الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ندوة (كتابات الذات في الأدب العماني) تبحث تطور الأدب السّردي وأسباب ظهوره في الأدب الحديث
ندوة (كتابات الذات في الأدب العماني) تبحث تطور الأدب السّردي وأسباب ظهوره في الأدب الحديث

ندوة (كتابات الذات في الأدب العماني) تبحث تطور الأدب السّردي وأسباب ظهوره في الأدب الحديث

كتب ـ خميس السلطي: الصور ـ المصدر:
نظم النادي الثقافي بمقره بالقرم مساء أمس الأول وبالتعاون مع مجلس البحث العلمي ندوة (كتابات الذات في الأدب العماني)، تضمنت محورين، بمشاركة سبعة باحثين، وتناولت موضوع كتابات الذّات في الأدب العُماني الحديث، من خلال بحث تطور هذا النّوع السّردي في عمان وبيان الأسباب التي أوجدت ظهور هذا الجنس في الأدب الحديث، ومدى تأثر الكتّاب بدوافع الكتابة فيه. ولتبيان هذه التّجربة قام الباحثون بتحليل بعض هذه النّصوص تحليلاً يكشف طبيعتها، ويخبر معالمها، ويظهر موضوعاتها، ودوافع كتّابها؛ انطلاقا من بنيتها الفنية. مبينين مدى استجابتها للقضايا النّظرية التي يتميز بها جنس الأدب المرجعي الذّاتي من حيث كونه جنسا أدبيا له مقوماته المستقلة،

المحور الأول في هذه الندوة جاء بعنوان (تشظي الأنا والمكان في سيرة الطفولة) ترأس الجلسة الباحث محمد الهنائي، واشتمل على ثلاث أوراق عمل، حيث قدم الدكتور حمود الدغيشي ورقة بعنوان (تشظي الحميمية في السيرة الذّاتيّة ” حياة أقصر من عمر وردة ” عبدالله البلوشي نموذجا)، وفي هذه الورقة قال الدغيشي: بدت لغةُ عبدالله البلوشي في سيرته الذاتية ” حياة أقصر من عمر وردة ” شاعريَّةً، تضجُّ بالتخييل والأحلام، لا سيما وهو يسرد علاقاته الحميمةَ بالآخر . لقد جسّدت تساؤلاته “الأنثروبومورفية” (الأفكار والمشاعر والإدراك والدوافع ) المستوى الحسِّي والروحي الذي ظلّ عبدالله البلوشي محتفظًا به بين جوارحه وهو يسرد هواجسه في تفاصيل الكائن الإنسان والكائن الطير والكائن الجماد، ثلاث ملاعق سكّر قد لا تكفي لإطالة حياةٍ أقصرَ من حياة الزهور، لكنها قد تمنحنا حرارة الصراع بين القبح والجمال، وإذْ تمنحنا ذلك فإنها تمنحنا إياها ونحن ما زلنا متجذّرين في تربة الحياة لا كما تمنحُها الزهورَ بعد اقتلاعِها من تربتها. موضحا أن البلوشي يتكئ في الوصف على السردية الشِّعرية في جَعْلِ المكانِ يبدو كائنًا حيًّا يضجّ بعوالم الفرح، فيحوِّل الكينونة الصلدة المتجذِّرة في الجبال إلى أصداء فرح متحرّكة.

دوافع كتابة السيرة
كما قدم الباحث نصيب الصّبحي ورقة بعنوان (دوافع كتابة السيرة الذاتية في الأدب العماني)، وهنا قدم قراءة في السير الذاتية لـسيف الرحبي “منازل الخطوة الأولى”، ومحمد عيد العريمي”مذاق الصبر” و “بين الصحراء والماء”، ومحمد سيف الرحبي “بوح سلمى” و”بوح الأربعين”. وهنا يشير الصحبي وبصورة عامة إلى أن كاتب السيرة الذاتية عندما يعرض تجربة حياته أمام القارئ ويصف شخصيته ويحلل مواقفه فإنه في الوقت ذاته يدفع المتلقي إلى تأمل نفسه هو الآخر ومراجعة تجربته، وذلك بفعل تأثير الكاتب على متلقيه فهو يقف أمامه يستكشف ذاته ولكن بوعي متقدم على وعي لحظة الذات المسترجعة، ويتبين من خلال استعراضنا لهذا الدوافع أن الكتابة تصير معادلا للنجاة، فهي فعل وجود تتأسس عليه أكثر المعاني فعالية في قهر الزمن وذلك عبر الديمومة التي تمنحها الكتابة لوجود الإنسان بعد فنائه ماديا. إن الكتابة تجعل الكائن البشري قادرا على قهر ضعفه أمام الموت والصمت والفراق والنسيان ، فتلعب دورا تأثيريا في تقليل فاعلية الغياب النهائي للإنسان،
كما قدم الباحث والكاتب عوض اللويهي ورقة بعنوان (الطفولة والمكان عند عادل الكلباني) : وهنا يشير اللويهي أن التوقف عند عنوان الكتاب كعتبة أولى نجدها مكونا من ثلاث وحدات “مقنيات” “وطن” “طفولة” مقنيات مكان عماني له صداه في التاريخ العماني ومكان يضم في جنباته حيوات لبشر عاشوا فيه منذ مئات السنين ثم أن مفردة وطن لا تحيل هنا إلى الوطن الكبير وإنما إلى الموطن الذي ولد فيه المؤلف يحن إليه ويعود إليه في ذاته الوقت فمقنيات مكان الطفولة والذكريات القديمة.

