الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لاحُرَّ.. ولا أَمنَ.. بوادي عَوْف

لاحُرَّ.. ولا أَمنَ.. بوادي عَوْف

علي عقلة عرسان

” الطوفان يستمر، آناً يكون ترابيَّ اللون، وآناً يكون دمويَّ اللون، وآناً يكون القَطِرَانَ، مندلقاً من جوف الليل، نحو أي نور، ونحو كل من يرقب نوراً في صباح يقترب، يجعل قلوباً تؤمن بأن قدرة قادرة على زحزحة قدم الصَّلف عن رقاب العباد، وعلى رفع بعض السُّتُر التي تضيف إلى الظلمة ظلام الظلم. لا لا يتوهمن أحد حدوث شيء من ذلك، ما دام كل يعمل بوهم أنه الحق، وليس الذي على حق فقط،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السوريون من جديد على دروب اللجوء، والنزوح.. في البرد، والمطر، والثلج، عبر البر والبحر. وفي كل المواقع والدروب التي هم فيها، أو يصلون إليها، يخيم البؤس، ويعبث الموت، وتكبر المحنة.. وفي تجمعاتهم على حدود الدول، وفي قوارب الموت، وفي مخيمات النزوح واللجوء.. ترى الأطفال منهم، يبحثون عن دفء، ورغيف، واطمئنان.. يَجُرُّون أقدامَهم الصغيرة في الوحل، ودموعهم ألسنة قلوبهم، وترجمان أحوالهم، وتخييل آمالهم.. ينظرون إلى الكبار برجاء، والكبار العاجزون عن فعل منقذ، ينظرون بدورهم إلى السماء.. وفي عيون الكثيرين منهم صور وصور، لا سيما صور سماء تتدلَّى منها صواريخ، وتصليهم قذائف، وتنفثهم رعباً مع الرصاص، وكل ذلك يلاحق بقايا الحياة فيهم، وفي وطنهم. وتعمر ذاكرة أولئك البشر، صور الدمار الهائل، ينهال ركامُه فوق الأحياء الذين يطلبون النجدة، أو يسحقون بصمت، وصور الحرائق التي تلتهم كل شيء.. وكل تلك “الخيرات الحربية؟!”، تخلف أرضاً محروقة، تُنْبِتُ لأناس “انتصارات؟!”، ممن يرون النصرَ قدرة على التدمير، والإماتة، والإبادة.؟!.. بعض أولئك الأطفال من السوريين، لا تفارقهم صورُ آبائهم، وأمهاتهم، وإخوتهم، وأخواتهم، ورفاقهم.. ممن ماتوا في الحرب، ولا صور الدم البشري النازف، يسيل بُسُطَاً حمراء في الطرقات، يمشي عليها “المنتصرون؟!”، وقطع اللحم البشري المدمّى، تتناثر أشلاءً في الأرجاء، وتعلق هنا وهناك في مشاهد تقشعرُّ لها الأبدان، وصور أحياء تشتعل أجسادهم، وهم يصرخون، بينما تشويهم نار الحريق حتى الموت..!!صور، وصور، تترى بعد صور.. إلى أن تصل إلى هياكل عظميَّة، يفضي بها الجوع إلى المقابر.؟! ويبقى الأطفال السوريون يركضون، ويصرخون، ويبكون، ويبحثون.. أو يقفون ذاهلين، مخطوفين من مشهد الحياة، يتناقلهم العالم مشاهد بؤس، تمرُّ أمام العيون، فتثير عند بعض الناس الشَّفَقة والشجون.. لكنها تبقى عند الساسة والمسؤولين.. بضائع سياسية، وبراقع إعلامية، ووثائق يتداولونها في المحافل الدولية، والأسواق التجارية.. لكي يخدع بعضهم بعضاً، ويكسب بعضهم من بعض شيئاً، يستثمرون في المأساة، ولا يعنيهم أن تتوقف.؟! وتبقى تلك الأفاعيل، المكرسة في ملفات، وسجلات، ووثائق.. تبقى عند العسكريين أهدافاً معادية، يدمرونها بقمة ودقة، فترتفع قيمتهم بنظر آمريهم، ويُرفّعون رُتَباً ودرجات، ويُوسمون بأوسمة، تحت اسم:”بطل الحرب، الشجاعٌ المغوار، بطل الهول والنار”، ذو المجد.. قاتل الخصم، صانع النصر، “العزيز الجبار؟!، و.. و..؟!وكل تلك أفعال وأوصاف، هي في نظر الإنسان الحكيم، البريئ، القتيل، المصدوم بوجوده بين دموية ممجَّدة، وهمَجيَّةٍ مُهَدّدة لكل ما بناه، وما ينشده في الحياة ويتمناه.. وهو حيال ذلك كله، في وضع القابض على جمر النار، وعليه أن يعتزّ بـمياسم، سببت له الشقاء، ويراها في أعماقه نوعاً من العار.؟!
