشبكة دون الحاجة الى التواصل المباشر مع غيره من البشر او مع الكمبيوتر. هذه التقنية طورت من خلال مزج التقنيات اللاسلكية، والأنظمة الإلكتروميكانيكية متناهية الصغر والإنترنت. وهي تعرف احيانا بانترنت كل شيء ) والمركبات ذاتية الحركة والطباعة ثلاثية الابعاد وتكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وعلوم المواد، وتخزين الطاقة، والحوسبة الكمية.
أن الذكاء الاصطناعي هو موجود اليوم في كل مكان حولنا، من السيارات ذاتية القيادة والطائرات المسيرة ( بدون طيار) وبرمجيات الترجمة أو الاستثمار وغيرها الكثير. تم إحراز تقدم مثير للإعجاب في حقل الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، مدفوعا بالتطورات الهائلة في القدرة الحاسوبية وتوافر كميات هائلة من البيانات، من البرمجيات المستخدمة لاكتشاف أدوية جديدة الى الخوارزميات المستخدمة للتنبؤ باهتماماتنا المختلفة . وفي الوقت نفسه فان تكنولوجيا التصنيع الرقمية، تتفاعل مع عالمنا البيولوجي بشكل مستمر. يجمع المهندسون والمصممون والمهندسون المعماريون بين التصاميم الحاسوبية والطباعة ثلاثية الابعاد وهندسة المواد، والبيولوجيا التركيبية لخلق بيئة تعايش بين الكائنات الحية الدقيقة، وبيننا والمنتجات التي نستهلكها، وحتى المباني الذي نعيش فيه.
///التحديات والفرص
مثل الثورات التي سبقتها، ستؤدي الثورة الصناعية الرابعة الى رفع مستويات الدخل وتحسين نوعية الحياة للسكان في جميع أنحاء العالم. حتى الآن، أولئك الذين استفادوا من هذه الثورة هم اولئك المستهلكون القادرون على ولوج واستخدام العالم الرقمي. لقد مكنتنا التكنولوجيا من الوصول الى منتجات وخدمات جديدة تزيد من كفاءة وحلاوة حياتنا الشخصية. على سبيل المثال ان طلب سيارة أجرة او حجزتذكرة طيران، او شراء سلعة او دفع اشتراك او الاستماع إلى الموسيقى، اومشاهدة الأفلام، أو الاستمتاع بلعبة كل ذلك ممكن اليوم وعن بعد.
في المستقبل، سوف يؤدي الابتكار التكنولوجي الى فوائد جمة عديدة ، الى جانب مكاسب طويلة الأجل في الكفاءة والإنتاجية. سوف تنخفض تكاليف النقل والاتصالات وستصبح الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد العالمية أكثر فعالية، وسوف تقل تكلفة التجارة، وكلها تفتح أسواق جديدة وتدفع عجلة النمو الاقتصادي.
في الوقت نفسه، كما أشار الاقتصاديان إريك برينيوفلسون وأندرو مكافي ، يمكن ان تؤدي الثورة الصناعية الرابعة الى اضرار كبيرة في سوق العمل. فعندما تحل أتمتة العمل محل الايدي العاملة البشرية في مختلف قطاعات الاقتصاد، فإن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم الفجوة بين العائد على رأس المال والايدي العاملة . من ناحية أخرى، ازاحة العمال من قبل المكائن والآلات قد يؤدي إلى زيادة الوظائف الآمنة والمجزية.
لا يمكننا التنبؤ في هذه المرحلة بالسيناريو القادم، ويشير التاريخ إلى أن النتيجة قد تكون مزيجا من الاثنين. ومع ذلك، يبدو ان الكثيرين مقتنعون ان الموهبة وليست راس المال ستكون الفيصل في الانتاج . وهذا يؤدي إلى ظهور سوق عمل منقسم الى قسمين عمال بمهارات متدنية يحصلون على اجور متدنية وعما بمهارات عالية يحصلون على اجور عالية مما سيزيد التوترات الاجتماعية.
بالإضافة إلى كونها مصدر قلق اقتصادي رئيسي، ان عدم المساواة تمثل أكبر مصدر من مصادر القلق او التوتر الاجتماعي المرتبط بالثورة الصناعية الرابعة. سيكون أكبر المستفيدين من الابتكار هم اصحاب المواهب الفكرية والمادية من المخترعين والمساهمين والمستثمرين وهو ما يفسر اتساع الهوة في الثروة بين أولئك الذين يعتمدون على رأس المال او العمل. لذا ستكون التكنولوجيا واحدة من الأسباب الرئيسية لركود الدخل، أو حتى تراجعه بالنسبة لغالبية السكان في البلدان ذات الدخل المرتفع حيث زاد الطلب على العمال ذوي المهارات العالية في حين انخفض الطلب على العمال الأقل تعليما ومهارات. والنتيجة هي سوق عمل فيه طلب على اصحاب المهارات العالية والمتدنية ويختفي الطلب فيه على المنطقة بين الاثنين.
هذا يساعدنا على تفسير هذا العدد الكبير من العمال المحبطين والخائفين من أن دخولهم الحقيقية ودخول أبنائهم ستستمر في الركود. كما أنه يساعد على تفسير سبب احساس الطبقات المتوسطة في جميع أنحاء العالم وعلى نحو متزايد بالظلم وعدم الرضا. ان اقتصاد الرابحين الذي لا يقدم الكثير للطبقة الوسطى قد يشكل خطرا على النظام الديمقراطي . ان عدم الرضا قد تسببه انتشار التكنولوجيا الرقمية وديناميات تبادل المعلومات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي . يستخدم أكثر من 30 في المئة من سكان العالم الآن وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل والتعلم وتبادل المعلومات. ان هذه الوسائل توفر في أحسن الظروف فرصا جيدة للتفاعل والتواصل بين الثقافات المختلفة. ومع ذلك، فإنها يمكن أيضا تشكل وتنشر أوهاما بشأن النجاح عند الافراد و الجماعات ، وكذلك فرصا للأفكار والأيديولوجيات المتطرفة في الانتشار.
///تأثير الثورة الصناعية الرابعة
قال العديد من الرؤساء التنفيذيين للشركات العالمية وكبار رجال الأعمال أن تسارع وتيرة الابتكارات والتغييرات لا يمكن فهمهما او توقعهما وان هذين العاملين يشكلان مصدرا دائما للمفاجآت، حتى بالنسبة للاشخاص الافضل تواصلا واطلاعا . في الواقع، في جميع الصناعات، هناك أدلة واضحة على أن التقنيات التي تستند إليها الثورة الصناعية الرابعة لها تأثير كبير على الأعمال التجارية.
بالنسبة للعرض تشهد العديد من الصناعات تكنولوجيات جديدة تخلق طرقا جديدة تماما لخدمة الاحتياجات القائمة وتحدث تغييرا كبيرا في سلاسل قيمة الصناعات القائمة. ويأتي التغيير أيضا من المنافسين المبتكرين القادرين على الاطاحة بالصناعات القائمة بشكل أسرع من أي وقت مضى من خلال تحسين الجودة والسرعة، أو سعر السلع او الخدمات وكل ذلك بفضل المواقع العالمية الرقمية للبحث والتطوير، والتسويق، والمبيعات، والتوزيع.
سيشهد قطاع الطلب تحولات رئيسية حيث ان تزايد الشفافية، ومشاركة المستهلكين، وأنماط جديدة من السلوك الاستهلاكي (الذي بني بشكل متزايد على الوصول إلى شبكات وبيانات الهاتف النقال ) ستجبر الشركات على تبني طرق المستهلكين في تصميم وتسويق وتسليم السلع والخدمات.
ستظهر مواقع تكنولوجية تمزج العرض والطلب للتاثير على الصناعات القائمة، مثل تلك التي نراها في اقتصاد الاستهلاك التعاوني او اقتصاد “عند الطلب” . هذه المواقع التكنولوجية، والتي اصبحت في متناول الهواتف الذكية، تجمع الناس والأصول والبيانات لتخلق بذلك طرقا جديدة تماما لاستهلاك السلع والخدمات . بالإضافة إلى ذلك، فإنها تقلل من الحواجز امام الشركات والأفراد لعمل الثروات وتغيير البيئات الشخصية والمهنية للعمال. هذه الشركات الالكترونية الجديدة تتضاعف بسرعة مقدمة طائفة واسعة من الخدمات مثل غسيل وتسوق الملابس ومواقف السيارات والمساج والسفر والسياحة وغيرها الكثير .
