الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “ذو الناب” لجلنار زين وأدب اللامعقول
“ذو الناب” لجلنار زين وأدب اللامعقول

“ذو الناب” لجلنار زين وأدب اللامعقول

في قصصها التي نشرتها تحت عنوان (ذي الناب)، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2016، بعد المجموعة الأولى صانع الظلال 2014 تعود بنا جلنار زين إلى أدب اللامعقول، وهو الأدب الذي شاع وانتشر في الأدب الغربي في النصف الأول من القرن الماضي، وهو أدب تهيمن عليه غالبا أساسيات الأدب الغرائبي والعجائبي.
فالمنطق الذي يتصف به المتخيل الحكائي في القصة القصيرة، أو الرواية، منطق يتنافى مع العقل، ويقترب بالقارئ من تخوم الأسطورة، أو الخرافة، أو الحكاية الشعبية، أو الأكاذيب التي تتطلب من قارئ الحكاية أن لا يحملها على محمل الجد.
ولا أن يبحث فيها عن حبكة سردية كتلك التي يقود فيها الحدث إلى حدث آخر.
ففي القصة الأولى وهي بعنوان “حرفيا ” (ص7) تسلط الكاتبة ما يعرف بعين الكاميرا على بطل القصة إذا جاز التوصيف، فهو يتمطى على الأريكة متثائبًا بعيد أن أمضى ساعة كاملة في الشكوى أمام الطبيب النفسي مما يلاقيه من عذاب بسبب فتاته التي هجرته، وتخلت عنه.
وفي الوحدة السردية الثانية يجده القارئ وقد أصبح في منزله يعد العدة ليقوم بتنفيذ ما نصحه به الطبيب، أي: التخلص من كل شيء يذكره بها.
وفي الوحدة التالية يبدأ بالرسائل والصور والمذكرات إلخ…
وفي الوحدة الأخيرة يكتشف أن ثمة شيئا واحدا لا يزال يذكره بها ولم يلق به في النار، وهو عقله المستقر في رأسه، فما كان منه إلا أن خلع رأسه، وألقى به في البرميل الذي أعده لإضرام النار بجل ما يذكره بتلك الفتاة.
لا شك في أن القارئ يتردد طويلا قبل أن يأخذ هذه القصة مأخذا جادا.
فالفن ـ ها هنا ـ يقوم على متخيل يتجاوز المعقول إلى غيره.
فإذا كان الواقع يقول لنا ـ نحن القراء ـ إنه ليس من المعقول أن يقوم عاشق بالتخلي عن رأسه، وحرقه، لأن ذكرى تلك الفتاة تأبى أن تزول منه، فإن أدب اللامعقول ـ من حيث هو طراز عجائبي ـ يقول لنا إن هذه الحركة العبثية من الكاتبة تريد أن تؤكد بها على حقيقة مفادها أن هذا الشخص، أو غيره، ممن يمر بالتجربة ذاتها، لا يستطيع أن يتخلص من ذكرى حبيبته، حتى وإن أضرم النار في كل ما يتعلق بها من رسائل وصور وتذكارات وملابس وحقائب وهواتف.. إلخ.
فمصير الوصفة الطبية التي نفحه بها الطبيب النفسي مصيرٌ لا يختلف عن مصير هاتيك الرسائل التي باتت لقمة سائغة تلتهما النار.
وبالقدر نفسه من السير في الاتجاه المغاير لقوانين الحياة، تكتب جلنار زين قصة أخرى بعنوان “ذو الناب” (ص 9) التي اختارت عنوانها عنوانا للكتاب.
وهو اختيار قد ينم على أنها ترى فيها أفضل القصص.
وقد يكون هذا الانطباع صحيحا، وقد يكون غير دقيق، فأكثر القصص تستحق أن يجري اختيارها عنوانا للكتاب.
ولكن هذه القصة تضعنا مباشرة في أجواء أسطورية، وخرافية (طوطمية) فأهل القرية، وأبناء القبيلة، إناثا وذكورا، يحتفلون بما لا تدري الفتاة التي تحتل موقع البؤرة، والمركز، في الحكاية، كنهه.
فثمة وحش يطلقون عليه اسم (ذو الناب) يستبعدون شره بطريقة معتادة، وهي أن يقدموا له فتاة هي الأجمل بين فتيات القبيلة كي يفترسها، وبالتالي يأمنون على حياتهم بقية السنة.
ولهذا فوجئت الفتاة بشباب القبيلة يهاجمونها بغتة، ويقيدونها، كما لو أنها مجرمة تساق إلى المقصلة.
وبدلا من أن يُهرع خطيبها لنجدتها، وتقديم يد المساعدة لها، يشاركهم في إعدادها قربانا لذلك الوحش الغامض.
ثم يقذفونها بعد إعدادهم الضحية في الغابة، بيد أن اللامعقول في الحكاية يتحول تدريجيا إلى عنصر تشويق، فقد استطاعت الفتاة القربان، وتمكنت، من التغلب على ذي الناب وقتله، والتخلص منه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فتيات القبيلة.
غير أن اللامعقول يتجدد تلقائيًا، فعندما أبصرها القومُ، أنكروا عليها ذلك، وعدوه عارا على القبيلة، ولا يمكن التخلص منه إلا بالدم، والبحث عن وحش جديد آخر يخلفُ ذا الناب.(ص13)
من الواضح أن الكاتبة أفادت في هذه القصة من بعض الأساطير، ومن الحكايات الشعبية، والمرويات الخرافية عن مثل هذه الطقوس.
ولكنها، على الرغم من ذلك كله، عزفت عن الإشارة لحكاية أسطورية، أو شعبيية، معينة، فبدت القصة وكأنها تقوم على حكاية جديدة، مبتكرة، تذكرنا بالكثير الجم من الحكايات الشبيهة بها، وهي بلا ريب تنطوي على دلالات متقاربة: فالمؤمنون بالخرافة، المستسلمون لها، يصعب عليهم التخلي عما يؤمنون به حتى لو كشفت لهم التجارب المحسوسة أنّ ما يؤمنون به لا أساس له من المنطق.
فالمعقول ـ ها هنا ـ وهو المضمون الإيديولوجي، يصطدم باللامعقول، وهو إيمان الجماعة القبلية، أو تلك التي تتصرف في حياتها اليومية انطلاقا من قناعات قبلية ينفيها الواقع الموضوعي، فضلا عن الواقع الفني.
وفي قصة أخرى “سقط سهوا” التي لا تقل عن قصة “حرفيًا” في لا معقوليتها، يستوقف القارئ ما يكتشفه الراوي ـ الذي هو بطل القصة ـ من أنه نسيَ أن يرتدي وجهه (ص27) فحين أراد أن يبكي إشفاقا على طفل رآه في العيادة بوجهٍ غير متناسق، وعندما تحسس دموعه، اكتشف ذاهلا أنه بلا وجه.
ومثل هذا التخييل اللامنطقي، اللامعقول، يكشف كشفا غير مباشر عما هو عين العقل، والمنطق، فالراوي الذي يستفزه كل ما يشاهده في الآخرين هو نفسه جدير أن يستفز الآخرين مثلما يستفزونه.
وفي قصة أخرى عنوانها بانوراما (ص29) يجتاح القرف الساردة من كل شيء، من كل من في الغرفة؛ الحمقاء التي تجلس إلى جوارها في المكتب؛ والساذج الذي لا يفتأ يسأل عمن تريد احتساء مشروب ساخن؛ والبدينة التي تتوهم أنها رشيقة وأن وزنها مثالي؛ والنحيلة الممصوصة التي ترى نفسها بدينة أيضًا إلى درجة تتمنى فيها أن تشغل المقعد وحيدة في الباص بدلا من أن تزاحمها راكبة أخرى.
كلّ هذا يثير الغثيان في نفس الساردة حد الإحساس بأن عنكبوتا سامة، ضخمة، تتسلق رقبتها تعبيرًا عن الشعور المفرط بالغثيان.
والمفارقة في القصة أنّ ما كانت تظنه الساردة تمثيلا من باب (وكأن هناك عنكبوتا) تبيَّنَ أنه حقيقة واقعية، ملموسة، وليست تمثيلا، فالغثيان الذي يجتاحها، والاشمئزاز ليس شعورًا يمكن أن يكون وهما كاذبًا، فها هي النحيلة التي تظن نفسها بدينة جدا تشير إلى الساردة، قائلة: ” هناك عنكبوت سامة ضخمة تتسلق رقبَتك! ” (ص30). ما الذي يعنيه هذا إن لم يعن أن الساردة، وما يخطر لها ببال على أنه مشاعر تكتنفها لا غير، ما هو إلا حقيقة واقعية، يلمسها الآخرون قبل أن تكتشفها هي، وقبل أن تداهمها الفكرة عن تلك العنكبوت السامة الكبيرة التي تتسلق العنق، تجسيدا لشعورها المفرط بالتقزز مما يحيط بها من زيف؟ وأما في قصة الأجنحة المحترقة (ص 31) فنجد قصة جديدة تعود بنا ثانية لأجواء المحكيِّ الخرافي.
فمع أن الحكاية عن الفراشة الملونة ذات الأجنحة الساحرة، والسرعوف، وما انتهت به من تفسير لتحليق الفراشات عادة حول اللهب، تكاد تكون موعظة تلقي الضوء على حكاية متكررة تذكرنا بحكاية ” إبريق الزيت ” إلا أن عبارة وردت في القصة على لسان الساردة تظهر خلاف ما تبْطن.
تقول الساردة تعليقا على حكاية جدتها الفراشة: ” لمحتُ دمعة تترقرق في عيني جدتي، وأكاد أقسم أنني سمعتها تهمس لنفسها: واحسرتاه على ذلك الصديق! ماذا لو كان صادقا؟! ” (ص 35) ففي هذا يبرز المعقول بصفة غير مباشرة في إهاب اللامعقول.
فالفراشات الملونة ذات الأجنحة البراقة الساحرة تلقي بنفسها في اللهب حدادًا على الإخفاق الذي منيت به في علاقتها بذلك الصديق السرعوف، الذي ظنته محبًا صادقاً حقيقيًا، فإذا به يعد لها شرَكَاً كغيرها من ضحاياه.
فبقايا الأجنحة، التي ما تزال عالقة بمنكبي الجدة، توحي بأنها كانت رائعة الجمال يوما، وعاشقة لذلك السرعوف، ولكن ذلك الجمال، وذلك العشق، احترقا للأسف بنار الخديعة، ومنذ ذلك الحين والفراشات تؤدي طقس الانتحار الأبدي حدادًا على ذلك الحبّ المُحْبط.
وليس الانخراط في أدب اللامعقول هو السمة اللافتة في قصص جلنار هذه، وإنما ثمة شيء آخر يمكن التنبيه عليه، والإشارة إليه، وهو تسليط الضوء على مشكلات تعاني منها الشخوص في حياتها اليومية تسليطاً غير مباشر.
ففي قصة “ختام” التي تروى على لسان تلميذة في المرحلة الثانوية، تستوقفنا عبارة ” لا بد أنها استغلت غفوة معلمة التاريخ في مقعدها ” فهذه العبارة التي جاءت تعليقا على هبوط ختام على الكرسي المجاور للساردة، تشير من طرف خفي لتقاعس المعلمين عن القيام بمهامهم التربوية بنشاط، مع أن القصة ـ في الأساس ـ لا علاقة لها بهذا الموضوع.
وفي عبارة ثانية عن المناقشات التي تدور بين الاثنتين عن العريس المنتظر، ما يلقي الضوء على التشتت، وعدم الانتباه الذي يطغى على العملية التعليمية في حجرة الدرس.
وفي الأثناء تفرط ختام في الثناء على العريس، الذي هو ابن عمها ” معلم قد الدنيا..
ومؤدب..
وشخصية..
وبيعجبك.
.” و ” ترى هو ابن عمي ” (ص42) وعندما تفاجئها الساردة بالقول: ” بما أنه شبّ..
وزي ما بتحكي..
ليش ما توخذيه انت..؟
” تومئ بطريقة غير مباشرة لطراز من التفكير لدى تلميذتين ما زالتا مراهقتين، ولا تريان بوضوح مستقبلهما، وما ينتظرهما من مسؤوليات.
فعندما تغيبت ختام فجأة عن الفصل، تساءلت الساردة عن السبب، وسرعان ما تلقت بطاقة دعوة لعرس، وكانت المفاجأة وجود اسم ختام وابن عمها عريس الغفلة في الدعوة.
فالقصة، على قصرها، تتضمن رسائل عديدة، بعضها ذو علاقة بالحكاية، وبعضها الآخر يتضمن إشارات قد لا تتوافق مع توقعات الكاتبة في النص، وهذا يغني القصة، ويجعل منها نصا مفتوحا على مزيد من التأويلات، والاحتمالات.
والنص الذي يتيح تعدد القراءات أحرى بالقبول، وأجدر بالاستحسان، من نص آخر مباشر تتوافق فيه توقعات القارئ وتوقعات المؤلف توافقا تاما يجعل منه نصا فقيرا على المستوى الدلالي.
واللافت للنظر في هذه المجموعة ” ذو الناب ” أن الكاتبة مع تكرارها لتقنية القصة القصيرة (جدا) تتجنب الوقوع في شرك الاختزال الذي يؤدي لغياب القصة، والتركيز على القِصَر وحدَهُ.
علاوة على أنها تنحو في واحدة من القصص التي أشرنا إليها، وهي قصة ختام، لكسر حاجز التجانس اللغوي، فقد اتجهت في الحوار لاستخدام اللغة التي يتخاطب فيها الشخوص في حياتهم اليومية.
وتكلمت ختام بلهجة عفوية تتلاءم مع مستواها العمري، والثقافي، ومع طبيعة الموضوع، بوصفها مشروع (خاطِبَة) تحاول أن تغري الساردة بجاذبية العريس، في حين ترد عليها الساردة بكلمات مستمدة من طبيعة الحوار المتبادل في مثل هذا السياق، وهو رد يضفي على الأسلوب النثري مسحة كاريكاتيرية محبّبة.
صفوة القول: إنّ في “ذو الناب” قصصا جيدة تمثل امتدادا لتيار شاع في الأدب، وقد استطاعت الكاتبة أن تضيف لهذا التيار الغرائبي نماذج جديدة، تتصف بأصالة المبنى، فضلا عن سلاسة الأداء، وطرافة المعنى.

د.إبراهيم الخليل
ناقد وأكاديمي من الأردن

إلى الأعلى