الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السيادة الوطنية فـي عصر الجغرافيا الافتراضية

السيادة الوطنية فـي عصر الجغرافيا الافتراضية

محمد بن سعيد الفطيسي

” بالرجوع الى التطورات السياسية التي شكلت البنية المتغيرة للسياسة العالمية منذ معاهدة وستفاليا التي أبرمت في العام 1648م وحتى تسعينيات القرن العشرين تقريبا، نلاحظ صمودا متذبذبا لبعض المفاهيم المتعلقة بالقانون والسياسة والعلاقات والنظام الدولي، وواحد من أهم تلك المفاهيم والمبادئ، مبدأ السيادة الوطنية للدولة، هذه السيادة التي تعتبر إحدى أهم المقومات الأساسية التي بنيت عليها نظرية الدولة في الفكر السياسي والقانوني،”

المشهد الراهن لآثار الثورة الصناعية الثالثة على واقع الأنظمة السياسية والحكومات المركزية القائمة لا يزال في مراحله الأولى، إلا ان الواضح من آثاره تلك على الواقع السياسي لتلك الحكومات والأنظمة في مختلف أرجاء العالم، يكفي للتأكيد على أننا مقبلون على مرحلة عالمية جديدة حول طبيعة القوة والسياسة في القرن الحادي والعشرين، ستشكل فيها تلك التطورات التكنولوجية وثورة المعلومات والانترنت في العصر الرقمي أحد أبرز عوامل القوة السياسية من جهة، وعناصر ضعف الدول والحكومات من جهة أخرى.

