الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / صداقة الأميركان

صداقة الأميركان

محمد عبد الصادق

”.. كان جمال عبد الناصر من الزعماء القلائل الذين كشفوا الغدر الأميركي مبكراً، رغم اعترف أميركا بثورة 23 يوليو حيث أبلغ السفير الأميركي آنذاك مجلس قيادة الثورة دعم آيزنهاور للضباط الأحرار، وساعدت أميركا ناصر في الخروج منتصراً عقب العدوان الثلاثي على مدن القناة عام 1956م؛ ولكنها سرعان ما طالبته بالثمن..”
ــــــــــــــــــــــــ
بمناسبة مرور 95 عاما على ثورة 1919م التي قام بها المصريون ضد الاحتلال الانجليزي، نشرت جريدة الأهرام المصرية صورة نادرة لإحدى مظاهرات الثورة ويظهر فيها أحد المتظاهرين المصريين يرفع العلم الأميركي.
وكان سبب ذلك هو إعلان الرئيس الأميركي وقتئذ وودرو ويلسون عام 1918 مبادئ ويلسون الأربعة عشر، والذي ينص أهمها على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وظن المصريون أن ويلسون سيساعدهم في الخلاص من الاحتلال الإنجليزي، بل وصلت الثقة في أميركا أن المصريين كتبوا رسالة باللغة الإنجليزية يطلبون فيها من ويلسون مساعدتهم في تحقيق الاستقلال وقدموها للقنصل الأميركي بالإسكندرية؛ ولكن ويلسون خذل المصريين وبدلاً من تنفيذ وعوده ومساعدتهم في تقرير المصير، اعترف الرئيس الأميركي بحق بريطانيا في فرض الحماية على مصر نتيجة المصالح الأميركية مع بريطانيا العظمى التي أعطت لها مناطق نفوذ وتسهيلات بحرية في آسيا، مقابل (صهينة) ويلسون على قصة تقرير المصير للشعوب الرازحة تحت الحكم البريطاني ومن يومها لم يقرب ويلسون من المستعمرات الإنجليزية، وكثف جهوده ضد إسبانيا والبرتغال لإخراجهما من أميركا اللاتينية.
وسوابق التاريخ تؤكد أن أميركا منذ نشأتها لا يحركها سوى مصالحها حتى لو كانت على حساب المبادئ أو حياة الشعوب، ورغم ذلك ما زال البعض يعول على مساعدتها وحمايتها متأثراً بالدعاية الهوليودية عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسقوط الكثيرين أسرى لأوهام الحلم الأميركي.
وكان جمال عبد الناصر من الزعماء القلائل الذين كشفوا الغدر الأميركي مبكراً، رغم اعتراف أميركا بثورة 23 يوليو حيث أبلغ السفير الأميركي آنذاك مجلس قيادة الثورة دعم آيزنهاور للضباط الأحرار، وساعدت أميركا ناصر في الخروج منتصراً عقب العدوان الثلاثي على مدن القناة عام 1956م؛ ولكنها سرعان ما طالبته بالثمن المتمثل في التطبيع مع إسرائيل، وكان رد عبد الناصر بأنه لا يمكن ذلك قبل رد الحق العربي، بعدها ظهر الوجه القبيح لأميركا فقد أوقفت تمويل بناء السد العالي، وقادت حملة تشويه وملاحقة لمشروع عبدالناصر العروبي والوحدوي وللأسف تم هذا بمساعدة أنظمة عربية، وبلغ الغدر الأميركي ضد المشروع الناصري ذروته في العدوان الصهيوني الأميركي على مصر وسوريا في يونيو 1967م .
وانصاع القذافي لنصائح ابنه سيف الإسلام بغلق ملف العداء مع أميركا وفتح صفحة جديدة من الصداقة وتطبيع العلاقات؛ تم بمقتضاها إرسال مخزون طرابلس من اليورانيوم لأميركا ودفع تعويضات بمليارات الدولارات لضحايا طائرة لوكيربي مقابل فك الحصار الغربي عن ليبيا ورفع العقوبات عن نظام القذافي الذي ظل في حالة عداء مع أميركا لمدة 40 سنة ـ هذه الهدايا الكثيرة التي قدمها القذافي وابنه لأميركا لم تمنع عنه الغدر الأميركي؛ فعندما نشبت “ثورات الربيع العربي” في تونس ومصر وامتدت للشرق الليبي قررت أميركا استبدال تحالفها مع الأنظمة المتهاوية بتنظيم الإخوان ـ الذي وافق على كل الشروط الأميركية للوثوب للحكم ـ وأرسلت أميركا طائراتها ضمن حلف الناتو لقصف كتائب القذافي حتى أسقطوا نظامه، واعتقلوه وسلموه للغوغاء والدهماء ليقتلوه ويمثلوا بجثته، وراحت ليبيا وراح القذافي ضحية للغدر الأميركي. وساعدت أميركا حسني مبارك في الاستمرار على كرسي الحكم في مصر 30 سنة، تغاضت خلالها عن استبداده واحتكاره للسلطة وفساد نظامه، وسجله الأسود في مجال حقوق الإنسان مقابل ضمان أمن إسرائيل وتنفيذ السياسات الأميركية في المنطقة، وفي إطار ذلك تعاملت مع نجله جمال مبارك باعتباره الوريث القادم للحكم، وكانت في نفس الوقت تجلس مع الإخوان وتتوسط بينهم وبين مبارك حتى تحولوا لجزء من النظام الفاسد، وحصل الإخوان من خلال هذه التفاهمات على 88 مقعدا في البرلمان وكان مكتب الإرشاد مقصداً دائما للمسؤولين الأميركيين وأعضاء الكونجرس خلال زياراتهم المتكررة لمصر؛ وعندما ثار الشعب على مبارك ونظامه في 25يناير تخلت عنه أميركا وغدرت به، وراحت تعقد الصفقات مع الإخوان لمساعدتهم للوصول للحكم بحجة أنهم الفصيل الوحيد المنظم القادر على تحمل تبعات الحكم.
وبعد تحرك الجيش بقيادة السيسي لدعم الانتفاضة الشعبية ضد مرسي وحكم الإخوان، راهن الإخوان على صديقتهم أميركا لإجهاض الانقلاب وتخيل رجل الإخوان القوي خيرت الشاطر أن علاقته القوية بالسفيرة الأميركية السابقة في القاهرة آن باترسون وتطميناتها له سيتبعها تحرك الأسطول الأميركي ليعيد مرسي والإخوان لكرسي الحكم تحت تهديد السلاح.
وتحالف شاه إيران محمد رضا بهلوي مع الأميركان في الخمسينيات لإسقاط غريمهما المشترك الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الإصلاحي الذي أمم صناعة النفط الإيرانية وقام بإصلاحات اجتماعية على غير هوى الشاه والطبقة الأرستقراطية في إيران، وبالفعل تم افتعال المؤامرات ضد مصدق الذي كان يعتمد على التأييد الشعبي الجارف له، حتى انتهى الأمر بعزله وتحديد إقامته حتى الموت.
وبعد الخلاص من مصدق ارتكن شاه إيران على متانة صداقته بأميركا في توطيد أركان حكمه رغم المعارضة الشعبية الشديدة التي أدت في نهاية المطاف لقيام ثورة أطاحت بحكمه في نهاية السبعينات، وهرب الشاه وأسرته بطائرته الخاصة من إيران، واستغاث بأميركا لمساعدته أو حتى استقباله كلاجئ ولكنها غدرت به، وتهرب أصدقاءه الأميركان من الرد عليه، وظل يدور بطائرته على العواصم الغربية التي رفضت استقباله على أرضها، ولم يجد غير الرئيس المصري أنور السادات ليستقبله ويمنحه اللجوء السياسي بمصر هو وأسرته ولم يتحمل الرجل غدر الأميركان إذ سرعان ما افترسه المرض ومات غريبا ودفن في القاهرة.
وابتلع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين طعم السفيرة الأميركية في بغداد إبريل جلاسبي التي قالت له: “إننا لا نتدخل في خلافات حدودية بين بلدين” واعتبر هذه العبارة ضوءا أخضر من أميركا لغزو الكويت ـ هذه الحماقة غير المبررة ـ التي كانت ذريعة لأميركا للتدخل في المنطقة وغزو العراق والقضاء على صدام وتمزيق العراق والأمة العربية وما زالت المأساة العراقية مستمرة حتى الآن.
وتجلى الغدر الأميركي بالأصدقاء عندما أوعز جورج بوش الابن للرئيس الجورجي الموالي لأميركا ميخائيل ساكاشفيلي باستفزاز الدب الروسي بمحاولة ضم أوسيتيا الجنوبية وأوهمه بأنه سينجو بفعلته دونما عقاب لأن روسيا انتهت ولم يعد بوسعها خوض حروب أو صراعات، ولكن ساكشفيلي فوجئ برد فعل عنيف وقاسٍ من روسيا، وكانت النتيجة انفصال أوسيتيا وانضمامها لروسيا بشكل نهائي وهزيمة جورجيا ونهاية حكم ساكاشفيلي الذي دفع ثمن حماقته غاليا وفقد الشعبية والتأييد الداخلي والدولي؛ بعدما تخلى عنه الحليف الأميركي.
ونفس الأمر يتكرر الآن في أوكرانيا التي لم تعرف الاستقرار منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي بسبب التغلغل الأميركي/ الغربي في أوساط الأحزاب والمنظمات الأهلية وقطاعات كبيرة من الشباب الذين خدعهم الحلم الأميركي، ومنذ عشر سنوات وصل حلفاء أميركا للحكم عقب قيامهم بما أسموه بالثورة البرتقالية ولكنهم فشلوا لعدم وصول الدعم الغربي الذي وعدوا به، وخسروا الانتخابات ولكنهم أعادوا الكرة في 2014م من خلال الاعتصامات والمظاهرات ونجحوا مرة أخرى في الاستيلاء على السلطة بعد هروب يانكوفيتش، ولكن الثمن هذه المرة سيكون فادحاً وهو تقسيم أوكرانيا، والبداية كانت في القرم وستليها المناطق الشرقية والشمالية من أوكرانيا ولا يملك الصديق الأميركي منع ذلك بعد أن أعلن أوباما ووزير دفاعه هيجل أن أميركا لا تملك فعل شيء ضد روسيا أكثر من العقوبات الاقتصادية التي ربما يكون تأثيرها كارثيًّا على أوروبا الغربية المعتمدة على روسيا في الحصول على الطاقة والغاز.

محمد عبدالصادق
Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com

إلى الأعلى