الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الدبلوماسية العمانية.. مواقف حكيمة وأعباء ثقيلة

الدبلوماسية العمانية.. مواقف حكيمة وأعباء ثقيلة

تشهد السلطنة زخما دبلوماسيا، يؤكد حكمتها وسيرها في الاتجاه الصحيح، وذلك بعد ان رسخت مواقفها الدبلوماسية على الصعيد الاقليمي والدولي بشكل جعلها محل تقدير عالمي. كما يعزز ذلك ايضا دورها في التصدي للأزمات المتفاقمة في المنطقة.

ففي 29 يناير المنفك، تسلم معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسئول عن الشئون الخارجية جائزة (سانت جورج) للسلام في إطار مهرجان سيمبر أوبرا بال 2016) السنوي بمدينة درسدن بولاية سكسونيا الألمانية. وذلك تقديرا لجهوده الدبلواماسية والسياسية في المساعدة وتقريب وجهات النظر لحل الازمات في المنطقة ومن أهمها الملف النووي الايراني والتنسيق المتواصل لإيجاد حلول للأزمة السورية وأزمة اليمن والقتال في ليبيا. كما تأتي تقديرا لدور الدبلوماسية العمانية في العمل على نزع فتيل الأزمات وإرساء قواعد السلام والاستقرار في المنطقة بفضل منطق العقل والحكمة التي تنتهجها القيادة الحكيمة لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والتي اصبحت عاملا من عوامل الاستقرار في المنطقة العربية.
كما زار الامين العام للامم المتحدة بان كي مون السلطنة في الايام الاخيرة، وأشاد بالدبلوماسية العمانية الحكيمة ودورها في العمل على ارساء الاستقرار والامن في المنطقة.
كما شهدت السلطنة ايضا زيارة وزير خارجية جمهورية التشيك والذي بحث سبل التعاون بين البلدين وأشاد بجو وفرص الاستثمار في السلطنة. ومن جانبه، فقد قام نائب رئيس وزراء مملكة تايلند بزيارة السلطنة وبحث التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين وفي مقدمتها مجالات النفط والتجارة وفرص الاستثمار.
كما زار وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف السلطنة في 3 فبراير الجاري وذلك للتشاور في القضايا الاقليمية سواء فيما يتعلق بالاوضاع في اليمن وليبيا وسوريا وفلسطين والعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث تستثمر شركة غازبروم الروسية في ميناء صحار. كما بحث الجانبان تشغيل خط جوي بين مسقط وموسكو بما يسهم بتدفق الافواج السياحية الروسية لزيارة السلطنة. كما تم ايضا بحث مشكلة انخفاض اسعار النفط العالمية وامكانية التشاور مع اعضاء اوبك وغيرهم من المنتجين. ومن جانبه اكد بن علوي على اهتمام السلطنة بان تتهيئ الظروف للسوريين للتوافق وانهاء هذه الازمة واشار الى استعداد السلطنة ببذل كل ما لديها من جهد في سبيل انهاء الازمة حال توفرت الظروف المواتية لذلك. وشدد معاليه على ضرورة خفض اسعار النفط بنسبة 5% لكل الدول المنتجة، لان انخفاض الاسعار اضر بالكل. وخفض الانتاج من شأنه تحسين الاسعار بما ينفع الكل.
ومن جانب اخر، اشاد وكيل الشئون الخارجية الفلبيني ايفان جارسيا، خلال محاضرة له في النادي الدبلوماسي بمسقط على هامش زيارته للسلطنة في 3 فبراير الجاري بالدبلوماسية العمانية واصفا ايها بالمتزنة والفعالة والمحافظة على استقلاليتها. وانها تتسم بمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى وسياسة غير متحيزة وتحترم القانون الدولي وتحرص على بحث الحلول السلمية في قضايا المنطقة. واشاد بحرص السلطنة على التعاون الاقتصادي مع الدول الاسيوية بما ينعكس ذلك على تنشيط وتنويع اقتصادها.
ويعد ذلك دلالة واضحة على حكمة وعقلانية الدبلوماسية العمانية في التعاطي مع قضايا ومشاكل المنطقة وذلك من خلال الدعوة الى تغليب منطق العقل ولغة الحوار لحل المشاكل والخلافات وعدم اللجوء الى القوة. فضلا عن اتخاذها مواقف متوازنة لا تنحاز لطرف على حساب طرف، بشكل جعلها محل تقدير واحترام لدى كل الاطراف حتى المتصارعة في داخل المنطقة فضلا عن العالم الخارجي.
