الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد السياسي في العراق.. هاجس الأمن والانتخابات

المشهد السياسي في العراق.. هاجس الأمن والانتخابات

كاظم الموسوي

”تتصاعد المبارزات في ظل الأوضاع الأمنية المثيرة للقلق والمريبة في مصادرها وتوجهات الجهات الفاعلة فيها والإعلان في الدخول في عملية انتخابية أخرى بين القوى السياسية فيها معلنة مشاركتها فيها بألوان متعددة وموزعة بين الدعاية السياسية والدينية الطائفية والاثنية وتهيئة أجواء التبارز بالضغوط الموازية عبر التفجيرات والصراعات العنفية وغيرها…”
ـــــــــــــــــــــــ
لا يزال المشهد السياسي في العراق ملتبسا وأكثر تعقيدا بعد كل تلك السنوات من الغموض والقلق. واليوم ابرز ما يتسم به المشهد السياسي هو هاجس الأمن بشكل كبير، وكذلك الاستعداد للانتخابات النيابية نهاية شهر ابريل القادم، ومن ثم تحولات في مواقف التيارات السياسية المنشغلة في العملية السياسية. والأبرز فيها هو الانسحاب المفاجئ لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر من العمل السياسي ومطالبته تياره بالانسحاب من العملية السياسية ثم التراجع عنه ودعوته للمشاركة في الانتخابات القادمة واعتبارها واجبا وطنيا وشرعيا.
في خضم هذه الأوضاع والمواقف ما زال الأمن غير مستقر وعمليات العنف والتفجير والاغتيالات والسيارات المفخخة لم تنقطع أخبارها اليومية، في أغلب المدن العراقية. والأبرز فيها المواجهات العسكرية في محافظة الانبار خصوصا. تنظيم القاعدة الإرهابي يقود حملته بأسماء متعددة ومنها الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش في المحافظة وغيرها، وكانت مجموعات منه قد سيطرت ميدانيا على مدن وقرى واتخذت من مساجد ومدارس مقرات لها. بعد أن انسحب التنظيم من مقرات عسكرية له شبه علنية في الصحراء الغربية وعلى الحدود العراقية السورية إثر ضربات عسكرية كبيرة للقوات المسلحة العراقية له وبتأييد كامل من اغلب القوى السياسية العراقية وممثليهم في المحافظة وإدارتها. ولكن التنظيم اخترق المدن والقرى بعد انسحاب الجيش منها وفرض قراراته على السكان، واستخدم المدن والسكان قواعد حماية له فضلا عن تصنيع أو خدمة بيئات حاضنة له من بعض السكان والجهات الحزبية المعارضة للحكومة والمتضررة من التغييرات السياسية الحاصلة في العراق. الأمر الذي أدى إلى مواجهات عسكرية ساخنة وصدامات سياسية حادة.
تتصاعد المبارزات في ظل الأوضاع الأمنية المثيرة للقلق والمريبة في مصادرها وتوجهات الجهات الفاعلة فيها والإعلان في الدخول في عملية انتخابية أخرى بين القوى السياسية فيها معلنة مشاركتها فيها بألوان متعددة وموزعة بين الدعاية السياسية والدينية الطائفية والاثنية وتهيئة أجواء التبارز بالضغوط الموازية عبر التفجيرات والصراعات العنفية وغيرها من الأساليب التي شهدها المشهد السياسي العراقي في الفترات السابقة. ويلعب البرلمان العراقي الحالي دورا واسعا في تازيم الأوضاع والتعبير عن الأزمات المتوالدة في العملية السياسية والتشابك مع الحكومة والمشاريع الاقتصادية والسياسية فيها إلى مستويات تهدد السلم والأمن الوطني وحتى روح التعايش المشترك. على عكس ما هو دوره الفعلي ومهماته العملية. إذ ما زالت الميزانية العامة للدولة مرصوفة مع حزم عديدة من القوانين المهمة والمتعلقة بالحياة السياسية واليومية للمواطنين مرصوفة في أروقة البرلمان ولم تحدد مواعيد لها قريبا بذرائع الكسب الانتخابي وخشية التجيير لمصالح جهة رسمية أو حزب أو تيار سياسي حاكم. ويعطل البرلمانيون بتعمد ذلك في الوقت الذي لا يحرجون في الاجتماع وإكمال النصاب في زيادة رواتبهم أو في قوانين التقاعد لهم والامتيازات الخرافية التي لم تكن موجودة أو متماثلة في أي نظام أو قانون لأية دولة أخرى.
دفعت هذه الأزمات جماهير شعبية واسعة في عديد من المحافظات إلى التظاهر وابتكار أساليب سلمية في السخرية من تصرفات أعضاء البرلمان ونشاطاتهم البرلمانية. كما دعمتهم مرجعيات دينية وبعض قوى وأحزاب ومنظمات مدنية ولكن هذه الفعاليات الشعبية السلمية وللأسف لم تلق ردود فعل موازية لها من لدن السلطات الرسمية، بما فيها أعضاء البرلمان الذين سيواجهون حملة أخرى في الموعد القادم للانتخابات. مما يعني بأبسط الصور انتشار الفساد الإداري والمالي بشكل مريع أسهم في عرقلة إصدار أو تنفيذ القوانين والقرارات من جهة، وأحبط المساعي أو الاهتمامات الوطنية التي تخدم المصالح الشعبية. هذه الصور تعكس حالات وأوضاع الإدارة والعملية السياسية الجارية والخروقات الكبيرة داخلها التي توفر فرص التردي الكبير وتثير القلق والهم من توقع التغير أو التطور فيها أو في أية عملية انتخابية جديدة أو إدارة وطنية فاعلة ومخلصة فيها.
هذه الهواجس المحتدمة في المشهد السياسي اليوم في العراق وغلبة توترات الأمن والانتخابات والتحولات فيها تضع مهمات متواصلة ومكررة أمام من يتصدر المشهد السياسي أو يرغب في المشاركة فيه. كما أنها في حالاتها المزرية فيها تكشف عن تدهور مفزع وعلى مختلف الأصعدة مما يجعل الكلف البشرية، فضلا عن المادية، باهظة جدا. واستمرارها بهذه الأشكال يقدمها كدوامة أو متسلسلة من دورات الدم وهدر المال وغياب الآفاق الرحبة في التغيير وبناء الدولة ومؤسساتها الوطنية الحقيقية التي تنشد دوما أو تؤشر إليها في مقاييس الزمن والتطور العملي في بلد كالعراق وثرواته وطاقاته البشرية والمادية المعروفة.
انعكاس تلك الأوضاع الداخلية وتأثرها بعوامل خارجية وانكشاف السقوف السياسية والأمنية أمامها يحولها إلى أعمدة تخريب وتدمير ويبعد مشاريع الأعمار والبناء وتحقق الضوء في آخر النفق المظلم الذي وضعها الاحتلال وأزلامه وفرسان الغزو والتخادم مع مشاريعه الإرهابية والدموية الشائعة في الإقليم، مما يمزق شبكات أو نسيج البيئات الآمنة والسلمية التي تتطلبها التحولات والتغييرات الانتقالية في العراق وجيرانه، ويعزز في صناعات التفرقة والتفتيت والتهديدات بها كحالات لا مناص منها أو لا مخرج آخر لها. لا سيما وان مشاريع وخطط العدوان على العراق والمنطقة موضوعة ومسبقة الصنع وجاهزة بالمفتاح.
أغلب التغييرات والأوضاع القائمة أو المنتظرة لا تبشر كثيرا ولا يمكن التعويل عليها وقد تحيل المشهد السياسي إلى تكرار ملون لمعزوفة مملة أو انفجار مفاجئ لا يهيئ أرضية صحية للمؤمل والمرتجى من التغيير المنشود. وقد تكون الهواجس الغالبة أكثر إزعاجا وتداعيات مما يبين إن دروس السنوات العقدية لم تدرس ولم يستفد منها، وقد تحتاج إلى مثيلاتها للعبرة والعظة منها!.
حالات المشهد السياسي في العراق اليوم بحاجة إلى هزات شديدة وصادمة للتغيير والتطوير والبناء، وإلى يقظة مخلصة وروح وطنية غالبة بوعي شعبي وجهود مشتركة…

إلى الأعلى