الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب الوسطي

الإرهاب الوسطي

د. أحمد مصطفي

”.. أمس كانت القاعدة إرهابا متطرفا، بينما الجماعة الإسلامية إرهابا معتدلا، واليوم داعش إرهاب متشدد والقاعدة إرهاب وسطي.. وهكذا. إن محاولة “تبييض وجه”الإرهاب، أو بعضه، لا تستهدف سوى إبقاء صفة الإرهاب والتطرف والتشدد ملتصقة بالمنطقة وشعوبها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ترك المنطقة في حالة “اشتعال ذاتي” يأكل فيها ويقضي على أي أمل لها في الاستقرار أو تحسين الأوضاع فيها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كررنا هنا في هذه المساحة من قبل ما نراه من عوامل تفسر حاجة جميع الأطراف لوجود داعش، وجماعات وتنظيمات الإرهاب بشكل عام، وكيف أن النتيجة عدم القضاء على بضع آلاف من الإرهابيين رغم الحملات العسكرية والتحالفات التي تضم عشرات الدول الكبرى وإعلان الجميع من أميركا إلى روسيا مرورا بالقوى الاقليمية من تركيا إلى إيران أنهم يكافحون داعش. ولا نتصور أن الدول المعنية بمكافحة الإرهاب انتبهت لتلك العوامل التي ذكرناها فقررت زيادة الجهود لمحاربة داعش. وفي الوقت نفسه يصعب تصور أن اي جهد اضافي يمكن أن يقضي على داعش، خاصة وأن الحديث عن حملة برية عليها في سوريا مع أن جهد الجيش العراقي وميليشيات الحشد لم تقض عليها في العراق.
في الأغلب الأعم، إذا حدث التصعيد في سوريا فسيكون في إطار صراع بين القوى التي تدعي كلها محاربة الإرهاب: النظام وروسيا (وحلفاؤهما) من ناحية والأميركان والأتراك (وحلفاؤهما) من ناحية أخرى. والمستفيد الأول، وربما الأخير أيضا، من ذلك هو جماعات إرهابية أخرى مثل جبهة النصرة (ممثل تنظيم القاعدة في سوريا) وفصائل أخرى مماثلة. وكل ذلك إنما يصب في مصلحة الجماعة/الجذر لكل تلك التنظيمات وهي الإخوان الذين لم يشاركوا بناقة أو بجمل حتى الآن بأي تضحيات وينتظرون جني الثمار بلا جهد ـ ويبدو أنها ستدين لهم في النهاية.
ولست أدري لماذا إذا كان العالم فعلا حريصا على مكافحة داعش والقضاء على الإرهاب لا يلتفت أحد إلى ما يجري في ليبيا، وكنا سمعنا من قبل من مسؤولين كبار من أوروبا واميركا أن داعش تفر إلى ليبيا بعد الضغط عليها في العراق وسوريا. بل على العكس، يضغط الكل ليسيطر الإخوان وميليشيات التطرف على الحكومة التوافقية ضمن عملية برعاية الأمم المتحدة. وكما يحدث في ليبيا بالفرض القسري المدعوم دوليا واقليميا، يجري في بقية الدول التي تعاني من الإرهاب إما بدعم مجموعات وميليشيات ضد أخرى أو في النهاية بإفساح المجال أمام تصعيد الإخوان ولو بالتفريغ السلبي.
الواضح أن هناك الآن تطويرا واضحا للمقولة الغربية (التي يتحمس لها البعض في الإقليم) بأن الإخوان، أو ما يسمونه “الإسلام المعتدل”، هم البديل الأفضل للإرهاب، الذي يسمونه “الإسلام المتطرف”. والكارثة في القبول بهذه المقولة من الأساس، ناهيك عن تطويرها حاليا ومستقبلا، هو أننا نسهم في تشويه ديننا وأنفسنا. فلا يوجد سوى “إسلام” واحد هو دين الله الذي أتى به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. مثله في ذلك مثل بقية الأديان السماوية التي أتى بها الرسل عليهم السلام. إنما هناك “مسلمون”، منهم من هو سوي ومنهم من هو متطرف أو إرهابي. فليس هناك “إسلام معتدل” وآخر لا سمح الله غير ذلك، وليس هناك “إسلام متشدد” و”إسلام وسطي”. الدين واحد ويختلف من يحملون صفته، لأنهم بشر من طبعهم الاختلاف. وإذا كان بعض المسلمين، وفي مقدمتهم طبعا المستفيدون كالإخوان ومواليهم، يروقه تصنيف الدين ألوانا فإن على المسلمين أن يتصدوا لذلك ولا يقبلوا بذلك التصنيف إلا للأشخاص حسب سلوكهم وليس لدين الله.
في سياق التطوير المتوقع لتلك المقولة، المغلوطة والتي تحتاج إلى مكافحتها مثل مكافحة الإرهاب، فإن ما يجري الآن هو محاولة تصنيف الإرهاب ـ بالضبط كما يفتئتون على الدين ـ وكأنما هناك “إرهاب متشدد” و”إرهاب وسطي”؟! فأمس كانت القاعدة إرهابا متطرفا، بينما الجماعة الإسلامية إرهاب معتدل، واليوم داعش إرهاب متشدد والقاعدة إرهاب وسطي.. وهكذا. إن محاولة “تبييض وجه”الإرهاب، أو بعضه، لا تستهدف سوى ابقاء صفة الإرهاب والتطرف والتشدد ملتصقة بالمنطقة وشعوبها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ترك المنطقة في حالة “اشتعال ذاتي” يأكل فيها ويقضي على اي أمل لها في الاستقرار أو تحسين الأوضاع فيها.
تعرضت المنطقة منذ نحو ثلاثة عقود إلى كثير من الأحداث والتدخلات التي كانت تدفع جميعا نحو حالة “الصراع الممتد منخفض الحدة”، ويبدو أن الحلقة الأخيرة في تلك المحاولات هي ما نشهده الآن من تسييد للإرهاب والعنف والتطرف. وللأسف، وكما في المرات السابقة، نسهم بأنفسنا في دعم تلك المحاولات إما بشكل نشط ونحن نتصور أننا نحسن صنعا أو بالسلبية المطلقة تجاه ما يجري. لم يعد الأمر قاصرا على بلد يتفتت أو دولة تنهار، فهناك في الإقليم من يتصور أن ذلك في مصلحته أحيانا. ولم يعد الأمر مجرد تجييش طائفي أـو عرقي يذكي البعض نيرانه لأغراض آنية. إنما هي كارثة اقليمية نتمنى ألا يكون الأوان قد فات على امكانية التخفيف من وقعها. ويخشى المرء ان بعض من يتصور أنه يحاول تفادي تأثير ذلك عليه، إنما قد يكون اول المكتوين بنار الاشتعال الذاتي تلك.
مثال بسيط: ماذا لو زاد الضغط على الإرهابيين في العراق وسوريا؟ الأرجح أنهم سيفرون إلى تركيا، ومنها يمارسون نشاطهم التخريبي في أرجاء المنطقة. لكن هل ستكون تركيا بمأمن من شر إرهابهم وتطرفهم؟ بالطبع لا.

إلى الأعلى