وقد انعكس ذلك على حالة الامن والاستقرار التي تشهدها السلطنة وينعم بها شعبها. وبما ينعكس في رغبة البلدان الاخرى في الاستثمار واقامة علاقات تجارية واقتصادية مع السلطنة، بما يخدم اهداف ومصالح السلطنة ويعمل لصالح ابنائها.
وفي النفس الوقت فان هذا التقدير العالمي للدبلوماسية العمانية يدفع الى زيادة وتكثيف الجهد الدبلوماسي للسلطنة في سبيل ايجاد سبل لحلحلة وتسوية الازمات المتفاقمة في المنطقة وعلى رأسها الأزمة اليمنية.
فقد بات واضحا بعد قرابة سنة ان الحل العسكري للأزمة لم ولن ينجح. فالوضع في اليمن يزداد تعقيدا ويزداد صعوبة بمرور الوقت. واذا كان للحرب من نتائج فهي سلبية بكل المعايير حيث انها انهكت القوى المتحاربة من الطرفين، دون الحسم لصالح اي منهما. فضلا عن وقوع كثير من الضحايا من الجانبين، والاهم كثير من الضحايا المدنيين وتدمير البنية الاساسية لليمن. بينما لا يظهر في الافق أي بوادر لحل سياسي توافقي.
هذا في الوقت الذي يستفحل فيه عدو لكل الأطراف المعنية بالأزمة. والذي يتمثل في تنظيم القاعدة الذي صار يتمدد ويستولى على مناطق في اليمن. فحسب احدث التطورات، وكما أفادت وكالات الانباء فقد سيطر تنظيم القاعدة على مركز للشرطة في مدينة زنجبار بجنوب اليمن السبت الماضي ليحكم قبضته على طريق ساحلية تطل على خليج عدن. وسيطر التنظيم على مقر الشرطة في زنجبار بدون اي مقاومة من القوات الموالية للحكومة التي فرت من عاصمة محافظة ابين. كما سيطر التنظيم على مبان حكومية اخرى في زنجبار لمدة اسابيع، كما انتشر بشكل كبير في بلدة جعار القريبة. وقبل ذلك بأيام، سيطر على بلدة عزان في محافظة شبوة المجاورة. كما سيطر على بلدتي شقرة واهوار ما منحه سيطرة كاملة على الطريق الساحلية بين مدينة المكلا، التي تعتبر معقله في الجنوب الشرقي، وزنجبار، التي أعلنها إمارة اسلامية.
ويحاول عناصر التنظيم توسيع سيطرتهم على مواقع عدة في الجنوب مستغلين الانفلات الامني الكبير الذي تشهده البلاد جراء المواجهات المسلحة بين الحوثيين مدعومين بقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح من جهة، وقوات الجيش والمقاومة الشعبية مدعومة بوحدات من قوات التحالف العربي من جهة أخرى.
وبالطبع فان القيادة والدبلوماسية العمانية تدرك خطورة هذه التطورات في اليمن ومغبة ذلك وتبعاتها على كل المعنيين بالوضع اليمني. ولا تألو جهدا في التعاطى معها. ليس من خلال انتظار توفر الظروف المواتية للتحرك. بل ان تلك التطورات تدفعها إلى تكثيف جهودها بحكم علاقاتها الأخوية المتينة والمتميزة مع اطراف الازمة داخل اليمن وخارجه بدعوة مندوبين عن الحكومة اليمنية ومندوبين عن الحوثيين وإجراء محادثات مع كل طرف لإطلاعه على خطورة الوضع. ثم السعي الى تقريب وجهات النظر بين الطرفين ومحاولة اقناع كل طرف بالتنازل قليلا، وعدم التشبث بمغامرة كسب الكل او خسارة الكل أو ما يعرف بالمباراة الصفرية التي لا تنفع في حل القضايا السياسية بل لابد من مساومات وحلول وسط تؤدي الى التوافق والاتفاق على التعايش بين الطرفين وليس استئصال طرف لآخر. وكذلك محاولة اقناع الاطراف الخارجية المنخرطة في النزاع بأن استمرار الحرب لا يعمل في مصلحة اليمن ولا المنطقة. والاسراع في ذلك، لان الخطر بات داهما ويهدد الكل سواء الاطراف المتصارعة داخل اليمن او خارجه. فلمصلحة من داخل اليمن وخارجه استمرار الحرب بين ابنائه في الوقت الذي يستفحل في تنظيم القاعدة ويسيطر على اجزاء واسعة من البلد؟ لابد اذاً لكل الاطراف والقوى الفاعلة والمؤثرة في الازمة اليمنية ان تعمل على تغيير المسار. والا فالخسارة على الجميع لا محالة. وهنا تكمن الأهمية الكبرى للدبلوماسية العمانية.

السيد عبد العليم
مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى