الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “متحف جبران” تحفة فنية تحتضن إرثًا إبداعيًا خالدًا
“متحف جبران” تحفة فنية تحتضن إرثًا إبداعيًا خالدًا

“متحف جبران” تحفة فنية تحتضن إرثًا إبداعيًا خالدًا

بيروت ـ العمانية:
يمثل متحف جبران خليل جبران معلماً ثقافياً تحتضنه الطبيعة الجبلية الخلابة لبلدة بشرّي في أعالي شمال لبنان، وتحديداً في وادي “قاديشا” الذي يعدّ من أعمق أخاديد لبنان، ويبعد 120 كم عن العاصمة بيروت.
ويرتفع المتحف نحو 1500 متر عن سطح البحر، ويتميز بطبيعته الرائعة، ومناظره الساحرة التي تعكسها اللوحات الموجودة داخله.
ويبدو المتحف الذي تأسس عام 1935 عالماً فريداً قائماً بذاته، وزيارة واحدة إليه لا تكفي، بل إن كل زيارة إليه تبدو كأنها الأولى، لأن الأفكار والأحاسيس والرؤى التي يختزنها الزائر تدفعه للعودة مجدداً.
ويحتوي المتحف على 440 لوحة، ورسومات ومخطوطات أصيلة لجبران، كما يشتمل على أدوات استعملها خلال حياته في نيويورك.
وكانت شقيقة جبران قد اشترت المبنى بناء على وصيته ليُدفَن فيه وذلك لقيمته الروحية القيّمة، إذ كان مكانَ خلوة القديس سركيس في القرن السابع. وتهتم به حالياً “جمعية أصدقاء جبران”.
تم توسيع المتحف مرتين؛ عامَي 1975 و1995، ويزوره سنوياً نحو 50 ألف شخص، وأول ما يلاحظه الزائر فيه تمثالٌ نصفي لجبران بعلوّ مترين أنجزه الفنان التشكيلي رودي رحمة (من أبناء بشرّي)، وتحيط بالتمثال بركة ماء.
ويصعد الزائر إلى المتحف على درج مرصوف بالحجارة الصفراء والبيضاء، ويمر هذا الدرج تحت صخرة كبيرة جداً، وفي وسطها مغارة لا تشاهَد سوى من بعيد.
يتألف المتحف من 16 غرفة ذات سقوف منخفضة، ومساحات ضيقة.
تتوزع هذه الغرف على ثلاثة طوابق تتعاقب في أدراج لولبية، وتؤدي في النهاية إلى المغارة التي أوصى جبران أن تكون مثواه الأخير، والتي تحتوي على مرسمه وطاولة الكتابة التي كان يستعملها، وكرسيّه الخاص وسريره الصغير الذي يدل على قصر قامته.
ويقرأ الزائر قرب القبر كلمات حفرها جبران بنفسه على خشبة أرز، تقول “أنا حيّ مثلك، وأنا الآن واقف إلى جانبك، فاغمضْ عينيك ترَني أمامك”. وفي إحدى الغرف، وُضعت مكتبتان كبيرتان، إحداهما تضم مؤلفات جبران باللغتين العربية والإنجليزية، والأخرى تضم كتباً كان يقتنيها في منزله بنيويورك.
وهناك أيضا دفاتر بخطّه عليها “خربشات” وأفكار وكلمات.
وبإمكان الزائر استعارة الكتب من المكتبة، والمطالعة على مصطبة بشكل عقد موجودة في المتحف.
أما لوحات جبران الفنية، فاللافت فيها ارتكازها على جمال طبيعة المكان ومناظره الساحرة، وهي في معظمها لا تحمل توقيعاً ولا تأريخاً، ويمكن تفسير هذا بما كتبه في إحدى المرات: “لوحتي أنّى وُجدت ستُعْرَف أنها لي”. ومن حجرة إلى أخرى ومن ممر إلى آخر، حيث يُمنع التقاط الصور الفوتوغرافية، تحضر صور المشاهير الذين عاصرهم جبران وتأثر بهم، كالنحات الفرنسي رودان، والفيلسوف الهندي طاغور، والكاتبة الأميركية ماري هاسكل، والأدباء اللبنانيين أمين الريحاني ومي زيادة وميخائيل نعيمة، إلى جانب صور أمه وشقيقته سلطانة.
ومن أكثر لوحاته تعبيراً عن الألم الإنساني، لوحة “أسرة الفنان الوردية”، وتتجلى فيها مأساة فقدان شقيقته سلطانة وشقيقه بطرس بمرض السلّ، وبينهما والدته التي توفيت بمرض عضال أيضاً، مما انعكس على رسومه وفلسفته وأفكاره.
ولقد تركت أمه بصمات عميقة في شخصيته، وهو يذكرها في كتابه الشهير “الأجنحة المتكسرة” بقوله: “إن أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة الأم، وأجمل مناداة هي: يا أمي”. وما إن ينتهي الزائر من جولته في المتحف حتى يشعر بعظمة مبدع من لبنان، هيأ قبل مماته مكاناً يحتضن إبداعه، وتسلمته أيادٍ أمينة فغدا متحفه مقصداً للمثقفين والمهتمين الذين لا يخفون انبهارهم بما قرأوا وسمعوا عن جبران، المبدع الذي فاقت مؤلفاته ولوحاته كل التوقعات.
يُذكر أن جبران خليل جبران وُلد في 6 يناير 1883 في بلدة بشرّي حين كانت تابعة لمتصرفية جبل لبنان العثمانية، وهاجر برفقة أمه إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1895، وحصل على الجنسية الأميركية، وتوفي في نيويورك يوم 10 إبريل 1931 .
اشتهر جبران في الغرب بكتابه “النبي” الذي نشره سنة 1923، كما كان الشاعر الأكثر مبيعاً بعد شكسبير ولاوزي.

إلى الأعلى