على العموم، هناك أربعة آثار رئيسية للثورة الصناعية الرابعة على الشركات، على توقعات الزبائن، على تحسين المنتج، على الابتكار التعاوني، وعلى الأشكال التنظيمية. سيكون الزبائن وبشكل متزايد هم بؤرة الاقتصاد الذي يقوم على تحسين الخدمات المقدمة للزبائن . علاوة على ذلك ، فان المنتجات المادية والخدمات، يمكن تعزيزها الان بالقدرات الرقمية التي تزيد قيمتها. ستجعل التقنيات الجديدة الأصول أكثر دواما ومرونة، في حين أن البيانات والتحليلات ستحول طرق المحافظة على تلك الاصول . وفي الوقت نفسه ستتطلب تجارب الزبائن والخدمات القائمة على البيانات، وأداء الأصول من خلال التحليلات، اشكالا جديدة من التعاون، نظرا لسرعة حدوث الابتكارات والتغييرات . اخيرا ان ظهور المواقع العالمية وغيرها من نماذج الأعمال الجديدة، يعني أن الموهبة والثقافة، والأشكال التنظيمية يجب أن يعاد النظر فيها.
وعموما، فإن التحول الصعب من الرقمنة (الثورة الصناعية الثالثة) إلى الابتكار القائم على مزيج من التقنيات (الثورة الصناعية الرابعة) سيدفع الشركات إلى إعادة النظر في طريقة عملها . وخلاصة القول على رجال الاعمال وكبار المدراء التنفيذيين فهم بيئتهم التي تتغير باستمرار وتحدي الافتراضات التي تقدمها فرق العمل لديهم وان يبتكروا بأستمرار وبلا هوادة .
وفي موضوع تأثير الثورة الصناعية على الحكومات فإن استمرار تداخل العوالم المادية والرقمية والبيولوجية ستتيح التقنيات والمناهج الجديدة للمواطنين وبشكل متزايد التفاعل مع الحكومات والتعبير عن آرائهم وتنسيق جهودهم. في الوقت عينه ستحظى الحكومات بقوة تكنولوجية جديدة لزيادة سيطرتها على السكان، باستخدام أنظمة المراقبة المنتشرة والقدرة على التحكم في البنية التحتية الرقمية. مع ذلك، فإن الحكومات ستواجه ضغوطا متزايدة لتغيير نهجها الحالي لإشراك الجمهور ورسم السياسات، وان دورها المركزي في إدارة السياسة سيتضاءل بسبب المصادر الجديدة من المنافسة وإعادة توزيع السلطة وجعلها لا مركزية بسبب التكنولوجيات الجديدة .

في نهاية المطاف، فإن قدرة النظم الحكومية والهيئات العامة للتكيف ستحدد بقاءها من عدمه . إذا ثبت أنها قادرة على القبول بالتغييرات الكبيرة من خلال إخضاع هياكلها إلى مستويات الشفافية والكفاءة التي تمكنهم من الحفاظ على قدرتها التنافسية، فإنها ستستمر . إذا كانت لا عكس ذلك ، أي نها لا تستطيع أن تتطور، فسوف تواجه مشاكل متزايدة.
سيكون ذلك جليا بشكل خاص في مجال التنظيم. تطورت النظم الحالية للسياسة العامة وصنع القرار في اعقاب الثورة الصناعية الثانية، عندما توفر الوقت الكافي امام صناع القرار لدراسة موضوع معين لوضع الحلول اللازمة او الإطار التنظيمي الملائم. كانت العملية برمتها مصممة بشكل صارم وميكانيكية في تنفيذها وتتبع اسلوبا هرميا يعمل من الاعلى الى الاسفل . لكن مثل هذا النهج لم يعد ممكنا. نظرا لسرعة التغيير والآثار الواسعة للثورة الصناعية الرابعة، فان المشرعين والمنظمين سيكونون تحت ضغوط عالية جدا إلى درجة لم يسبق لها مثيل ويفشلون في معظم الاحيان في التعامل مع تلك المستجدات.
كيف، إذن، يمكن أن الحفاظ على مصلحة المستهلكين والجمهور بوجه عام مع الاستمرار في دعم الابتكار والتطور التكنولوجي؟ من خلال تبني حوكمة “رشيقة”، كما فعل القطاع الخاص في الاعتماد وعلى نحو متزايد على الحلول السريعة لتطوير البرمجيات والعمليات التجارية بشكل عام. هذا يعني أنه يجب على المشرعين التكيف بصورة مستمرة مع بيئة دائمة التغيير وان يكونوا دائما قادرين على فهم القوانين التي يتولون تنظيمها. للقيام بذلك، والحكومات والهيئات التنظيمية تحتاج إلى التعاون بشكل وثيق مع قطاع الأعمال والمجتمع المدني.
ستؤثر الثورة الصناعية الرابعة أيضا تأثيرا كبيرا في طبيعة الأمن الوطني والدولي، مما يؤثر على احتمال وطبيعة الصراع. ان تاريخ الحروب والأمن الدولي هو تاريخ الابتكار التكنولوجي، وهو سيبقى كذلك . ان الصراعات الحديثة التي تشمل الدول هي “هجينة” في الطبيعة، حيث تجمع بين تقنيات القتال التقليدية مع عناصر ارتبطت سابقا مع اطراف غير دولية . ان الفرق بين الحرب والسلام، والمقاتل وغير المقاتل، وحتى العنف واللاعنف (مثلا الحرب الإلكترونية) أصبحت غير واضحة تماما.
مع حدوث هذه العملية ودخول تقنيات جديدة مثل الأسلحة البيولوجية والالكترونية ، فان الأفراد والمجموعات الصغيرة ستصبح مثل الدول في القدرة على احداث الدمار الواسع . وهذه ثغرة جديدة تؤدي إلى مخاوف جديدة. ولكن في الوقت نفسه، التقدم في التكنولوجيا سيعطي القدرة على الحد من نطاق أو أثار العنف، من خلال تطوير وسائل جديدة للحماية، على سبيل المثال، أو مزيد من الدقة في اصابة الأهداف .
وفي تاثيرها على الافراد فإن الثورة الصناعية الرابعة سوف لن تغير فقط ما نقوم به ولكنها ستغيير أيضا ما نحن عليه. انها سوف تؤثر على هويتنا وجميع القضايا المرتبطة به: خصوصيتنا واستقلاليتنا وأفكارنا وأنماط استهلاكنا، والوقت الذي نكرسه للعمل والترفيه، وكيف نطور عملنا،ومهاراتنا وكيف نلتقي بالاخرين ونطور علاقاتنا معهم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل ان وجود التكنولوجيا في حياتنا يمكن أن يقلل بعضا من قدرات الانسانية المهمة مثل التعاطف والتعاون. أن علاقتنا مع الهواتف الذكية هي خير مثال على ذلك. ان الاستخدام المتواصل قد تحرمنا من لذة الحديث المباشر مع الآخرين.
واحد من أكبر التحديات الفردية التي تسببها تكنولوجيا المعلومات هي الخصوصية. نحن نفهم وبشكل غريزي اهمية الخصوصية ، إلا أن ملاحقة وتقاسم المعلومات الخاصة بنا هو جزء حاسم من العلاقات الجديدة . ستزداد النقاشات حول القضايا الأساسية مثل التأثير على حياتنا الخاصة بسبب عدم السيطرة على بياناتنا الخاصة في السنوات المقبلة. وبالمثل، فإن الثورات التي تحدث في مجال التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي، والتي ستعيد تعريف معنى “الانساني” من خلال تغير حدود العمر والصحة والإدراك والقدرات، سوف تدفعنا إلى إعادة مفاهيمنا المعنوية والأخلاقية.
