الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قنبلة المستقبل وتهديد العالم: ملياران من المهمشين

قنبلة المستقبل وتهديد العالم: ملياران من المهمشين

د.أحمد القديدي

” يذكرنا الزميل بوقرة برأي الفيلسوف الفرنسي حين يؤكد أن هزيمة العقل الغربي أمام هذا الواقع المخيف تأتي من رفض التفكير في جذور الإرهاب الذي ضرب باريس يوم 13 نوفمبر حين يقول الوزير الأول الفرنسي أنه لا يفهم و لا يفسر هذا الإرهاب البربري المتوحش ويرد عليه المفكر (ألن باديو) بأن الأجدر بنا أن نفكك ألية العنف ونفهم أن جذوره ضاربة في عمق هذا النظام الظالم المسمى بالعالمي…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شكرا للزميل محمد العربي بوقرة الذي أنار الرأي العام العربي والمسلم عبر مجلة (ليدرز) التونسية الراقية بنقل أبرز ما جاء في محاضرة الفيلسوف الفرنسي (ألن باديو) التي ألقاها في باريس مباشرة بعد العدوان الإرهابي الغاشم الذي قتل 130 مواطنا فرنسيا يوم 13 نوفمبر الماضي. كان المفكر الشهير هادئا وموضوعيا حين غير بعض المفاهيم الخاطئة السائدة وحلل الأسباب العميقة لظاهرة الإرهاب الأعمى الذي يضرب هنا و هناك و يروع الأبرياء و ينطلق من أشباه قيم و مبادئ يبرر بها جرائم لا يقبلها دين و لا تحملها شرائع. يقول الفيلسوف : ماذا تنتظرون من عالم يسوده نظام اقتصادي و ثقافي و مالي جائر يحمل اسم نظام عالمي جديد ! وهو عالم في الحقيقة مؤسس على عبودية تعاد رسكلتها (تدويرها) حسب تغيير المعطيات و تعاقب الأجيال لتنتج عبيدا جددا خانعين مستكينين فسكان الأرض بلغ عددهم اليوم 7 مليارات ثبت أن 10% منهم يستحوذون على 86% من ثروات الأرض باطنها وظاهرها (أي الثروات الطبيعية والطاقة والأموال المودعة في المصارف وإنتاج الزراعة و فوائد الصناعات وحتى المياه و المعادن) بينما 50% من الناس لا يملكون شيئا (أي 3 مليارات نصف) و من هذا العدد المهول من البشر نجد مليارين تحت خط الفقر كما أحصته منظمة الأمم المتحدة (على فكرة أمم متحدة على ماذا اتحدت ؟!) و يضيف (باديو) (أو يعلق بوقرة لا أدري!) أن المهمشين في مدينة القصرين و سيدي بوزيد و سليانة في البلاد التونسية مصنفون ضمن هؤلاء البؤساء في الأرض ! وهؤلاء هم الذين قاموا بحركة الاحتجاج التي اندلعت في يناير 2016 والتي بلغت درجة من العنف وإعادة تكرير الثورة جعلت السلطات تتفهم مطالبها وتستجيب لبعضها وبالطبع تحمي سلامة الوطن من انتشارها وتحاكم بعض الشباب الذي ركب أحداثها لأغراض أخرى كالنهب والحرق و تأجيج النار. يواصل الفيلسوف الفرنسي تحليله الرصين فيذكر بما قالته عالمة الاجتماع الأميركية (ساسكيا ساسين) بأن مليارين من الناس يعيشون بدون أي مورد و لا يملكون إلا أجسادهم ! وهم ضحايا الرأسمالية المتوحشة التي يفرضها الغرب الليبرالي على العالم كله بدعوى كونية قيمه و عالمية خياراته و تفوق مصالحه!
