الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / انتفاضة الفدائيين

انتفاضة الفدائيين

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

كل ما يبدر عن الصهاينة اليوم تجاه ما يسمونها “انتفاضة السكاكين” لا يعكس إلا إرباكًا ورعبًا وتوجسًا من آتيها، يزيد منه تزايد تحوُّل السكاكين إلى رصاص وتواصل استخدام هذين وثالثهما الدهس جنبًا إلى جنب، وما قد تأتيهم به من جديد بوادر تطور العمليات الفردية إلى عمليات الخلايا مسبقة التخطيط ومعقدة التنفيذ، كما هو حال عملية باب العمود المقدسية الأخيرة.

دخلت الانتفاضة الفلسطينية شهرها الخامس. تجاوزت مرحلة بدايات رافقتها حيرة المحتارين في اختياراتهم لمسمياتها وتوقُّعاتهم لمآلاتها. أهبة أم انتفاضة؟ أمحدودة أم شاملة؟ ستخبو أم ستستمر؟ إلى ما هنالك من الأسئلة التي نعتقد أنها قد أجابتهم الآن عليها. في البدء، قيل الكثير في ظروف اندلاعها، ومثله عن موازين القوى المختلة، وما لا يصعب ملاحظته من مرحلة تأتي كافة رياحها وطنيًّا وقوميًّا ودوليًّا بما لا تشتهي سفنها. ومنه، قدرة وانفلات آلة بطش عدوها ووحشيته اللامحدودة، وعاهة أوسلوية ساحتها، وسائر كل هذه الظروف بالغة القهرية وشديدة التعقيد، التي يواجهها واقع شعب ظهره إلى الحائط ومستفرد به، وكل ما هو المعلوم وما لسنا هنا بصدده.
قلنا حينها، سمُّوها ما شئتم، فما هي إلا محطة نضالية من محطات تترى منذ بدء الصراع وإلى أن يحسم، أي لها لاحقها ولاحقه في مسيرة كفاح مديد لشعب مناضل أسطوري الصمود ومذهل التضحيات، وابتكاراته للمستجد من أشكال نضاله تظل المدهشة والمفاجئة والمتوائمة دومًا مع لحظته الكفاحية والمتناسبة بالضرورة مع ظروفها القاسية وتعقيداتها الصعبة، وحيث لا يحكمها ولن يحكمها إلا قانون واحد هو: ما دام هناك احتلال فستكون مقاومته.
نعم، قدَّمت الانتفاضة حتى الآن أكثر من 173 شهيدًا ومئات الجرحى ومثلهم من الأسرى، وبالمقابل خسر المحتلون أكثر من واحد وثلاثين قتيلًا وعشرات المصابين، لكنما في ظل موازين القوى المختلة، ولطبيعة العدو وهشاشة وجوده المصطنع، وسائر ما بيَّناه آنفًا، تميل الكفة لصالح الفلسطينيين لا لعدوهم، والأهم منه أن هذه الانتفاضة حتى الآن قد حققت من المنجزات واحدةً هي مما لا يُقدِّر إلا عدوها وحده مصيريتها ولا غيره يشعر بمدى خطورتها بالنسبة لوجوده، ألا وهي إرباكها وهزها لمرتكز وعامل رئيس لاستمرارية وبقاء كيانه الغاصب، وهو أمنه، إلى جانب المشهود من تأثير ذلك على اقتصاده، وقد لا يقل عنه أنها قد أرغمته على إيقاف عملية تقسيمه للأقصى زمانيًّا ومكانيًّا، ثم إنها قد أعادت القضية، رغم كل أسباب التناسي متعدد الدوافع والتوجهات، عربيًّا ودوليًّا، إلى واجهة الأحداث المزدحمة شاشتها هذه الأيام بكل ما من شأنه أن يسهم فيما يدفعها جانبًا ويغطي عليها.
كل ما يبدر عن الصهاينة اليوم تجاه ما يسمونها “انتفاضة السكاكين” لا يعكس إلا إرباكًا ورعبًا وتوجسًا من آتيها، يزيد منه تزايد تحوُّل السكاكين إلى رصاص وتواصل استخدام هذين وثالثهما الدهس جنبًا إلى جنب، وما قد تأتيهم به من جديد بوادر تطور العمليات الفردية إلى عمليات الخلايا مسبقة التخطيط ومعقدة التنفيذ، كما هو حال عملية باب العمود المقدسية الأخيرة. وزيرهم اوري اريئيل يصف الوضع الأمني للصهاينة في الضفة بأنه “لا يطاق”، ويدعو للمزيد من التهويد وقمع الفلسطينيين… يزيد من هذا الإرباك والذعر ما يضاف إليه مما يمكن تسميته برعب الأنفاق، حيث يخاف مستعمرو مستعمرات ما يطلقون عليه “غلاف غزة” أن يخرج لهم المقاومون من تحت الأرض، لدرجة أنهم باتوا يتخيلون سماع الحفر تحت أقدامهم فيستنجدون بسلطاتهم التي تهب لفحص التربة من حولهم للتأكد مما يتخيلون، وأن تعلن أنها قد بدأت في تدارس مسألة ابتكار الممكن من “عقبات” في وجه هذه الأنفاق الزاحفة.
لذا فإن عملية فدائي حاجز مستعمرة “بيت إيل”، الحاجز العسكري القابض على أنفاس رام الله، الشهيد البطل أمجد السكري، كانت بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس الصهيوني ودفعت المحتلين لحصار المدينة وسلطتها وإقفال مداخلها، والتصديق علنًا على مقولة صائب عريقات من أن “يوآف مردخاي، منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، بات الرئيس الفعلي للشعب الفلسطيني”!
قبل العملية لم يسمع الصهاينة بمثل ما سمعوه من تأكيدات الأوسلويين المتكررة على المواظبة على التعاون الأمني معهم…تصريحات ماجد فرج مثلًا وتثنيات رئيس السلطة عليها، إضافة لترداد الأخير لما ردده مرارًا من أن جانبه الفلسطيني، فيما يتعلق بالتزامته الأوسلوية، يقوم “بواجبه على أكمل وجه”، لكنما المحذور، وما له دلالاته، والذي لطالما خشوا وقوعه، وكانوا قد تحسبوا له بعيد اندلاع الانتفاضة، وحذَّرتهم أجهزتهم الأمنية مرارًا منه، قد وقع…كان جديد الانتفاضة في هذه المرحلة، وهو:
رقيب أول في شرطة السلطة الخاصة، مرافق لرئيس نيابة رام الله، يستخدم سيارة من يرافقه، وبطاقة الـ”vip”، التي يخص بها الاحتلال قيادات السلطة للتنقل، ليقتحم حاجز “بيت إيل” المسمى شعبيًّا “حاجز الشخصيات المهمة جدًّا”، مستعملًا في هجومه على المحتلين سلاحًا يفترض أنه خاص بشرطة دايتون، ويردي به ثلاثةً منهم قبل أن يستشهد…كان قبل ساعتين فحسب قد غرَّد على حسابه في “الفيس بوك” بما يلي: “صباحكم نصر بإذن الله” وتلا الشهادتين…
لا حصار رام الله، ولا التهويد والتنكيل، وحتى الترانسفير، يثني سلطة “أوسلو” عن مواصلة “مقدسها”، أو تعاونها الأمني مع المحتلين، وإيقاف مطاردتها للمقاومين، ومحاصرتها للانتفاضة، أو الإقدام على خطيئة من مثل اعتقال البروفيسور عبدالستار قاسم. إنهما يؤكدونه يوميًّا… وصلوا حد أن يبرر عباس زكي إحجامهم عن التوجه لمحكمة الجنايات الدولية بأن الأميركان هددوهم إن هم فعلوا بوضع كافة مسؤوليهم على قائمة الإرهاب!
…بعد عملية بطل حاجز “بيت إيل”، الشهيد أمجد السكري، جاءتهم عملية أبطال قباطية، الشهداء أحمد زكارنة، وأحمد أبو الرب، ومحمد كميل في القدس. الفردية غدت خلايا، والسكاكين أفسحت مكانًا للرصاص. على الصهاينة الآن أن يسموها “انتفاضة الفدائيين”…

إلى الأعلى