الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : لم يظهروا في الواجهة

اصداف : لم يظهروا في الواجهة

وليد الزبيدي

كان اليهود يقفون وراء الكثير من الطروحات والتعليقات الصحفية، لكنهم لم يظهروا في الواجهة، بحيث بدت المسألة وكأنها صراع بين الصحافة والسلطة في السلطنة العثمانية، ولكن تكشف دراسة الأوضاع السياسية في ذلك الوقت ومواقف عبد الحميد الثاني وتحركات اليهود لاستمالته مرة ومحاولة وضعه تحت مظلتهم مرة ثانية، الدور الذي لعبه اليهود في ذلك من خلال سيطرتهم على وسائل الإعلام بصورة خفية أوعلنية.
وتنبه السلطان عبد الحميد الثاني إلى خطورة الدور الذي تلعبه الصحافة التي استغلت فقرات الدستور غطاء لها، وأوعز إلى الصدر الأعظم مدحت باشا وهو من يهود الدونمه لمنع الصحافة من تجاوز الحدود المسموح بها والتوقف عن نشر مواد تسيء إلى سمعة الدولة، وتضر بمصالحها، في محاولة منه للحد من دور الصحافة ومقالاتها التي كانت تثير متاعب كثيرة للدولة العثمانية.
وظل السلطان عبد الحميد يرصد الأهداف الخفية وراء الحملات الصحفية التي تقوم بها الصحف وبعض الأقلام العاملة فيها، ولا شك أنه بدأ يربط بين توجهاته القاضية بمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والضغوطات ـ التي بدأت تُمارس عليه من قبل الكثير من الجهات الداخلية والخارجية بسبب توجهاته تلك، وكان اليهود يبغون خلق المشاكل وجعل الصحافة قوة هدامة بدلاً من أن تؤدي رسالتها الصحيحة في بناء الدولة والتنبيه إلى الأخطاء التي تحصل هنا وهناك، وقبل أن تفرض تلك الصحف هيمنتها على السلطان عبد الحميد الثاني “أدرك خطر الصحافة وخاصة التي تقف وراءها جمعية الاتحاد والترقي، والمحافل الماسونية على الدولة العثمانية فأمر بإغلاق بعض الصحف مثل (وقت) و(استقبال) كما اصدر تشريعات تنظيم عمل الصحافة وفرض رقابة مشددة عليها.
ومثلما ادرك عبد الحميد الثاني الخطر الكامن وراء توجه تلك الصحف فقد عرف بعض اعضاء وقيادي جمعية الاتحاد والترقي أن توجهاتهم المعادية للسلطان اصبحت مكشوفة، واصبح من الصعب عليهم ممارسة دورهم الذي يخدم مخططات واهدافاً بعيدة عن مصالح السلطنة العثمانية، لهذا هاجر عدد منهم إلى الخارج لإنشاء صحافة مناوئة للسلطان عبد الحميد الثاني، وصدرت تلك الصحف في جنيف ولندن ونابولي وباريس والقاهرة ومنها “استقلال” و “مشورت” و”عثمانلي” و”شوراي” و”امت” و”ميزان” التي صدرت في القاهرة عام 1894.
ووسط تلك الأجواء اصبح السلطان عبد الحميد الثاني يعيش في حذر شديد من المحيطين به، خاصة ان القضية التي وجدها شاخصة امامه، قد اعادت إلى ذهنه جميع الأحداث والوقائع والتحركات التي عاشتها السلطنة، ودور يهود الدونمه والتوجه الذي تسير عليه جمعية الاتحاد والترقي، ولهذا فقد اصبح حذر السلطان عبدالحميد الثاني موجهاً ضد كل من له علاقة باليهود سواءً كان بصورة مباشرة ام غير مباشرة، ويمكن تلخيص الاسباب التي دعت السلطان إلى الحذر الشديد من المحيطين به إلى الآتي:
1ـ أن فترة حكمه شهدت اوسع محاولات الهجرة اليهودية إلى فلسطين والتي اشرنا إليها وقد وقف بوجهها بصرامة شديدة.
2 ـ عندما وصل إلى الحكم بدأ يتوجس خيفة من القائمين على السلطة وبالأخص العناصر الموجودة في القصر السلطاني، فهو وجد عمه السلطان المعزول مقتولاً في قصره اما شقيقه السلطان مراد فقد اصيب باضطراب عقلي جراء ذلك الحادث، كما انه قد درس تاريخ القصر العثماني وخاصة الوجود اليهودي في القصر بعد ان ادرك ان لليهود اطماعاً خطيرة في الأراضي المقدسة الاسلامية، وبلا شك أن تلك الاطماع وحجم خطورتها لم يطف على السطح إلا في عهده.
3- شعر بتهديد حقيقي للدولة العثمانية من الداخل والمتمثل بإمكانية احداث الكثير من المشاكل للسلطنة العثمانية من قبل اليهود.

إلى الأعلى