///المستقبل
يعتقد شواب ان التكنولوجيا والتغييرات التي سترافقها مهما بلغت ستبقى تحت سيطرة البشر . ستكون مسؤولية الجميع توجيه تطور التكنولوجيا من خلال القرارات التي نتخذها بشكل يومي سواء كنا مواطنين، اومستهلكين، اومستثمرين. وبالتالي يجب علينا استغلال الفرصة والقوة لدينا لتشكيل الثورة الصناعية الرابعة، وتوجيهها نحو المستقبل الذي يعكس الأهداف والقيم المشتركة.
للقيام بذلك، علينا أن نضع رؤية شاملة ومشتركة على الصعيد العالمي حول تاثير التكنولوجيا على حياتنا وكيف تعيد صياغة البيئات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية. ان الوقت القادم سيكون مليئا بالفرص والمخاطر . يجد صناع القرار اليوم انفسهم في كثير من الأحيان محاصرين بالتفكير النمطي التقليدي او ضائعين وسط ازمات متعددة تتطلب منهم التركيز مما يجعلهم غير قادرين على التفكير بشكل استراتيجي حول قوى التغير والابتكار التي تعيد تشكيل مستقبلنا.
في النهاية، ينحصر الامر بالناس والقيم. نحن بحاجة إلى تشكيل مستقبل لنا جميعا من خلال اعطاء الاولوية للناس وتمكينهم . في جانبها الاكثر سوداوية قد تحول الثورة الصناعية الرابعة الانسان الى روبوت ، وبالتالي ستحرمه من قلبه وروحه . في الجانب المضيء من الصورة ستكون الثورة الصناعية الرابعة جزءا لافضل ما يملكه الإنسان :الإبداع والتعاطف، والتنظيم الإشراف، وستكون قادرة على الرقي بالإنسانية إلى وعي جماعي وأخلاقي جديد يستند إلى المصير المشترك. وعلينا ان نعمل جاهدين لتحقيق ذلك.
في حديثه عن الثورة الصناعية الرابعة والعرب يقول الدكتور حسن مصبح من جامعة السوربون “إذا تأملنا مليا خارطة الاقتصاد الرقمي في العالم العربي، كان عدد المتصلين بشبكة الإنترنت في عام 2005 محصورا في 25.3 مليون مستخدم، أما في نهاية عام 2014، فقد فاق استخدام شبكات التواصل الاجتماعي أكثر من 85 مليون مستعمل للفيسبوك، و6 ملايين لشبكة تويتر، فيما يستعمل أكثر من 25 بالمئة من العرب شبكات التواصل الاجتماعية، حيث الربط الإلكتروني يتنامى سريعا في العالم العربي. رغم ذلك فإن انتشار الإنترنت في المنطقة العربية لا يتعدى نسبة 40.3 بالمئة بالنسبة لكل 100 نسمة، فيما تصل إلى 81.1 بالمئة في أوروبا و إلى 81.3 بالمئة في البلدان المتقدمة، وتصل إلى 39 بالمئة في آسيا والمحيط الهادي، بينما تصل في أفريقيا إلى 10.7 بالمئة، وفي باقي العالم 46.4 بالمئة، حيث ما يزال العالم العربي يعاني من فجوة رقمية بالرغم من الجهود المبذولة.
ويضيف ” لكن ما نعيشه اليوم من تفاعل رقمي سريع وانتشار مذهل للمعلومات وتأثير فاعل للتقنيات الجديدة في مجال الاتصال، يفرض الاعتراف بأن الشباب العربي يتوجه اليوم نحو هذا العالم الرقمي بكثافة، لكن دون ثقافة نقدية لهذه الوسائط. فالتكنولوجيا الجديدة في المعلومات والاتصالات، وخصوصا الشبكة العالمية التشاركية لديها القوة والقدرة لتحرير أقواله، لكنها يمكن أن تجعل منه مستهلكا جامحا ومتلصصا وصاحب هوية غامضة ومتشظية، ومتذبذبة بين سائر الخيارات والمعلومات المتناقضة، بل أكثر ما يقلق هو تحوله إلى عنصر خطير على مجتمعه. لذلك فإن واقع هذه الشبكات معقد جدا، ففيها يوجد كل شيء ولا شيء، الحقيقي والمزور، من الاستعراض ومن التلصص والتشويش والإشاعات، فهي تعزز من الثنائية الحتمية بين تقدم تقني يسمح بالتواصل سريعا وبين التواصل الإنساني الذي يجب عليه في المقابل التريث بالقدر الكافي. إذ أن التواصل الإنساني الحقيقي والعميق لا يتم أبدا بسرعة التواصل التقني. ومن ثم نطرح سؤالا جوهريا من ينظم هذه الغوغائية الإلكترونية؟ ومن يضبط إيقاعها عندما تحيد عن الصواب؟ ومن يفرق بين الصالح والطالح؟ بين المفيد وغير المفيد؟ بين الدعاية المغرضة والحقيقة؟
ولعل الحكمة العربية في هذا الباب تقول “إن الطنين الزائد يصيب بالصمم”، وهو ما يعني أن التباعد الاجتماعي، سيكون إحدى السمات الأساسية لمجتمع ينضح بالمعلومات من كل حدب وصوب. ولذلك، أصبحت هذه التكنولوجيا مولدة وهدامة للروابط في آن، وتحيط بها رهانات اجتماعية – اقتصادية، وتكنولوجية، وسياسية تحيل بالضرورة إلى تفكيك العامل البشري في المجتمع الشبكي. والواقع أنه لكي يوجد مجتمع، يجب أن لا ننسى بأنه لا بد من توفير شبكة اجتماعية، ولكن العكس غير صحيح. لذلك، كيف العمل عندما تؤدي التكنولوجيا الجديدة إلى عزلة الناس وتجريدهم من الانتماء الوطني، وتجعلهم بـلا جـذور، وتتـاجر بعناوين بريدهم الإلكتروني، وبمحتويات الشبكات الاجتماعية، واستخدام التسويق الموجه، وإعادة بيع البيانات الشخصية، وإرسال الرسائل الدعائية لهم تحت غطاء الرسائل الشخصية، مما جعل البعض يظن أن الشبكات الاجتماعية ما هي في الحقيقة إلا شباك خادعة للشركات واقتصاد الاتصال عن بعد، لا سيما عندما يتعلق الأمر بصناعات ثقافية سمحت بظهور اقتصاد رقمي.
إن تحديات عصر المعلومات، تكمن في الاعتراف بأن التنمية أصبحت بصيغة الجمع، حيث لم يعد الأمر يقتصر على التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية والبشرية، بل أصبح يشمل أيضا أداة هذه التنمية التي أصبحت التنمية الرقمية أحد عناصرها الأساسية.
وتتمثل في تحسين توصيل الإنترنت والربط والتغطية الواسعة أمام الشباب لكي ينمي قدراته على الاكتشاف والابتكار وبالتالي يصبح التعليم عن بعد والدورات الدراسية والتثقيفية ومواقع تعلم اللغات الأجنبية ووسائل الإعلام الاجتماعي والإخبار ومنصات استلهام الحلول عبر مشاركة الجمهور متاحا، وعاملا محفزا لإنعاش مفاهيم المسؤولية، ومجابهة التحديات التي يواجهونها، وخاصة أن كل شاب من بين أربعة شباب باحث عن العمل في العالم العربي.
وما يهم في هذا الباب، هو التركيز على عدة مؤشرات نراها كفيلة بتحديد مفهـوم الفجوة الرقمية في العالم العـربي وأبـرزهـا ما يتعلق بالجانب التقني الذي يشمل مؤشرات موضوعية تتمثل في غياب الحد الأدنى من البنيات التحتية (عدد الهواتف، عدد أجهزة الكومبيوتر، نسبة مستعملي الإنترنت بالنسبة لإجمالي السكان، عدد مواقع الإنترنت باللغة العربية…)، أما الثاني فيشمل مضمون هذه الفجوة (النفاذ إلى مصادر المعلومات.. استيعاب… تحصيل.. توظيف… توليد المعرفة).

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى