الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (197) الراصد والنقيب

نافذة لغوية (197) الراصد والنقيب

إن الصورة التي تتبدى فيها ظاهرة التطور اللغوي تشبه ما نلحظه في حياة الأشجار فجذور الأشجار ثابتة ضاربة في الأرض ، والجذوع شامخة في الفضاء ، وفي هذين الأصلين ثبات وبقاء أطول من عمر الأوراق والثمار التي تتبدل كل موسم. كذلك اللغة تتبدل فيها الدلالات والمسميات بتبدل الأحوال والأزياء ، أما قواعدها فتبقى أمداً أطول ، كما هي الحال في لغتنا العربية ، فقواعدها ما تزال كما كانت في نظام الجملة الذي عرفه العرب منذ شروعهم بتأسيس قواعد اللغة وعلومها. وربما حصل بعض تطور في أصواتها ، ولكنه كان بلا شك تطوراً بطيئاً جداً بالقياس إلى التطور في الألفاظ التي عراها انتقال بالدلالات عن طريق المجاز والاتساع والتوليد ، وغيرها من مظاهر الحيوية والنماء … من أمثلة ذلك ما نسمعه من عبارات لا ندري تماماً حقيقة أصلها أو منشئها ، كقولهم مثلاً : لدى فلان رصيد حسن في المصرف ، أو لفلانة رصيد طيب من الجمال ، أو الهيئة العامة للأرصاد الجوية ، أو لجنة الرصد في الامتحانات … فما أصل هذه الدلالات ، وكيف توصّلت العربية إليها؟
نجد في كتب اللغة أن الـمَرْصَد والـمِرْصاد : الطريق ، وشاهدنا على الآية الكريمة : ” إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد ” ، أي لبالطريق الـمُعْلَم الذي يرتصدون به ، وربما من هنا جاءت كلمة الراصد في المصطلح العسكري الذي يراقب تحركات العدو من موضع بعينه ليحدد مواقعه وطرقه.
ومثل ذلك الراصد لمواقع النجوم وحركات التغيرات الجوية الذي يقرر طبيعتها وأحوالها في ضوء مراقبته. أما الرصيد فيبدو معناه في الشيء المعدّ المهيّأ على أية حال ، وشاهده أيضاً في الآية الكريمة : “إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا” أي معدّة ، يقال: أرصدت له بكذا ، إذا أعددته له لوقته ، ومنه يقال: أعدّ فلان رصيداً لتنفيذ مشروع من المشروعات أو خطة من الخطط.
نقيب الأشراف وهي وظيفة شرفية عرفت في البلاد الإسلامية منذ العهد العباسي، وكان الخليفة يقيم على السادة الأشراف نقيباً في كل مدينة يكثر فيها عددهم يمثلهم ويترأس عليهم، ويختار لها أجلّهم بيتاً وأكثرهم فضلاً وأجزلهم رأياً لتجتمع فيه شروط الرياسة والسياسة فيسرعوا إلى طاعته برياسته وتستقيم أمورهم بسياسته، ثم ينصب الخليفة أحدهم بوظيفة نقيب النقباء وهو بمثابة المشرف على سائر النقباء في الديار الإسلامية… وقد يتساءل أحدنا أيضاً من أين جاء هذا اللقب ” نقيب الأشراف ” ؟
وهنا نجد أن الأصل مرة أخرى يرجع إلى الطريق ، يقال: نقّبوا في البلاد: أي ساروا في نقوبها ، أي طريقها… الواحد نقب. ونقّبوا أيضاً : بحثوا عن الشيء وتعرّفوه ، أي فتحوا إليه باباً ، أو شقوا منفذاً لاكتشافه ، والمنقِّب والنقيب : العالم ؛ لأنه ينقّب عن الأمور كما ينقّب عن الأسرار. ومن هنا جاءت مناقب القوم ، أي مزاياهم الحسنة. ومفردها المنقبة ، أي الفِعْلَة الكريمة ؛ لأنها شيء حسن قد شهر كأنه نقّب عنه. وبشيء من التأمل والتتبع تلحظ أي اتساع اتسعته العربية بالمعاني في لفظتي : المرصد والنقب اللتين كانتا في أصل دلالتيهما تتجهان إلى مفهوم الطريق.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
كلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى