الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عمان في عيون مصرية.. 3/3

عمان في عيون مصرية.. 3/3

سعود بن علي الحارثي

” قدمت هذه الانطباعات قراءة متعددة للتطور الذي شهدته السلطنة في مختلف المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والتنموية وفي مؤسسات الدولة والتشريع والإعلام بحكم عمل هؤلاء الأساتذة في مؤسسات أكاديمية وتعليمية واقتصادية وصحية وعضويتهم في عشرات اللجان التخصصية وإشرافهم على الكثير من المشاريع الثقافية وتعرضت للشخصية العمانية تحليلا ووصفا عبر مواقف ومعايشات ومشاهدات يومية،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استعرضت هذه الانطباعات أمجاد العمانيين وإنجازاتهم البحرية وأبانت عن إسهاماتهم العلمية والحضارية على مدى التاريخ، وقدمت صورا ومواقف تبرز أخلاق أبناء المجتمع وترحيبهم الحار والأخوي بالقادمين إلى بلادهم، والحرص على تذليل الصعاب وتبديد التخوفات بالطيب من القول وحسن التعامل وكرم الضيافة والحوار الهادئ لكي يشعر هؤلاء الضيوف بالألفة والود ويتمكنوا من الانصهار بين العمانيين وكأنهم جزء منهم، وربطت بين موقع عمان الاستراتيجي واطلالاتها العديدة على البحار وتأثيره على رسوخ قيم التعايش والتآخي ومد أواصر التواصل مع الشعوب الأخرى والخصال الحميدة التي أظهروها وبها عرفوا، وأكدت على أن إنجازات اليوم ما هي إلا امتداد واستكمال لحضارة الأمس التي تشكلت من أمم ودول وقارات، وأن قائد مسيرة نهضة عمان الحديثة هو سليل أولئك السلاطين العظام الذي أسسوا وأشادوا الامبراطورية العمانية وأنه بسياساته الحكيمة وانجازاته الكبيرة إنما يقتدي أثرهم ويعزز انجازاتهم واسهاماتهم الحضارية…
بعنوان (عمان طلة جميلة في الماضي والحاضر) يقدم الأستاذ الدكتور أحمد كشك، عميد كلية دار العلوم الأسبق عرضا جميلا يصور انطباعاته وقراءاته التي تولدت عبر السنوات التي عاشها في عمان: ( لأمر ما قدر الله لعمان أن تكون طلة على خليجها خليج(بحر) عمان، ترقب المحيط وما وراء المحيط، تركب البحر غير مرتجفة لتضم البعيد النائي وتواخيه بالقريب الداني…
لأمر ما قدر الله لنخلاتها أن تعلو قامتها لتساوي السحاب، وتمنح أهليها ومجاوريها ثمر الجوز والتمر، كيف أتصور إبداع الخالق وقد عشت سنوات مرت بها نفسي هنية البال! لقد عشت في عمان فوجدتها مرفوعة الرأس والهام بنخلها، وجبالها، وبحرها، وناسها، وأدبها، ودينها، بدماثة الاخلاق التي هي جزء من صناعة الشاعرية والحضارة فيها، ان هذا البلد الآمن الأمين في باطنه عبقرية الحضارة..
يقود مساره سلطان نابه حكيم يضرب تاريخه في عمق تاريخ عمان، عمان الامبراطورية التي تحكم التاريخ دولتها تشابكت من خلالها آسيا وافريقيا، سفينها جاب آفاق العالم، وحدد مساره، فالرحلة من أطراف المحيط الهادئ مرورا بالهندي بعمان خط مسارها بقدر عماني…) أسلوب أدبي راق مزج في لوحة بديعة عناصر الطبيعة الأخاذة بإنجازات عمان التاريخية، وربط بين موقعها الاستراتيجي والقيم الإنسانية الراقية التي كانت وما زالت عنوانا للشخصية العمانية، وبين أمن عمان واستقرارها وازدهارها وتقدمها وسياسة وحكمة سلطانها…
قلم سيال لا يكتب إلا ما يليق بالأدباء الكبار.
وعلى ذات المسار تأكيدا وتعزيزا وترسيخا لتلك الانطباعات يأخذنا الدكتور أيمن ميدان الأستاذ بقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، ووكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث، حيث يضع بصماته في عنوان مستقل (عمان الخير..تحية من القلب) (وما أجمل أن يصبح المنفى وطنا، ففي عمان لا تشعر أنك غادرت موطنا، أو فارقت أهلا، فأهلها هادئون كالنسيم، مفطورون على السماحة، مجبولون على مودة، تحار كلما حاولت استكناهها أسبابا وأسرارا وتجليات).وليعذرني القارئ على اكتفائي أحيانا بما يرد في هذه الانطباعات عن التعليق عليها فهي كاشفة عن الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وثقت بأقلام أساتذة كبار بلغة غاية في الرقي وأسلوب أدبي بليغ.
رصد دقيق ومعلومات تستند على بحث واستكشاف ومعايشة وانطباعات بنيت على مشاهدات ومواقف حية عايشها الأستاذ حسين عبد الغني في محوره بعنوان ( عمان الجريدة..عمان الأهل (تجربة حياة) ففيها يقول: (عرفت المجتمع العماني بتنوعه الثقافي والعرقي والمذهبي – إذا صح التعبير – منصهرا في الوطنية العمانية،عرفت العرب والبلوش واللواتية والبحارنة والإباضية والسنة والشيعة ولم أجد بلدا في الخليج تمكن من تحقيق اندماج وطني كما فعلت عمان…).ويكمل حديثه بموقف يبرز أمانة الشعب العماني ورسوخ الأمن والاستقرار في عمان:( صليت الجمعة في المسجد الكبير ذي القبة الزرقاء ونسيت في سيارتي المفتوحة نوافذها أمامه أول مرتب لي من الجريدة وعدت فوجدته كما هو لم يمس…) المواقف تتجدد وهذه المرة من شاب سعودي نعتز بشهادته التي تؤكد على أخلاق العماني وحسن تعامله، تلقفها الكاتب ورصدها ووثقها في انطباعاته القيمة ووجد من المناسب أن يعزز بها ملاحظاته:( سافرت من مسقط الى دبي مرة في الباص(الحافلة)، وجلس بجانبي شاب سعودي يدرس الدكتوراه في أميركا، وكانت هذه زيارته الاولى لعمان، فقال لي ((ما هذا الشعب؟))، فقلت له مستغربا: ((خير؟)).قال: ((لم اجد تهذيبا في حياتي مثلما رأيت العمانيين، لقد دست على قدم أخ عماني في شارع روي التجاري المزدحم، وفوجئت بانه هو الذي يعتذر مني ويربت كتفي )).وهكذا تتوالى الانطباعات الشيقة ويعبر هؤلاء الأساتذة عن حبهم العميق لعمان وطنا وشعبا وسلطانا، كلمات موجزة ولكنها كاشفة وواضحة، أسلوب أدبي بليغ، مهارة في عرض الانطباعات والشهادات تؤكد على مكانة وعلو شأن من صاغها وأعدها علما وأدبا، ففي ورقته القيمة بعنوان (عمان حلم قابع في التاريخ ) للأستاذ الدكتور سعيد توفيق.
الكاتب والناقد، ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وأمين المجلس الأعلى للثقافة سابقا، يصور حبه لعمان بأرق وأعذب الكلمات درجة أن العمانيين أنفسهم يتعجبون من ترسخ هذا العشق الذي سكن ذاكرة الدكتور سعد مستوى تجاوز معه حبهم العميق لوطنهم:( تقبع عمان في ذاكرتي كحلم لا أصحو منه أبدا، يأتيني أحيانا في صحوي ومنامي، وكأنه حب قديم لا أريد أن أبرأ منه.
ولطالما تعجب من هذا الأمر بعض أصدقائي العمانيين المثقفين ثقافة رفيعة، وكأن لسان حالهم يقول: كيف لمثلي – أنا الغريب – أن يحب عمان أكثر منهم ؟…)، وينتقل بشهادته من الوطن إلى الشعب الذي خالطه وتعامل معه وتحاور مع الكثير من أفراده: (تعجبت من حال هؤلاء البشر الاستثنائيين الذين لا يمكن أن نجد لهم نظيرا في عالمنا العربي! لم يكن هذا حال الصفوة وحدهم، بل كان أيضا حال صغار المسئولين من الشعب العماني…).بين (أحضان الأشقاء) يتابع الدكتور عبد العاطي محمد، رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي سابقا انطباعاته مضيفا إلى من سبقه صورا أخرى عن عراقة الحضارة العمانية التي يقرأها في عين المواطن العماني الممتلئ حيوية ونشاطا ورغبة في التعلم والعمل وتعزيز انجازات الماضي بروح العصر والحداثة:(مواطن عماني تقرأ في عينيه تاريخا عريقا من التحضر والرقي، ورغبة قوية في أن يكون دائما على مستوى العصر، وإصرارا على قهر الصعاب، ليس لديه حرج في أن يتعلم من الغير أيا تكن توجهاته وانتماءاته، يبادر ليس فقط لأن يكون كريما مع الضيف ومقدرا له، وإنما لأن يظل محافظا على علاقته الطيبة معه…).(هذا الشعب الرائع ) عنوان آخر لهذه الانطباعات المتأصلة في القلوب، بقلم الأستاذ: عبدالقادر محمد علي مدير تحرير جريدة الأخبار، يقدم صورة بديعة وشهادة تسيل حبا وتقديرا واحتراما للقائد المفدى الذي ( تعلقت كل العيون ) به، باعتباره ( رجل دولة وسياسة وقائد وزعيم من طراز فريد يحظى باحترام وتقدير العالم بشرقه وغربه، ويتمتع بحب كل كبير وصغير في بلاده….).إضافة أخرى لا تقل أهمية وقيمة عما سبقها، عنوانها (تجليات الحوار في التجربة العمانية).يقدمها الدكتور مجدي العفيفي رئيس تحرير جريدة الأخبار سابقا.