أبواب كثيرة مغلقة بوجه كثرة كاثرة من السوريين: أبواب دول، وأبواب مؤسسات، وأبواب قلوب، وحتى أبواب دروب إلى الوطن، ومداخل بوابات في الوطن.؟!أبواب كثيرة مغلقة بوجه سوريين؟! والعالم يشاهد، ويشهد، ويتبغدَد.. أتُراه عالم الموت؟!أتُراه العالم الصوت؟!أم أنه لا هذا ولا ذاك.. فبابُ العالم أصلاً باب مغلق، ما لم تطرقه بقوة الموت؟! والحروب العالمية، وتلك المستمرة بصور وأشكال ما.. دليل على عبثية عالم تنعدم فيه القيم والمشاعر الإنسانية. كل مواطن في وطن، يعتمد على الوطن، حيث هناك أوطان تحمي، ويعطي، وتبني.. ولكن هناك أوطان تظلم، وتَسلِب، وتُسلَب، وتُفني.. فيا للوطن الميت، حين يعرِّشُ فيه ضمير ميت، ويا للشعب الـذي “يهجرُ”الوطن، الموت.؟!
في الحروب: ينتشر الخوف، وتنتشر المآسي، وتُنتج الفوضى حُمى الفساد والوحشية.. وفي الحروب أيضاً تنتصر إرادات خيرة وتنصهر في الخير، لتحرق الفساد والفاسدين والظلم والمعتدين، وتعيد تربية المخلوق من طين، ليكون قامة: تقيم العدل، وتعلي الخلق، وترفع الإنسان بالمعرفة والحرية، ليبني وطناً تسوده الإنسانية.
في وطني الكبير، الوطن العربي الكبير، الذي سيبقى أبداً، بوصفه بيت الأمة، وروح الدين/الإسلام، على الرغم مما يُكاد له، وتشوه صورته، حتى بيد بعض بنيه، ذاك الذي كانت وحدته أملاً وما زالت حُلماً، وفي وطني الصغير، الذي كان بيتاً آمناً.. يوجد اليوم زحفان: زحف الحرب/الموت، مع منتجاتها، وأدواتها، ونتائجها، ومواصفاتها، ومنها “الوحشية، والشراسة”.. وزحف الخوف، بما يمليه، ويبثه، ويحفز عليه. ومن فوقهما يمتد ظلام، تنشره غربان تحمل المزيد من الموت، والمزيد من نذر الشراسة والفوضى والشر، ونذر الاستعمار الجديد. لذا نجد فيه ضخامة وفداحة ظاهرة الهجرة القسرية، والتهجير القسري، وإعادة التوطين، حسب الدين، والقومية، والمذهب، و.. إلخ، ونجد الأشد فتكاً وإيلاماً من ذلك، ظاهرة قطع جسور التواصل الاجتماعي بين الناس، بزرع الأحقاد، وبث الكراهية، والتأسيس للتنابذ، والتقاتل، وبناء الأسوار والخنادق، والتقسيم، ثم التقسيم، ثم التقسيم.. على نقيض ما كنا نأمل ونحلُم. فبغداد تقيم سوراً حولها، يحميها ويعصمها.. ممن؟ وهي العاصمة التي ينبغي أن تعصم العراق كله وتحميه؟ تحميه من:”عراقيين، إرهابيين”؟!. وشمال العراق، “كردستان العراق”، تحفر خندقاً ممتداً على طول الحدود، مع المحافظات العراقية الأخرى، من غرب العراق إلى شرقه، وهو “خندق استقلال الإقليم، وحدود الدولة الكردية”،طليعة تقسيم العراق إلى دول ثلاث. ومصر تقيم جداراً فاصلاً، وقناة مائية جزئية فاصلة، بينها وبين قطاع غزة؟! وتونس تقيم خندقاً حدودياً مع ليبيا، ليحميها من الإرهابيين، كما تقول.. أما في سوريا واليمن، فالخنادق قتالية، ودامية، وشاملة، ومؤلمة، تنتشر في معظم مناطق البلاد، ويرافقها حصار مدن، وأحياءٍ في مدن، وبلدات، وقرى.. ويُراد لها أن تكون دائمة، أو مما يقسم القطرين إلى أقاليم منفصلة، أو دويلات مُفْتَعَلَة..؟!هذا، عدا ما ينتشر في بلدان عربية من خنادق، وجدران، وأسوار اجتماعية، تُبنى بالحقد، والشك، والمذهبية، وبالثارات الدموية.. فإلى أين يمضي وطن العرب والمسلمين يا ترى؟!، وإلى أين يلجأ، وينزح، ويهاجر، مواطنون بمئآت الآلاف، بعد الملايين التي لجأت أو خرجت، بل ربما بالملايين بعد الملايين، من السوريين على الخصوص؟! وبعد من قتل، وجرح، وعُوِّق جسدياً أو عقلياً.. وبعد، وبعد، وبعد؟! ونحن على أبواب زحف جيوش لترفد الحرب/الفتنة، والحرب/الكارثة، والحرب/الاحتلال، والحرب/التقسيم، والحرب/التبعية. والحرب الاستعمار..؟! وكل ذلك يُعَلَّق على مشجب “داعش”، أو يتعلَّق به.؟! نعم، للأسف، دلائل كثيرة تشير إلى ذلك، وإلى حسم يراد له أن يكون عسكرياً في سوريا، بعد الكلام طوال سنوات، على حل يكون هو الحسم، وهو حل سياسي، لأنه حسب أقوال جميع المسؤلين المحليين، والعرب، والإقليميين، والدوليين.. لا يوجد حل عسكري، بل سياسي.. وهو ما يعمل ضده كل من يقولون به؟!
“سوف تلتقي هنا جيوش، وترتفع حمى الحرب، ويتناسل المتقاتلون، ويحترق وجه الأرض، ويزرع الدمُ الدمَ، وربما تكون المواجهة الحاسمة في “صِفِّن ٢”، مثلث الرقة، الحسكة، دير الزور.. لكي.. لكي.. لكي..؟؟ لكي يكون ماذا؟ نصرٌ أم تحكيم؟!، بعد إفناء وإفناء، ومن ثم ماذا.. ثم ماذا.؟!
ينصهر الكلام في الحريق، ويرتفع رأس فوق الرؤوس ليقول: أنا قدرُكُم، حياتُكم، موتُكم.. أنا الماضي، والحاضر، والمستقبل.. وما تحمله الأرحام في قادم الأيام، إلى يوم يُبعث فيه الناس من قبورهم، ويحاسبون على ما اقترفوه بحق بعضهم بعضاً، وما صنعته أيديهم؟!.. ومن يرفع رأسه بعد حرب الإفناء، أو حروبها.. سوف يرفع رأسه، مُصَعِّراً خده للناس، يعلك الكلام، يقول:”أنا سوف أكون من أهم من يحاسِبون، وربما مَن يُفوَّضون بالقرار الأخير، لتحديد المصير، مصير الشخص، والشعب، والبلد، والأمة، والدين، والمذهب، و.. أنا الطوفان، الذي يقرر متى يتحرك، وفي أي اتجاه.. ومتى ينحسر، ومتى يتوقف، ليسمح لبلهاء بأن يبنوا البنيان.. ثم أعود لأكتسح ما أشاء، عندما أشاء.. فأنا الإرادة، وأنا البقاء؟!”، لا حلم فوق حُلمي، لا علم فوق علمي، ولا تخييل فوق خيالي، ولا إرادة إلا ما أردت، وما أريد.. كونوا العبيد أبقيكم أحياءً، وإن لم تفعلوا فالطوفان، وصفين بعد أخرى، إلى يم الدين.؟!
الطوفان يستمر، آناً يكون ترابيَّ اللون، وآناً يكون دمويَّ اللون، وآناً يكون القَطِرَانَ، مندلقاً من جوف الليل، نحو أي نور، ونحو كل من يرقب نوراً في صباح يقترب، يجعل قلوباً تؤمن بأن قدرة قادرة على زحزحة قدم الصَّلف عن رقاب العباد، وعلى رفع بعض السُّتُر التي تضيف إلى الظلمة ظلام الظلم. لا لا يتوهمن أحد حدوث شيء من ذلك، ما دام كل يعمل بوهم أنه الحق، وليس الذي على حق فقط، وأن من حقه أن يزيل الخلق من طريقه متى شاء، وأن يشقيهم متى شاء.؟! فليذهب الصباح، والحلم بالصباح بعيداً، وبعيداً جداً.. فهنا يسود الظلام.. تسود الحرب. ومنطق القوة يقول:أنا ومن بعدي الطوفان، ولا يتوهمن أحدٌ أن بعدي بعد، فأنا الطوفان، في كل وقت، وفي كل مكان.
الأولاد السوريون يركضون بين المعابر المفضية إلى الأمن، يركضون، وتتجاذبهم الشائعات: باب المعبر العاشر مفتوح.. ويتسابق الأطفال مثل موج هائج، بعد موج أهوج.. وتردهم إشاعة بعد إشاعة، من النهاية إلى البداية، ومن البداية إلى النهاية.. وهكذا يبقون هَلَعاً بين باب وباب، وحضور وغياب، ومعبر يفتح وآخر يُغلَق، وبين حظ عاثر، وسعي خاسر، وفي درب ودرب، بين حرب وحرب، يبحثون عن أمن في جوف الخوف، وعن بصيص حياة، وأمل بحياة، بين موج وموج، في رحلة الشقاء، والبحث عن باب في البحر يفضي إلى المجهول.
إنسانية مدمرة، وحيثما ترى جحافل القلوب هائمة، تسعى وراء أمن ورغيف، ترى البؤس يلفّها، والرعب يغلق عليها الدروب، والموت يسوقها إلى حتوفها زرافات ووحداناً.. كل بوقت، ومكان، ولا منقذ، ولا حامٍ، ولا ناجٍ، إلا بقَدر، ولا حر، حتى إذا أراد سيدٌ أن يُعْمِل توهماً بالحرية. فقد عاد، أو كاد يعود، زمنٌ، قال فيه المنذر بن السماء:”لا حرَّ بوادي عَوف”. ويجوز أن نضيف إلى ذلك، بعد ما يزيد على ألفٍ وخمسمئة سنة:”لا أمنَ بوادي عوف”، الوادي الذي أصبح وطناً. لا أمن بوادي عوف، ساد الموت، وساد الظلم، وساد القهر، وساد السيف، وساد الخوف.. لا حُرَّ بوادي عَوف، لا أمنَ بوادي عوف.
إذ نحن اليوم في وضع فرطنا فيه بالكثير، وفي عالم تغير فيه الكثير.. لقد أسلمنا رقابنا، ومصيرنا، وحربنا وسلمنا.. إلى غيرنا.. ولم نعد فقط، كما كان الغساسنة والمناذرة تبعاً للروم والفرس، يتقاتلون بالإنابة عنهم .. بل أصبحنا مجرد أدوات، وعقولاً معطلة، وقلوباً تحقن بالحقد.. مما يزيد التبعية والاستعمار قوة وسيطرة وتأثيلاً. نحن في عالم مختلفٍ عن عالم كانت فيه الغَلَبة، وكان فيه النصر، رهناً بالحكمة، والحرية، والشجاعة.. حيث كان السلاح: السيف، والرمح، والقوس والسهم، والدرع، والترس المجَنّ، أدوات القتال.. وكانت ظهور الخيل، وأسنمة الإبل مطايا، ومنْجيات أو مزدلفات، مُقْحَمات .. يوم ذاك كانت الشجاعة أن يمدّ الرجل قصَرَ سيفه بطول ذراعه، وإقدامه.. أما اليوم فلا تعطي الشجاعة للقذيفة مدى أبعد، ولا تستطيع الإرادة أن تملك ما تشاء من السلاح.. وقد تفرقنا بين أتباع لهذا القوي وذاك، لهذا التحالف أو ذاك.. نحارب حربنا وحرب غيرنا، بنا، ولا نملك أنفسنا.

إلى الأعلى