السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا .. وحرب القرية العصرية

سوريا .. وحرب القرية العصرية

علي عقلة عرسان

سوريا اليوم بيت المحنة، ونار الفتنة، وعجب من العجب، لا ترضي أهلها، ولا إخوتها، ولا أصدقاءها، ولا الباحثين عن الحقيقة في ركام الكذب، ولا تطمئن السائلات والسائلين، عن نهاية للمأساة، وعودة الاطمئنان للأحياء في الحياة.. فهي.. هي.. قل ما شئت عنها.. فقد لا تخطئ الوصف، وقد ترضي متتبعين يبحثون عن تَعَيُّنٍ، وتيقُّنٍ، وتعيين.

صورة مأساوية للسوريين، تلك التي ترتسم في أعين العالم، وتزداد رسوخًا يومًا بعد يوم. ويساهم في رسمها لهم، سوريون، وأشقاء، وأصدقاء، وأعداء، ومتنازعون على المصالح في بلدان ومواقع أخرى، يجدون الآن تسويقًا سياسيًّا لنزاعاتهم عبر سوريا. وتلك الصورة المأساوية، تطول السوريين، سواء أكانوا في داخل الوطن أم خارجه، في السلطة أم في المعارضات، في اللجوء أم في النزوح، تحت القصف والردم، أم تحت الحصار وقيد الاحتضار جوعًا.. مدنيين أم عسكريين. صورة لا يتمناها عدو لعدوه، في حال كانت العداوة على مستوى من الترفّع والخُلق القويم، ويحكمها عقل وضمير، لدى متعادين، يدركون ألّا عداوات أبدية!؟ وتزداد صورة صورة السوريين تلك تشويهًا وكارثية، من خلال: منطق يتنازع تمثيلهم، ومن يدعون تمثيلهم، حيث يهوي بأولئك منطقهم ذاك، حدثًا بعد حدث، وممارسة وحشية بعد ممارسة، ينضح بها اقتتالهم وتعاديهم، وارتهانهم لإرادة الآخرين، في التعادي والاقتتال.
في الآونة الأخيرة، تابعت الكثير من الأحداث الهامة المتداخلة، والمتزامنة أحيانًا، وكلها متصلة بالشأن السوري، وتشير إلى ما هو أبعد من مأساوية الصورة، حيث مأساوية المصير. وكان كل حدث من تلك الأحداث، منها يزيد من حدة المأساة، ويعزز الظن بأننا ذاهبون إلى مزيد من المعاناة، والبؤس، وإراقة الدم. لقد تابعت ما جرى في جنيف ٣، خلال لقاءات قيل إنها “التمهيد للمفاوضات”، تلك التي عمّقت جروحًا وأضافت قروحًا، فأفضت إلى تعليق الاجتماعات، على أمل أن تُستأنف في الخامس والعشرين من شباط/فبراير الجاري ٢٠١٦. كما تابعت مؤتمر المانحين، لمساعدة اللاجئين السوريين، الذي عُقد يوم الخميس، الرابع من الشهر ذاته، في لندن، وجمع تبرعات بما يزيد على عشرة مليارات دولار، تُنفق على مدار سنوات أربع قادمات، ويذهب قسم منها إلى “إعادة الإعمار؟!”.. وفي ذلك المؤتمر، ازدادت الصورة قتامة وتشوهًا ومأساوية، وفيه برزت نقائض، ليست كنقائض جرير، والفرزدق، والأخطل، كلام في كلام.. بل هي نقد على نقد؟! حيث كان هناك من طالب بأحد عشر مليار دولار، لتحمل أعباء اللاجئين السوريين، ومن طالب بثمانية مليارات من الدولارات، لكي يتحمَّلهم في بلاده، ويُسكِتَ غضبَ شعبه، من وجودهم بينهم؟!.. وهذا مما يصدم بقوة، إذ يشي بتجارة سياسية من قبَل البعض، ويحشو الجرحَ السوري ملحًا، وفي ذلك المؤتمر، كان هناك نقيض لأولئك، سكتَ كرماء، تحملوا أكبر الأعباء من جراء لجوء السوريين إلى بلادهم هربًا من الموت.. تحملوا، وساعدوا، ولم يجرح الواحد منهم مشاعر السوريين، بل تابع التبرع لمساعدتهم بكرم.. وللكل الشكر.. فأطفال سوريا، على الأقل، ينبغي ألا يبقوا خارج المدارس، ونهبًا للموت: جوعًا وبرْدًا ومرضًا.
وهالني في ذلك الأمر ما هالني، حين قارنت بين ما يتركرَّم به أطراف في “المجتمع الدولي”على السوريين، من مساعدات إنسانية.. وبين ما يدفعه أطراف منه، من أموال، لكي تستمر الحرب القذرة في سوريا، تلك التي تسبب الكارثة في سوريا والمنطق، ولا تكف عن التفاقم، يومًا بعد يوم.. منذ ما يقرب من تمام خمس سنوات، جْمريَّة التوقّد، مدمرة للحياة والعمران والقيم والوجدان!! حيث بدا من المقارنة، أن الكرمَ العالمي، على المحتاجين من المدنيين السوريين، لا يرقى إلى عشر معشار ما يُقَدَّم، من جانب دول وأفراد، لاستمرار حرب على سوريا وفيها، تقتل، وتشرد، وتتسبب في المآسي، وفي تدمير البلاد؟! وروَّعتني حقيقة تختفي أو تسطع.. بين تعليق وتصفيق.. حقيقة تقول: إن المجتمع الدولي يُزمع على أن تبدأ المدارس في المنافي السورية المجاورة، باحتواء الأطفال السوريين، ابتداء من نهاية عام ٢٠١٦؟! حيث الدلالة الإنسانية في هذا تواكب توقعات سياسية، ميدانية وغير ميدانية، عبر دول ومؤسسات دولية، تشير جميعها إلى استمرار المأساة سنوات وسنوات قادمات، وأن عودة السوريين إلى بلدهم تبدو بعيدة، في ظلال هذه السياسات؟! وتابعت أخبار فقدان عشرة آلاف طفل سوري في أوروبا، حيث لا يَعرف مصيرَهم أحد، ولا يكاد يهتم بأخبارهم أحد.. وهم في الغياب، يشكلون للإنسان عاصفة مكبوتة تدوي في النفس، فيها من الارتياب ما فيها.. فربما استُخدم أولئك الأطفالُ قطعَ غيار بشرية، وربما كانوا على قيد الحياة يُستثمَرون، ويُستنزَفون، ويُعذّبون، ويعيشون المحنة وحيدين.. وربما، وربما.. فلا وطن يسأل عنهم، ولا أهل يقدرون على السؤال، لأن الأهل أيضًا في المحنة والغياب، وفي جحيم الارتياب.. وربما لا يستطيعون حتى البكاء على أولادهم.. لأنهم إمّا في التغييب أو في الغياب، والترهيب، والعذاب، وإما في القبور، “يتمتعون” براحة أبدية من الظلم، والقهر، والرعب، والإرهاب، والتعذيب، والبؤس.. أو هم في غياهب من شتى الأنواع، لا يدري بها وبهم إلا خالقهم؟!
وتابعت أيضًا، وبمرارة، وحسرة، وبغضب متَّقد في القلب، حارق للكبد.. ذاك الذي يستثيره، في كثير من الحالات والأوقات، منطقُ تجار السياسة، والقيم والشعارات، وتجار الحرب، وتجار الأزمات الإنسانية، لا سيما تلك التي أصابت المدنيين السوريين في الصميم.. ومنطق الذين يتاجرون بالدماء، والأرواح، والأجساد، وبالحياة المعيشية اليومية لملايين الناس، منذ بداية الحرب/الكارثة، التي هوت بسوريا والسوريين، إلى حضيض غير متوقَّع، وما زالت تفتك بهم هنا وهناك، وتهوي بهم هنا وهناك، إلى مزيد من الحضيض بين الأمم. تابعت مؤخرًا، وتابعت، ومما تابعته، تكدُّس عشرات آلاف الهاربين الجدد، من الجحيم السوري المتجدّد، ومحاولاتهم اللجوء إلى أي مكان من العالم، يحميهم من الموت.. ومعظمهم الآن على الحدود التركية، في منطقة كلِّس وسواها، وخلفهم مئات آلاف آخرين يضطرون إلى ترك بيوتهم في حلب، إضافة إلى من هجَرها من قبل.. وعشرات الآلاف من حوران، تصدّهم الحدود الأردنية، ويبحثون عن مأمن. وكل ذلك نتيجة لتصاعد حدة المعارك، المستمرة بوحشية في سوريا: شمالًا، وجنوبًا، وشرقًا، ووسطًا، وحول العاصمة دمشق، التي لم تعد تعْصِم، أو تستوعب وترحم من يعتصمون بها، لضيق ذات اليد، بعد القبض والشد.
سوريا اليوم ليست مصدر خطر على الأمن والسلم في المنطقة فقط، بل أصبحت بؤرة للإرهاب، ودار حرب سيريالية، لدول وقوى وطوائف ومصالح.. حرب قد تمتد وتتطور، وتصبح عالمية. وسوريا اليوم بؤرة لفتنة مذهبية قبيحة، فتنة “سنيَّة ـ شيعيَّة”، ربما تطول، وتنتشر، ويزداد ثمرُها المر، ودفق دم من تدفعهم، أو يندفعون باسمها، وتحت مظلتها، إلى الموت.. وقد تمتدُّ، حروب الفتنة تلك، عقودًا من الزمن بعد عقود، وتزدهر “كراهية وأضغانًا”، وتتوقد نارًا بين “مسلمين، ومسلمين”، كل منهم يحتكر الدين، ويطعن الآخر، باسم الدين، ويخرجه من الدين والدنيا، باسم الدين، ويباركه عند الذبح بسكين، لكي يقبله “اللهُ جل الله”، أضحيةً، يتقرب بها الذّابحُ إلى الله، باسم الدين؟!
سوريا اليوم بيت المحنة، ونار الفتنة، وعجب من العجب، لا ترضي أهلها، ولا إخوتها، ولا أصدقاءها، ولا الباحثين عن الحقيقة في ركام الكذب، ولا تطمئن السائلات والسائلين، عن نهاية للمأساة، وعودة الاطمئنان للأحياء في الحياة.. فهي.. هي.. قل ما شئت عنها.. فقد لا تخطئ الوصف، وقد ترضي متتبعين يبحثون عن تَعَيُّنٍ، وتيقُّنٍ، وتعيين.
وفي الأفق السوري، وبسببه، ومن حوله.. يبدو أن هناك من يستحثُّ الاقتتال المباشر، بين تركيا وروسيا، تحت رايات، منها: وحدة سوريا، والحرب على المدنيين، والإرهاب، والأكراد، وغير ذلك من المحركات، والمسببات، والأسباب. والروس يسعون إلى ذلك، ويحاولون كسب الوقت، وود الأميركيين، وتخدير الأوروبيين.. ويركزون على ورقة الأكراد، منذ إسقاط السوخوي الروسية فوق الأراضي السورية. وهم يحرضون الأكراد، ويدعمونهم، في سوريا وفي العراق، ويستثيرونهم ويغرونهم بالتحرك حتى في تركيا ذاتها، حيث سيطر حزب العمال الكردستاني الـ P.K.K التركي، على خمس بلدات في جنوب شرق تركية، وفصلها بخنادق عن سواها، معلنًا استقلالها، ودخل في حرب مع الجيش التركي في حرب لاستعادة السيطرة على تلك البلدات.. وفي تركيا الآن، تحرك للأكراد، ولجهات أخرى تعادي النظام والرئيس.
وليس دعم الروس للأكراد مجرد نكاية بالأتراك فقط، نتيجة الحادث المشار إليه، حادث السوخوي، بل لجعل الأكراد إلى جانبهم، في استراتيجية جديدة، ومشاريع سياسية جديدة في المنطقة.. والأكراد يَهْتَبِلون هذه الفرصة، ويستفيدون منها لخدمة مشروعهم، مشروع الدولة، فقد أعلن البرزاني، قبل أيام، عن استفتاء لاستقلال كردستان عن العراق، وإعلان دولة.. وهو يتابع حفر خندق حدودي طويل، بين المناطق التي تتمتع بالحكم الذاتي، وبين المحافظات العراقية الأخرى؟! ويبدو أن الاستراتيجية الروسية في هذا المجال، تقابل طموحًا تركيًّا يرمي إلى استعادة الروح العثمانية.. بل تمضي روسيا أكثر، وأبعد، وربما تقرع باب، ما يسمى في المنطقة، “سايكس ـ بيكو” جديدة، الدور الروسي فيها أكبر مما يُستَشفُّ. وهي استراتيجية ترمي إلى استعادة مواقف من التاريخ، ترقى زمنيًّا إلى فتح القسطنطينية وما قبله، وإلى السلطان محمد الفاتح، ومَن هم قبله من السلاطين.. وتفتح الشهية أمام مطامح ومطامع، ذات أبعاد ترقى إلى زمن صراع السلاطين والقياصرة.
إن تركيا لا تربح من هذا الاستدراج، ولا هو في صالحها، وليس لها مصلحة في حرب، تقع بينها وبين روسيا، ولا تفكر في ذلك، وتعي مخاطره الجمَّة، ولذا تردُّ على اتهامات موسكو بأنها تحشد بريًّا للتدخل عسكريًّا في سوريا، ردودًا حذرة. وهي تدرك أن ليس لها أوراق كثيرة تستخدمها ضد الاتحاد الروسي، كتلك التي للاتحاد الروسي من أوراق يستخدمها ضدها.. وذلك على الرغم من وجود امتداد قومي، وإسلامي لها، في بلدان الاتحاد الروسي.
لقد تأزم الوضع أكثر، في المنطقة، بعد تكثيف العمليات العسكرية الروسية المواكبة لعلميات الجيش السوري. وقد ارتفعت الأصوات منادية بالتدخل، وترجيح كفة الحسم العسكري.. وفي هذا الإطار أعلنت الرياض عن استعدادها، لدخول الحرب، بريًّا، في سوريا “ضد داعش”، ولقي ذلك ترحيبًا أميركيًّا، ووعدًا بعرض الأمر على اجتماع التحالف الدولي “٦٥ دولة” ضد داعش في اجتماعه هذا الأسبوع في بروكسل.. وكانت تركيا قد أعلنت أنها لا تستطيع أن تبقى متفرجة، إذا ما وصل الأمر إلى تهديد حدودها مع سوريا.. وقد بدأت روسيا تطلق اتهامات جدية لتركية، بأنها تعد للتدخل عسكريًّا في سوريا، كما ذكرنا سابقًا.. وربما نقرأ في هذا كله، أن تعاونًا تركيًّا ـ سعوديًّا، بإشراف أميركي، يريد أن يحد من تدخل الروس في سوريا.. بعد أن وصل الجيش السوري، بمساعدة الروس والإيرانيين، إلى نُبُّل والزهراء، والريف الشمالي لحلب.. وهذا ما جعل ناقوس الخطر يُقرَع في المنطقة من المعارضات ومناصريها، لا سيما من المملكة العربية السعودية، ومن تركيا، ومن المعارضات، على الخصوص، على مسامع جميع المناصرين.
إن تركيا لا تستطيع أن تقف متفرجة، حين تصل النار إلى أطراف ثوبها، وهي تقول ذلك بوضوح.. وفي الوقت ذاته، يناديها، ويستثير حميتها، عرب ومسلمون، ودول، ومعارضون، للقيام بفعل ما يكون في صالح الجميع.. فالمعارضات السورية تريد من تركيا أن تتحرك لمناصرتها، لا سيما بعد ما جرى في جبلي التركمان والأكراد في شمال غرب سوريا، وبعد أن امتدت المعارك، التي تساهم فيها روسيا الاتحادية جويًّا، إلى شمال حلب، مع ما يطول المدنيين من ذلك.. وذاك توجه قتالي، تحت مظلة محاربة الإرهاب، “داعش وأخواتها”، يستهدف السيطرة على حلب. وهناك من يرى أنه من واجب تركيا أن تتحرك لتنصر السنة، كما تتحرك إيران، منذ زمن، لنصرة الشيعة في سوريا والعراق.
أمَّا الأميركيون والروس، فبينهما ما يشبه لعبة “الاستغماية”، أراك ولا أراك، وبينهما ما يشي بتفاهم، لكل منهم فيه مصلحة، وحسابات.. بما يشي بتفاهم، أعلى من التحالفات من جهة، وأعلى من الخلافات والنزاعات بينهما، حيث ستتقاسمان المنطقة، وربما العالم، بالقوة، ويفضي الوضع إلى عقد اتفاقيات سياسية جديدة، تحكم القوى والعلاقات الدولية، والسياسات، والمصالح، لمدى زمني قد يطول.. أما أوروبا فلا تقف بعيدًا عن الولايات المتحدة، وربما تتضرر تركيا ودول عربية، أكثر من سواها. وقد يتطور الوضع العسكري، بين دول عربية وإسلامية، إلى صراع دموي واسع النطاق، على خلفيات مذهبية، تجعل الجميع نهبًا للأميركيين والأوروبيين والروس والصهاينة.
لقد بدا واضحًا أن الحسم النهائي، في سوريا، سيكون عسكريًّا. وفي ضوء هذا ينبغي أن نقرأ استعجال الروس والأميركيين عقد اجتماع بينهما، والحديث عن وقف لإطلاق النار وفق القرار ٢٢٥٤. وهذا أجدى، وأكثر منطقية، وما دعوة مجلس الأمن الدولي إلى انعقاد يوم الجمعة الـ٥ من فبراير، واتفاق الدول العظمى على استئناف مفاوضات جنيف، قبل المدة التي حددها دي ميستورا وهي “٢٥ فبراير الجاري”، إلا محاولة للعب في الزمن الضائع. وهكذا نجد الآن، كما وجدنا سابقًا: أن الأوضاع تتجه إلى الحسم العسكري، على الرغم من الكلام على أنه لا يوجد سوى حل سياسي/للأزمة الحرب، في سوريا؟!
وإذا ما وقع الصدام العسكري، الموسع، أو الأوسع.. فإن المنطقة برمتها ستشهد تحولًا نوعيًّا نحو حرب تولِّد حربًا، وتشعل المعارك بين دول، هي أعضاء في تحالفات دولية. وحرب من هذا النوع، لا سمح الله، ستكون نكبة النكبات، للمنطقة كلها، ولن يسلم العالم منها. ألا يقولون: “إن العالم أصبح بمثابة قرية”؟!
وكان الله في عون الحارات والأزقَّة وأهلها، في حروب القرية العصرية.

إلى الأعلى