الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ” لما اشتد ساعده رماني ”

” لما اشتد ساعده رماني ”

أ.د. محمد الدعمي

”إن معضلة انفلات قدرات الأجهزة الاستخبارية من سيطرة الإدارة، إدارتها أي الإدارة الأميركية عامة، غدت معضلة مرعبة بعد إعلان عضوة لجنة الاستخبارات في الكونجرس عن اكتشاف تجسس الـ CIA وكالة المخابرات المركزية الأميركية على أعضاء الكونجرس، على الرغم من أن الكونجرس يعد واحداً من اقوى السلطات في الولايات المتحدة الأميركية.”
ــــــــــــــــــــــــــ
تعاني الولايات المتحدة الأميركية اليوم، شعباً وإدارة، من رهاب تضخم أجهزة الاستخبارات المؤتلفة، عملاً وتنسيقاً وأهدافاً، فيما يسمى الـNSA، اي “وكالة الأمن القومي” التي، كما اعتقد، تطورت بعد إخفاقات وكالات المخابرات والأمن في استباق هجمات 11 سبتمبر على واشنطن ونيويورك، إذ لاحظت الإدارة الأميركية الانفصال والجدران بين الأجهزة المستقلة أعلاه، الأمر الذي عد من أسباب نجاح ذلك العمل الإرهابي الفظيع.
كانت الإدارة، تحت قيادة الرئيس بوش الابن، قد ركزت على نحو استثنائي على تضخيم هذه الأجهزة في سبيل تجنب الهجمات المتوقعة الجديدة وإجهاضها قبل الحدوث. لذا قاد ذلك التركيز والجهود والأموال، إلى توسع جهاز التحسس الأميركي على نحو يفوق قدرة الإدارة على ضبطه والتحكم به، كما يبدو. إنها حال تشبه التنشيط المفرط لجهاز التحسس أو للمنظومة العصبية عند الإنسان باستخدام عقار يؤدي إلى ذلك، درجة قتل الإنسان، فإذا ما تجاوز تحسس جهاز الإنسان العصبي حدوداً معينة فإنه قد يؤدي إلى إحساس الإنسان بأنه قادر على الطيران، فيجرب الطيران من شرفة شقته الواقعة على ارتفاع ستين متراً على سبيل المثال. وقد حدثت مثل هذه المآسي تحت تأثير عقار الـLSD، إذ إن توسيع قدرات وقوى التحسس الوعي عند البشر تقودهم إلى أفعال غاية في الخطورة على الذات والآخرين.
وصل الإفراط بالعناية بالأجهزة الاستخبارية في الولايات المتحدة حدوداً خطيرة أشبه ما تكون بآثار العقار أعلاه على البشر، بدليل إعلان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أنه لم يكن على علم بتنصت وكالة الأمن القومي على زعماء أوروبيين حلفاء من أمثال المستشارة الألمانية ميركل، من بين آخرين. وتبرير ذلك هو أن المعلومات من مصادر القوة الأساس. في حين تقود القدرة على إدارتها وخزنها إلى نتائج قد لا تكون بالحسبان ولا في البرامج المخطط لها أو الأغراض المستهدفة.
وها قد تصاعدت أصوات الاحتجاج من بين العديد من الفئات الاجتماعية الأميركية الشديدة الاعتزاز بالخصوصية والحرية الفردية والمحافظة على ما يسمى هناك بالـpersonal space أي الفضاء الشخصي الذي لا يسمح لك بالاقتراب من الغير أكثر مما ينبغي حتى في الطوابير العامة أو في الأسواق أو في قاعات السينما، إذ يمكن أن يؤدي اقترابك من شخص آخر أكثر مما ينبغي أن يرفع عليك ذلك الشخص دعوى كافية لإلقائك في غياهب السجن. نقول تصاعدت احتجاجات هؤلاء الحريصين على الحريات الفردية إلى أعلى مستوى ضد الاستخدام الموسع والمفرط للـ”درونات”، أي الأجهزة الطائرة بدون طيار: فبعد إعلان شركة “أمازون” Amazon أنها ستدشن “عصر الدرونات” بتطييرها لنقل البضائع إلى منازل أو مكاتب المواطنين، يتم الآن تحرير “الدرونات”، التي قتلت العديد من قيادات القاعدة، من استخداماتها العسكرية في سبيل تطويل وظائفها المعلوماتية.
إن معضلة انفلات قدرات الأجهزة الاستخبارية من سيطرة الإدارة، إدارتها أي الإدارة الأميركية عامة، غدت معضلة مرعبة بعد إعلان عضوة لجنة الاستخبارات في الكونجرس عن اكتشاف تجسس الـCIA وكالة المخابرات المركزية الأميركية على أعضاء الكونجرس، على الرغم من أن الكونجرس يعد واحداً من اقوى السلطات في الولايات المتحدة الأميركية. إذا كانت وكالة المخابرات المركزية لا تمانع من بث لوامسها وقرون الاستشعار الاستخباري حتى إلى اتصالات أعضاء الكونجرس وأجهزة الحواسيب والهواتف الخاصة بهم، فما الذي بقي من واحد من أهم مقدسات النظام الأميركي، اي فصل السلطات: بمعنى أن وكالة المخابرات المركزية هي جزء من السلطة التنفيذية التي يتوجب أن تكون تحت سطوة السلطة التشريعية، الكونجرس، إن الحال المضنية هناك أشبه ما تكون بفشل النوع البشري بالسيطرة على العلم وتقنينه للأهداف البناءة، إذ يتمرد العلم ليستعبد الإنسان بدلاً عن العكس.
وهكذا، يتطور خوف هاجسي من أن الإفراط في تضخيم الأجهزة الاستخبارية يمكن أن يقود إلى تمردها، بمعنى “انقلابها” على الإدارة والأخذ بزمام الأمور درجة قيامها بإدارة الإدارة، كما يربي الإنسان وحشاً حتى يكبر فيلتهم من ربّاه. إذا لم يمانع مدير المخابرات المركزية الذي لم يتسنم هذا المنصب الخطير إلا بعد موافقة الكونجرس، من التجسس على أعضاء هذه الهيئة التي عينته، فلم لا ينقلب على الرئيس الذي سبق أن سماه لهذه الوظيفة؟ إنه لسؤال مضنِ بحق.

إلى الأعلى