وبالرجوع الى التطورات السياسية التي شكلت البنية المتغيرة للسياسة العالمية منذ معاهدة وستفاليا التي أبرمت في العام 1648م وحتى تسعينيات القرن العشرين تقريبا، نلاحظ صمودا متذبذبا لبعض المفاهيم المتعلقة بالقانون والسياسة والعلاقات والنظام الدولي، وواحد من أهم تلك المفاهيم والمبادئ، مبدأ السيادة الوطنية للدولة، هذه السيادة التي تعتبر إحدى أهم المقومات الأساسية التي بنيت عليها نظرية الدولة في الفكر السياسي والقانوني، وأحد أهم أسس التنظيم الدولي التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوقها والتزاماتها.
وتتجلى مظاهر السيادة في أية دولة من الدول كما هو معروف عبر مظهرين أساسيين هما: المظهر الخارجي للسيادة، والمظهر الداخلي لها، ويعرف مفهوم السيادة باختصار بأنه السلطـة العليا للدولة على شؤونها الداخلية والخارجية، بالرغم من ان معنى تمام سيادة الدول لا يعني (أنها مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية، بل إنها تخضع دائما للقانون الدولي العام، وما يفرضه من قيود على حريتها في التصرف).
وبمعنى آخر، ( انه من النادر جدا بالنسبة لأي دولة متورطة في حقل العلاقات الدولية ان تتمتع بالحرية الكاملة او المطلقة – أي الحرية السيادية او الاستقلالية ـ على نفسها وقراراتها وتصرفاتها وأنشطتها انطلاقا من نفس القانون الذي منحها تلك السيادة والاستقلالية، ونحن هنا عندما نتحدث عن ذلك التورط، فإننا نقصد أن أغلب دول العالم اليوم مضطرة بشكل لا إرادي الى إقامة علاقات مع بقية أعضاء المجتمع الدولي، وبالتالي قبول الطرف الآخر بكل عيوبه وحسناته ونشاطاته وتصرفاته، فسنة الحياة تجعلها تتداخل في علاقاتها مع الآخرين، وحتى إذا افترضنا أن مجتمع من المجتمعات لم يكن بحاجة الى التعامل مع الآخرين، فان المجتمعات الأخرى بحاجة الى التعامل معه، وهكذا تتشابك العلاقات والمصالح الدولية لا إراديا بين مجموعات وأطراف وفاعلي المجتمع الدولي).
ورغم ان نظام الدول ذات الاستقلال والسيادة لا يزال هو النمط المسيطر في العلاقات الدولية حتى منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أي، بعد مرور 368 سنة على إقرار معاهدة ويستفاليا التي يعود إليها الفضل في نشوء مبدأ استقلال الدول وسيادتها، فان المرء يستطيع البدء بتمييز وملاحظة نمط جديد من المجتمعات المتداخلة قائلا بالتشكل ونوع من الإدارة يحملان شيئا من الشبه بالوضع الذي كان سائدا قبل ان يصبح نظام الدول ذا طابع رسمي بمعاهدة سلام ويستفاليا ( فالاتصالات العابرة للقومية عبر الحدود السياسية كانت نماذج مألوفة في عهد الإقطاع، ولكنها صارت مقيدة على نحو متزايد بنشوء الدول او الأمم المركزية).
هذا النمط المجتمعي والإداري في السياسة والعلاقات الدولية الذي بدا بالتشكل بشكل تقريبي مع بداية تسعينيات القرن الماضي، وتحديدا مع وصول المركزية في القرن العشرين – الدولة الشمولية – أوجها التاريخي على يد جوزيف ستالين في الاتحاد السوفيتي، حيث يقوم على انتزاع وتفتيت تلك الصفة عن الأنظمة والحكومات والدول في القرن 21 بشكل متدرج وسريع للغاية، حيث يعتمد على حركة المرور عبر شبكات الاعتماد المتبادل على صعيد العالم كله، رغم ان البدايات الأولية لما يعرف اليوم بالانترنت قد انطلق مع أول مودم يسمح بنقل البيانات الرقمية عبر خط الهاتف في العام 1958م.
ما يعني ان مبدأ سيادة الدول واستقلالها والذي ولد في القرن السادس عشر للميلاد مع انهيار النظام الإقطاعي وظهور حركة الإصلاح الديني الذي دفع بدوره الى تركيز السلطة في أيدي حكام وملوك الأنظمة السياسية القائمة في وقتها ولا زال مستمرا حتى وقتنا الراهن في العديد من دول العالم، يمر اليوم بمفترق طرق رئيسي في النظام العالمي الجديد او الرقمي، ابسط ما يمكن القول عنه، انه يسير نحو التراجع والانهيار والتفتت أمام ضربات العولمة الموجعة بمساندة ثورة المعلومات والمجتمعات الرقمية، وهو أمر يؤكده المشهد السياسي والاقتصادي الدولي على صعيد السياسة والعلاقات الدولية، وكذلك القانون الدولي حيث تجاوزت فيه تلك الأيقونات العابرة للقارات آخر الصلاحيات القانونية والسيادات الإقليمية، وباختصار، فان هذه التحولات تشير الى إبطال مفعول الدولة المركزية الحديثة التي كانت تسيطر على السياسة العالمية منذ القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا.