على ضوء هذه الحقائق ينصح الزميل محمد العربي بوقرة الحكومة التونسية (والحكومات العربية جميعا) أن لا تنساق وراء وهم كاذب حين يشارك حكامها في منتدى (دافوس) بسويسرا و يقول لهم : حذاري من سوء التقدير فإن منتدى دافوس أنشأته الشركات العملاقة العابرة للقارات (أمثال توتال ونستلي وسانوفي) لكي تثبت أركان عروشها و تستزيد من توريد المواد الخام وتوسع من عدد المستهلكين لإنتاجها من مجتمعات الدول النامية أي أن هذه الشركات الكبرى تعزز التوجه الرأسمالي المتوحش بكل نواميسه وهي التي تدفع بصندوق النقد الدولي و البنك العالمي و الخزينة الأميركية إلى إجبار الدول المستضعفة على قبول الليبرالية والتفريط في القطاع العام لفائدة رؤوس الأموال فتخصخص للقطاع الخاص ما تبقى حكرا على الدولة أي التعليم و الصناعة و الزراعة و الصحة و النقل و المياه لكي يتعشعش رأس المال الخاص والباحث عن الربح و يتمعش و يتوحش و يواصل النظام العالمي الجديد فرض قيم السوق (أي مجرد تضخيم الثروات و النفخ في الأرصدة) على حساب القيم التقليدية التي رسخت لدى شعوب الأرض الفقيرة وأولها قيم الأديان والأخلاق و اللغات القومية و التقاليد العريقة! و يخلص الزميل بوقرة إلى أن النخبة الحاكمة في تونس يجب عليها أن تأخذ بعين الإعتبار هذه الحقائق لتنقذ من البطالة واليأس والنقمة مئات الألاف من الشباب التونسي المهمش و الذي يشعر بأنه مطرود من منظومة الشغل و من دائرة الإستهلاك و من حقه في تأمين مستقبله. وهذا الشباب هو جزء من المليارين من البشر المعذبين في الأرض و الذين قرروا اليوم الضرب في أرض الله الواسعة (أي باتجاه دول أوروبا والغرب المرفه و التي توفر لمواطنيها و للمهاجرين اليها منذ نصف قرن كل مقومات الحياة الأمنة السعيدة) وهو ما يفسر موجة المليون مهاجرا من الشرق الأوسط و من إفريقيا الى سواحل و حدود أوروبا خلال عام 2015. و يذكرنا الزميل بوقرة برأي الفيلسوف الفرنسي حين يؤكد أن هزيمة العقل الغربي أمام هذا الواقع المخيف تأتي من رفض التفكير في جذور الإرهاب الذي ضرب باريس يوم 13 نوفمبر حين يقول الوزير الأول الفرنسي أنه لا يفهم و لا يفسر هذا الإرهاب البربري المتوحش و يرد عليه المفكر (ألن باديو) بأن الأجدر بنا أن نفكك ألية العنف و نفهم أن جذوره ضاربة في عمق هذا النظام الظالم المسمى بالعالمي والمنتج لللشباب المهمش المطرود من جنة العدالة الإجتماعية و من جنة توزيع خيرات العالم بالقسطاس. و يقول (باديو) بأن هزيمة العقل هي إنتصار السلوكيات العنيفة و الإجرامية. و يؤكد بأن الوحشية ليست حكرا على حضارة واحدة بل إن كل الحضارات تحمل بذور إرهابها مثل مجازر أسبانيا تحت حكم فرانكو و مجازر إسرائيل في غزة و القتل الجماعي الذي ينفذه عسكريون يضغطون على أزرار حواسيبهم لتوجيه الطائرات بدون طيار نحو قصف مواقع مدنية في العراق وسوريا واليمن ؟ و فيما يتعلق بالإرهاب الذي ضرب باريس يقول (باديو) يجب ألا نحمل الإسلام ما هو براء منه لأن الدين بالنسبة للإرهابيين مجرد غطاء فالحقيقة أعمق وهؤلاء الشباب يتحولون إلى إرهابيين و هم ينتمون إلى منظمات عوضت الدول فالدول تنهار (العراق سوريا ليبيا اليمن) لتحل محلها تشكيلات مبتكرة لعلها اليوم ترفض منظومة رأس المال المتوحش و لكنها ربما تنخرط فيها غدا.

إلى الأعلى