الذي عاش وعمل وتزوج وأنجب وشب أبناءه على أرض عمان، وكل فرد من أفراد أسرته يحمل عنها ذكريات( حية في خلاياه) وعشق لعمان: (وقد جاءت فتاتي إلي عروسا بفستان الزفاف، وفي أطياف هذا الفستان عاشت معي حبيبة وشريكة وأنيسة وملهمة ومحبة، بل عاشقة لعمان، وأنجبنا أبناءنا الثلاثة: أحمد، وعز، وآية، في ضياء عمان، حتى كبروا وشبوا عن الطوق وصاروا إلى عالم الطب، ولا تزال عمان تمثل مواقع استراتيجية في تكوينهم, ولبنات ثرية, وذكريات حية في خلاياهم…).وعن مقومات الحوار العماني ووسائله وطرقه وآلياته ومرجعياته ودرجاته ومسيرته الحضارية التي تتابعت وتواصلت عبر الحقب التاريخية يقول الدكتور مجدي في جانب من انطباعاته: (تتحاور سلطنة عمان بأكثر من وسيلة وبأكثر من طريقة، مع الذات ومع الآخرين ومع العالم، حوارات حاضرة وحضارية متواصلة ومتسلسلة ومتزامنة في تشكيل ثقافي نابع من الذات والأرض والتاريخ والجغرافيا، كعوامل حاكمة في التطوير الإنساني، كل أولئك في منظومة ثقافية فكرية ذات مرجعية عرفية ومعرفية وأخلاقية وجمالية، فهي تتحاور بالآثار المنبسطة الشامخة في كافة ربوع الأرض العمانية، والتي تبلغ حوالي ألفي أثر، تتراوح ما بين الحصن والقلعة والبرج والسور والمسجد والبيت الأثري، وقد توج العالم، متمثلا في منظمة اليونسكو، هذه الحوارية الأثرية الناهضة بالكشوفات والنابضة بالمكتشفات، باختيار ستة مواقع تاريخية في قائمة التراث العالمية والإنسانية…) وقد عدد الدكتور العفيفي تلك المواقع التي تضمنتها القائمة واحدا إثر واحد مع شيء من التفصيل عنها..
تجسد كل كلمة كتبها هؤلاء الأصدقاء الحب المتأصل في نفوسهم لعمان والتعلق بشعبها والإعجاب بسياسة وحكمة سلطانها, كل كلمة تمثل في حقيقتها لوحة فنية لما تحمله من معاني ودلالات عميقة ولأنها كتبت بأسلوب أدبي شيق ومعبر.
في (زمني الجميل) يضعنا الأستاذ محمد القصبي, الكاتب والصحفي والروائي البارز أمام واحدة من تلكم اللوحات الإبداعية في كلماته المشرقة: (قلب العماني حديقة عامة تفوح بروائح أزاهير الحب..
وروادها كل البشر..
لهذا أمضيت فيها بغير ضجر عشرين عاما..).العنوان الذي اختاره الأستاذ الدكتور مختار محمود عطا الله, أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة ( لقد عشت في عمان زمنا عاشت في بعده أبدا ) يعكس الإبداع الذي يحمله أصدقاء عمان, والحب العميق الذي صاغ تلك العناوين, فنقتبس من انطباعاته ما نختم به عرضنا عن هذا الكتاب القيم: ( لقد مرت بي سبع سنوات ونصف السنة مقيما في سلطنة عمان مع أسرتي وكأنها حلم قصير لم نشعر فيه بالزمن, ولم نحس بوطئة الأيام, وما شكونا يوما من الاغتراب).قدمت هذه الانطباعات قراءة متعددة للتطور الذي شهدته السلطنة في مختلف المجالات السياسية والتعليمية والاقتصادية والتنموية وفي مؤسسات الدولة والتشريع والإعلام بحكم عمل هؤلاء الاساتذة في مؤسسات أكاديمية وتعليمية واقتصادية وصحية وعضويتهم في عشرات اللجان التخصصية وإشرافهم على الكثير من المشاريع الثقافية وتعرضت للشخصية العمانية تحليلا ووصفا عبر مواقف ومعايشات ومشاهدات يومية, ما يعطيها قيمة عالية واضافة مهمة للمكتبة ومرجعا للباحثين والمهتمين لمرحلة تاريخية دقيقة من مراحل النهضة العمانية الحديثة.
الكتاب يتضمن العديد من الشهادات والانطباعات والعناوين التي لم أواصل استعراضها لأنها تعكس فقط وتسند ما تضمنته المقالات الثلاث مع تعدد الأسلوب والمنهج ما يعكس ثراء كتاب هذه الانطباعات, ولأن الهدف من العرض إعطاء لمحة عن الكتاب وإلقاء الضوء على محتواه وقد تحقق ذلك من وجهة نظري, واتقاء لملل القارئ وتململه فيما لو أضفنا مقالا رابعا لهذه السلسة أو أكثر من ذلك.

إلى الأعلى