نبش الذاكرة
بعدها تم الانتقال إلى المحور الثاني الذي جاء بعنوان (معضلة كتابة الذّات في السيرة الذّاتية)، وترأست الجلسة الباحثة وفاء الفارسية، وتضمن أربع أوراق عمل، حيث قدمت الباحثة شيخة البادية ورقة عمل بعنوان (صورة الأنا الرّاوية في كتاب “ونبش الذّاكر لأحمد الزبيدي”)، وهنا تشير الباديّة أنه عندما يتم النظر إلى الإنتاج الإبداعي لأحمد الزبيدي فهو دوما يثير ضروبا من محرّم الحكاية والتاريخ، بتناوله مرحلة تاريخيّة مهمّشة بجرأة ووعي كبيرين. وكتاب “نبش الذاكرة” لا يخرج عن هذا الوصف، إذ هو شهادة على ما واجهته الذات الكاتبة من أحداث، ومواقف، والسرد في هذا الكتاب لا يتوخى الترتيب بأي حال، فهو يتنقل بين الماضي والحاضر، أو العكس، على مستوى الفصل الواحد، معتمدا في هذا على مناسبة الحديث، وتداعيات الذاكرة، الأمر الذي انعكس على إيقاع الزمن والحوادث. وعليه فقد جاءت هذه الفصول متواشجة متلاحمة في موضوعاتها وقضاياها، ولا تخضع لترتيب معيّن، رغم التقسيم الشكلي للنص كما أشرنا. وقد جلّى النصّ صورا للذات متعددة: فكانت مناضلة، واعية، ساخرة، حالمة، متعددة… تماهت هذه الذات مع المكان، ليس بصفته الجغرافية فحسب، بل بثقافته، وبالأحداث التي عاصرها. فسجلت موقفها وانحيازَها إلى الإنسان والوطن دون أي شيء آخر، وبذا فقد جاءت السيرة عبارة عن تجربة اندماج كلي مع الإنسان ومعاناته وألمه وأحلامه، لا الاكتفاء بوصف هذه الآلام والأحلام فحسب.

كما قدم الباحث مبارك عيسى ورقة عمل بعنوان (رحلتي في عالم الاتصالات: ثنائية المؤسسية والتّأسيس) لأحمد بن سويدان البلوشي: وحاولت الورقة مقاربة النص المشتغل عليه انطلاقًا من التنامي السِيرِي الذي ينتظمه، كخط منسجم ناظم، وذلك بالتركيز على التبطُّن القيَمي الملتزم في النص وفقًا لثنائيتين: المؤسسية الخاضع لها، والتأسيس الذي يحاول القيام به، وهو التبطن الذي سيكون تمظهره في البناء الفني والذهني للنص، كما ستكشف عنه الورقة.

مذكرات أميرة عربية
كما قدمت الباحثة سالمة المرهوبية ورقة بعنوان (رحلة البحث عن الذّات: في مذكرات قراءة أميرة عربية للسيدة سالمة آل سعيد. وهنا أشارت المرهوبية إلى أن الأميرة سالمة كتبت قصة حياتها في الشرق وسردت تفاصيلها، ظهرت سيرتها الذاتية للنور بعنوان:مذكرات أميرة عربية، مكتوبًا باللغة الألمانية في عام 1886م، فلقي رواجًا وانتشارًا واسعًا آنذاك فطبع طبعات عدة،كما حظي بعناية واهتمام المعنيين بالأدب وبقضايا الشرق؛ لما حمله من قيمة تاريخية واجتماعية وسياسية واستشراقية وأدبية أيضًا. وبدت شخصية الكاتبة في نص مذكّرات أميرة عربيّة شخصية منشطرة إلى شطرين أنا فردية وأنا جمعية والتي بدورها انقسمت إلى قسمين أيضا، فظهرت الفردية منشطرة إلى أنا قديمة وأنا جديدة وأنا الكاتبة وأنا الساردة وأنا الشخصية المركزية. بينما جاءت الأنا الجمعية منشطرة بانتمائها إلى حضارتين مختلفتين وعالمين متناقضين تمثلا في الشرق العربي والغرب الأوروبي.
وأضافت الباحثة : اتسمت الأنا في مسارها في مراحل حضورها الثلاث في النص التي جاءت كالآتي: الطفولة والعزلة والتحول والغربة بسمات عديدة منها: الإحساس بالتميز والتفرد في الخلقة والسلوك، والروح المتمردة والقدرة على المواجهة والتحدي وتحمل المصاعب، السعي والمثابرة لتحقيق المراد، مثل المشاركة في الانقلابات والمشاركة في الجوانب السياسية أيضًا. ولقد اعتمد ظهور شطري الأنا في النص على عملية تبادل الأدوار بينهما.إذ كان أمرًا لا بدّ منه للشخصية؛لتتمكن من التخفيف منوطأة الغربة والحنين إلى الوطن؛ولتتمكن أيضَا من مواجهة الآخر الذي كانت الشخصية محتاجة للتعايش والتواصل معه.
ولقد حرصت الأنا على محاورة الآخر الذي تمثّل في الغرب الأوروبي وكان محور الحوار حول أهم القضايا التي اتّخذ منها الآخر منها مواقف خاطئة ينظر من خلالها إلى الأنا التي مثّلها الشرق العربي، كانت نظرة الآخر للشرق مزرية تقلل من مكانة الإنسان الشرقي والعربي خاصة، ظهر ذلك في أراء الأوروبيين حول مكانة المرأة في الشرق، وأساليب التربية، ونمط الحياة، وفي قضية الرقيق، وقام هذا النص الذاتي على العلاقة بين الأنا والآخر، فحين ظهرت الأنا منشطرة في النص، برز الآخر في المقابل في هذا النص متعددًا مختلفًا فهو الشرق أحيانًا والغرب أحيانًا أخرى؛ وبما أنّ النص اشتغل في معظمه بالأنا القديمة التي كانت منتمية إلى الشرق؛ فإنّ الآخر الذي واجهته الأنا ووجهت خطابها له في معظم فصول الكتاب كان من البديهي أن يبدو في هيئة الغرب الأوروبي.بدا حضور هذا الآخر في هذا النص حضورًا فاعلًا ومؤثرًا،يؤكد على تأثر الكاتبة به وإتباعها لمنهجه في كتابة هذا النص، وفي عنايتها بالدقة والموضوعية في التعبير عن الآراء وإبداء الأحكام ومناقشة وطرح وجهات نظر الآخر ونقدها للفكرة السيئة التي يحملها بعض الغربيين عن الشرق العربي.
اعتمدت الكاتبة في استحضارها للآخر أساليب عدة مثل:المقاربة والمقارنة والمثاقفة في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والفكرية والسياسية، لذا جاء هذا الحضور صريحًا معلنًا تارة وضمنيًا غير معلن تارة أخرى. ظهر الآخر في النص بصورة ذات جانبين متناقضين أحدهما عبّر عن انجذاب الكاتبة للجانب الإيجابي الذي تمثل في الاتجاه الثقافي الحضاري وظهر في صورة الشخصية الحضارية المتفتحة التي تهتم بالعلم والعمل وتتقدم في الصناعة ونمط الحياة لكنها معنية بالمظاهر والبذخ والجانب العقلي.
وفي ختام قولها أكدت المرهوبية إلى أن في المقابل تهمل تلك الشخصية الجانب الروحي في مقابل اعتقادها بالمادية والصدفة. أما الصورة الثانية فعبرت عن نفور الكاتبة ونقدها للآخر وبرز بصورة سلبية حيث جاء الآخر الذي مثله الغرب الأوروبي عادة في الجانب السياسي والحضاري أيضًا وظهر في صورة المستعمر العنصري الاستغلالي الذي يتصف بالكذب والخداع ليحقق مأربه أو المخادع المنافق في الحياة الاجتماعية.
تخلل الندوة حلقة نقاش أثارت الكثير من الأسئلة حول ما تم طرحه في هذا الجانب.

إلى الأعلى