صحيح إننا ( لا نزال في مرحلة مبكرة من ثورة المعلومات الحالية، وتأثيراتها على الاقتصاد والسياسة متفاوتة، وكما كان الحال في البخار في أواخر القرن الثامن عشر والكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر، فان نمو الإنتاجية قد تلكأ متأخرا بينما كان على المجتمع ان يتعلم كيف يستخدم التكنولوجيات الجديدة استخداما كاملا، وذلك كون المؤسسات الاجتماعية تتغير على نحو أبطا من التكنولوجيا).
فعلى سبيل المثال فان المحرك الكهربائي قد اخترع في العام 1881 ولكن لم يحدث إلا بعد ذلك التاريخ بأربعة عقود تقريبا ان اخذ هنري فورد زمام الريادة في إعادة تنظيم المصانع لتحصل على الفائدة الكاملة من القوة الكهربائية، لذا فان تأثيرات العصر الرقمي على سيادة الدولة الوطنية لا زال في بداياته المبكرة، بالرغم من ان تلك البداية كانت قوية جدا نظرا لطبيعة وأبعاد قوة هذا الوحش المتجسد في شبكات الانترنت ووسائط التواصل الاجتماعي وثورة المعلومات.
لذا فان القياسات التاريخية السابقة تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين، (حيث تغيرت الاقتصادات وشبكات المعلومات بسرعة أكثر بكثير من سرعة تغير الحكومات، وقد تنامت أحجامها بأسرع من تنامي السيادة والسلطة ). كما ان هناك اتجاهان آخران لهما علاقة وثيقة بثورة المعلومات، ويعززان التكهن بان هذا القرن سيشهد تحولات في موقع الأنشطة الجماعية بعيدا عن الحكومات المركزية ) وهما: ان ثورة المعلومات صنعت قوى وعناصر فاعلة خاصة عابرة للقومية غير سياسية ولكنها تؤثر بشكل رئيسي ومباشر في سياسات الدول وسيادتها الوطنية كشبكات التواصل الاجتماعي « تويتر، فيس بوك، والواتساب، وغيرها، و( كذلك قد وسعت ثورة المعلومات من دور الأسواق – الشركات متعددة الجنسية والخصخصة – وتأثيرها على سياسات الدول بطريقة جعلت الدولة مصدرا واحدا للسلطة من بين عدة مصادر).
إذا نحن اليوم نعايش مرحلة جديدة من مراحل التغيير في هياكل بناء الدولة التقليدية في القرن الحادي والعشرين، ربما سيتراجع فيه مع الوقت نوعا ما عنصر مهم من عناصرها المكونة لبنائها القانوني والسياسي، وهو عنصر السيادة الوطنية بطريقة او بأخرى، باتجاه ما يمكن ان يطلق عليه في العقود القادمة بالدولة الرقمية او الافتراضية او المواطن العالمي، صحيح ان الدول ذات السيادة ستستمر بتأدية دور كبير في السياسة العالمية لزمن ليس بالقصير، ولكن ذلك لن يستمر الى ما لا نهاية، بل سيتعين عليها مع الوقت التنازل عن بعض من سيادتها واستقلالها الكامل أمام ضربات العولمة، وستكون اقل عزلة وانطواء على نفسها، وأكثر مسامية، وسوف يتعين عليها ان تتقاسم مسرح السيادة الوطنية مع مواطنيها، بل ومع أفراد واسر دولية من الخارج.
وكما يؤكد ذلك اريك شميدت الرئيس التنفيذي لشركة جوجل وجاريد كوين مدير قسم الأفكار في نفس الشركة في كتاب العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال بان الدول وخلال العقود القادمة والتي ستخضع فيها سيادتها الوطنية الى عوالم وأيقونات وضربات المملكة الافتراضية ( ستحن الى تلك الأيام التي لم يكن عليها فيها سوى التفكير بالسياسات الخارجية والمحلية في العالم الفيزيائي، ولو كان بالإمكان استنساخ هذه السياسات الى المملكة الافتراضية فلربما كان مستقبل فن السياسة اقل تعقيدا، ولكن على الدول ان تتعايش مع حقيقة ان الحكم في الوطن مع فرض النفوذ –والسيادة الوطنية – في الخارج والداخل بات أصعب بكثير اليوم ).
خلاصة القول: بان السنوات القادمة ستشهد وبكل وضوح معالم تراجع ما يسمى بسيادة الدول على أراضيها وتفتت ما يطلق عليه بمبدأ السيادة الوطنية باتجاه دول افتراضية وسيادة جزئية تتحكم بها الثورة المعلوماتية، والتجمعات الرقمية او شبكات التواصل الاجتماعي كتويتر والواتساب والفيس بوك، وكذلك الشركات العابرة للقارات، لتكون السيادة القادمة ليس للجغرافيا السياسية بقدر ما سيكون ذلك للجغرافيا الافتراضية، وستتحول الأنظمة السياسية القادمة الى حكومات الكترونية والأفراد الى مؤثرين فاعلين في سيادة تلك الأنظمة سواء كان السيادة الداخلية او الخارجية، فيما يمكن ان يطلق عليه بنهاية السيادة الوطنية وبداية الدولة الكونية الافتراضية او الرقمية.

إلى الأعلى