الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / لسَانُنا الذي نَسيناه

لسَانُنا الذي نَسيناه

دائرة المجهولات لدى الكثير من أفراد أيّ مجتمع من المجتمعات كبيرة جداً، وهي تتنوّع في مجالاتها العلمية والمعرفية والثقافية بشكل عام، وتتفاوت مستويات هذه الدائرة من شخص إلى آخر، وهذا ليس عيباً، لأن تطوّر الحياة يفرض على الإنسان التخصص في مجال معين لأنه سيكون مداراً لنشاطه العملي حتى آخر يوم عمل له قبل تقاعده، وعلى سبيل المثال نلاحظ شخصاً لديه مستويات معينة من بعض العلوم المرتبطة ببعضها البعض كعلوم اللغة العربية، بينما لا يُلمّ بأي مستوى من علوم أخرى، إلا كثقافة عامة وخطوط عريضة، وبعضهم متخصص في علم ما ـ كأحد العلوم الدقيقة ـ ولكنه جاهل في بقية العلوم الأخرى لعدم ارتباطها بذلك العلم، إلا كثقافة عامة وخطوط عريضة أيضاً، وبعضهم متخصص في سلسلة من العلوم التي ليس لها أي ارتباط ببعضها البعض ولكنه يجهل علوماً أخرى، وهكذا تتعدد الاحتمالات والأقسام في هذا الجانب من الإحاطة وعدم الإحاطة واختلاف المستويات وتداخلها، وهذا التفاوت شيءٌ طبيعي وهو يعود للمستوى التعليمي ونوعه ودرجته، ويعود أيضاً للهوايات الشخصية للشخص وميوله ومدى جدّيته في تحصيله الذاتي؛ ومستوى قراءاته واطلاعاته؛ ومواكبته لما هو مستجد في الحياة وتطورها المطّرد مع حركة الزمان.
انطلاقاً من هذه المقدمة، نعرف أنّ ثمة نواقص معينة لدى كل إنسان تجاه موضوع العلم والمعرفة والفكر والثقافة بشكل عام، فلسنا جميعاً نتحلى بالإحاطة التامة بكلّ ما في الوجود لأنّ هذا من سابع المستحيلات وهو لا يكون إلا لخالق الوجود سبحانه وتعالى.
ومن ذلك أيضاً نقرّ بأننا مهما وصلنا في مستوياتنا العلمية والمعرفية وتراكمت خبراتنا فإن هناك نواقص معينة ندركها تماماً وننتبه إليها لأن عقلنا الباطن يحكم بذلك، ويُلفتنا إلى أننا غير محيطين بهذه الجوانب العلمية والمعرفية الأخرى، كما تقرّ عقولنا الظاهرة بهذه الحقيقة فلا نكابر ولا ندّعي ما لا نعلم، ومن يدّعي العلمية فيما لا يعلم فهو إما جاهلٌ أو واهمٌ أو متكبّر.
وكما يقول أبو نواس:
فقلْ لِمَنْ يدّعي في العلمِ فلسفةً حفظتَ شيئاً وغابتْ عنكَ أشياءُ
لقد أقرّ بهذه الحقيقة من هو أعلم منا ألا وهو الشيخ الرئيس ابن سينا، فقد سألوه ـ عندما دنا منه الأجل ـ : ماذا تعلمت من العلم، فقال: ” تعلمت من العلم أني لا أعلم شيئاً “. ولكن الإشكالية التي يعاني منها البعض في مجتمعاتنا هو الادّعاء بالعلمية والمعرفة في الكثير من الأمور والجوانب وأهمها ـ في حياتنا كأمة عربية ـ هي لغتنا العربية الأمّ وآدابها وهذا ما لا يقبله الواقع ولا يقبله مجتمع العقلاء.
وما أودّ الإشارة إليه بعد هذه المقدمة، وإيضاح المشكلة، هو مثال واضح في أحد المجالات الثقافية ألا وهو الأدب كعلم، والأدب كفن وإبداع.
الأدب كعلم لا يُشترط أن يُتقنه أو يُحيط به جميع الناس، ولكنهم يتقنون بعض خطوطه العريضة ويتفاوتون في ذلك، لأنهم يتذوقون نتاجه الإبداعي بمختلف أجناسه، كالشعر والقصة الطويلة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والحكاية والرواية الطويلة، والرواية القصيرة، والمسرحية ذات الفصل الواحد، والمسرحية ذات الفصول، والمقال بأنواعه، والخاطرة النثرية، و”الشعر المنثور” أو “النثر المشعور” والنقد الأدبي، والنقد الاجتماعي، وغيره من ألوان النقد حسب اختلاف ما يرتبط به من علم، إنهم يستريحون لهذه النصوص الإبداعية وينبهرون بها؛ فترتسم في أذهانهم كل ما تحمله هذه النصوص من صور مدهشة وفكر وثقافة ومعرفة وتاريخ واحتدامات نفسية ووجدانيات ذاتية، وتعبيرات رمزية، ولا يُشترط أن يكونوا قد درسوا هذه الأمور كلها بطريقة التخصص أو التفرغ التام.
ومن ذلك نعرف أن الأدب كعلم شيء، والأدب كنص شيء آخر، والأكاديمي خير من يدقق في هذه الأمور، لأن العلم كتخصص يختلف عن العلم بالشيء كممارسة اجتماعية لمجتمع يتحلى بالذوق الرفيع، ولكنه لا يشترط أن يكون متخصصاً في كل دقائق هذا العلم، وهذا يجرّنا إلى بحث آخر له علاقة بما سُمّي بعلم اجتماع الأدب، وهو كما جاء في كتاب “علم اجتماع الأدب” لكل من الأستاذ الدكتور محمد سعد فرح، والأستاذ الدكتور مصطفى خلف عبد الجواد، – دار المسيرة 2012م، -: ” إسهام جديد في ميدان علم الاجتماع مازال في طور النشأة والتكوين، وهو ميدان غير تقليدي يحاول أن يحطم الفواصل بين علم الاجتماع والفنون عامة والأدب خاصة، ويؤكد أن ثمة مجالاً مشتركاً بين علم الاجتماع والأدب يستحق الاهتمام ومن ثم الدراسة من أجل فهم أكثر عمقاً لأحوال البشر، وإذا كان رواد علم الاجتماع قد أغفلوا أهمية الدراسة العلمية للفنون عامة والأدب خاصة؛ فإن هذا الاهتمام تزايد بين الباحثين في مجال علم الاجتماع منذ عقد الستينيات، ودراسة علم الاجتماع للأدب ليست ترفاً، وليست مضيعة للوقت؛ فالأدب ظاهرة إنسانية ارتبط وجودها بوجود الإنسان وانبثاق الثقافة وتطورها، فالأدب يعبر ويعكس علاقة الجماعة بالكون وخالقه، وعلاقات الإنسان بالآخرين وبنفسه، كما يكشف عن قدرة الإنسان على استخدام اللغة للتعبير عن خبراته وآلامه وآماله، وقدرته على تصوير الواقع الذي يحيط به “. من هنا نعرف أن هذا التخصص ينصب على اهتمام مجتمع ما من المجتمعات بالأدب ومدى ارتباطه بأجناسه منذ العهود القديمة، أو من زمن معين إلى زمن آخر، وأثر الأدب على طبيعة الحياة الاجتماعية لهذا المجتمع، ومدى تأثير هذا الأدب على لغة المجتمع وتطلعاته وطموحاته.
ومن هذا المنطلق أيضاً يتضح لنا أن النصوص الأدبية الكثيرة والمتراكمة في مكتبتنا العربية منذ بدء عصر التدوين حتى عصرنا الحاضر، هذه النصوص الأدبية على تنوعها واختلاف أجناسها لا يمكن للقارئ العربي مُثقفاً ومفكراً وناقداً الإحاطة بها إحاطة كاملة لاستحالة ذلك من حيث عدم كفاية الوقت للاطلاع عليها؛ أو من حيث توفر بعضها في مكان وبعضها في أماكن أخرى، أو اعتماد فئات من المتخصصين في اللغة وآدابها على الاختيار حسب معاييرهم الجمالية، – وهي ليست معايير مقدسة غير قابلة للنقاش-.
ولو سألنا مجموعة مُستهدفة من المجتمع بعض الأسئلة عن قراءاتهم في الأدب، وبالذات الخطوط العريضة منه مما يُشتهر من أعلامه ونصوصه ومنعطفاته على مُستوى النص والجنس الأدبي، تُرى أيّ نتيجة سنتوصل إليها ؟..
هل كل هؤلاء ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تناولوا بالقراءة أشعار شوقي وحافظ؟.
أو ملاحم الشيرازي والفردوسي ؟.
أو ملاحم هوميروس الإلياذة والأوديسة؟.
هل قرأوا لطاغور؟.
هل قرأوا لمحمد إقبال الباكستاني ؟.
هل قرأوا شعر نازك الملائكة والسياب و الجواهري ؟.
هل قرأوا مسرحيات توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير ؟.
هل قرأوا مقالات الدكتور مصطفى محمود وخالص جلبي؟.
هل قرأوا نقد محمد بنيس وعبد الله الغذامي ؟.
هل قرأوا قصص عبده خال، وقصص سليمان المعمري ؟.
هل قرأوا روايات بثينة العيسى ؟.
هل قرأوا نثريات سيف الرحبي؟.
هل قرأوا وطنيات الشاعر محمد النهاري، وإسلاميات هلال الشيادي، ووجدانيات عقيل اللواتي، وعمانيات بثينة الشيدي؟.
- والأمثلة كثيرة جداً لا يمكن حصرها في هذا التحليل-.
إذا كانت الإجابات مُرضية فإن هذه الفئة المستهدفة حافظت على مواكبتها لما هو موجود من الأدب العربي والمترجم عن الآداب العالمية، ولعرفنا أن أمثال هؤلاء المواكبين للغة والمحيطين بأكثر دقائقها قد طبّقوا بالفعل ما يوحي به بيت الشاعر حافظ إبراهيم عندما قال:
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ فَهَل سَاءلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
حيث استطاع هؤلاء أن يحوزوا على الدر الكامل في أعماق هذه اللغة بآدابها، ولكن المصيبة التي تبعث على الأسى، عندما نجد فقراً واضحاً في مواكبة ما هو موجود ومتاح من هذه الآداب في مكتبتنا العربية، بحيث تسأل شخصاً ما في الجامعة هل قرأت لشوقي، فيقول لك: لا..
ويمكنك أن تسأله عن أديب معاصر من بلده فيجيبك بعدم معرفته به، بل يمكن لشاعرٍ ما يعيش مع عائلته في إحدى الحارات بإحدى مدننا العربية وجميع أفراد الحارة لا يعلمون أن هذا الشخص من شعراء الوطن.
وسؤالي الأخير بعد كل ما تطرقت إليه: ما هو دور خطط التنمية الشاملة في دولنا العربية للقضاء على دوائر المجهولات الواضحة العيان في أدمغة طلابنا بما يختص وأدب لغتنا العربية الأم والأدب المترجم للعربية من اللغات الإنسانية الأخرى ؟.
ما هي البرامج العلمية والعملية على مسرح الواقع لتعريف الجيل والأجيال القادمة بهذا الكم الهائل من النصوص الأدبية الرفيعة على اختلاف مشاربها واتجاهاتها، من حيث طباعتها ونشرها ورقياً وإتاحة وجودها في مختلف المكتبات الجامعية والمدرسية والمكتبات الأهلية العامة، وكذلك تخصيص مواقع خاصة لنشرها على شكل كتب الكترونية تكون في متناول كل من يستطيع الدخول على هذه المواقع ؟.
وما هو دور خطط التنمية في ترغيب الجيل الجديد للتمسك بلغته الأمّ والاعتزاز بها وبكل آدابها وإبداعاتها ؟.
وهل الاهتمام الموجود حالياً لدى وزارات الثقافة، ووزارات التربية والتعليم، والأندية الثقافية والأدبية كافٍ لتحقيق هذه الأهداف والطموحات الحضارية ؟.
هل حقاً تمسكنا بلغتنا الأم لغة أجدادنا العرب عبر آلاف السنين، ولغة القرآن الكريم، تماماً كما يقول الدكتور عثمان قدري مكانسي في مقال له بعنوان “لغتنا العربية والحفاظ عليها” نشرته رابطة أدباء الشام: ” اللغة العربية لغة القرآن والتراث المجيد يتجسد فيها البيان العذب المشرق الجميل والمعنى الرائعُ البديع، وتبرز فيها البلاغة والفصاحة “..
حيث ركّز في مقولته هذه على كون لغة القرآن يتجسد فيها البيان العذب، وهو المنطلق الحقيقي للأدب العربي الجميل.
وهنا يحق لنا أن نسأل أيضاً: متى نُركّز أكثر على أدبنا العربي ؟..
وهو برأيي وبرأي أغلب الحريصين على لغتنا الأم من أهم الجوانب الإنسانية للحفاظ على اللغة على اعتبار أن هذا الأدب لصيق بلغتنا من جهة، ومن جهة أخرى لصيق بتاريخنا وحضارتنا وأصالتنا وقيمنا ومبادئنا وموروثاتنا وتراثنا.
إن هذا الأدب العربي الأصيل هو لسان أمجادنا السابقة ولسان نهضتنا في القرن الماضي حتى يومنا هذا، ولسان لملمة الشمل العربي والإسلامي لمواجهة تحديات الحاضر ـ الذي نكتوي بآلامه وأحزانه ـ وتطلعات المستقبل المجهول.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى