الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإيجابية .. سبيلنا لمواجهة التحديات (2 ـ 2)

الإيجابية .. سبيلنا لمواجهة التحديات (2 ـ 2)

أمثلة الإيجابية في القرآن:
أولاً ـ قصة مؤمن القرية: قال الله عز وجل:(وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (يس ـ 20)، (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) لم يمنعه بُعد المكان أن يأتي ليبلغ دعوته، وينشر معتقده، فقد جاء من أقصا المدينة! والغالب أن من يسكن أقصى المدينة هم ضعفاء الناس وفقراؤهم ولم يمنعه ذلك من اتيان قومه لدعوتهم ونصحهم.
(رَجُلٌ) ورجل هنا نكرة أي أنه من عامة الناس وليس من وجهائهم.
(يَسْعَى) ولم يأتِ ماشياً! فإن ما قام في قلبه من الهمة العالية والرغبة، في نقل ما عنده للآخرين، حمله على أن يسعى.
(قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) فلم يكتف بوجود ثلاثة رسل وإنما جاء بنفسه ليدعو قومه ويرغبهم في اتباع المرسلين، ثم يبين دليل صدق أنبيائهم (اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ) (يس ـ 21)، ثم يسوق الحجج العقلية، فيقول:(وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ. إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ. إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) (يس 22 ـ 25).
هذا مثال لمؤمن حمله إيمانه الحق الصادق، على أن يجهر بدعوته، صريحة، واضحة، بين الناس. ونادى بملء فيه:(إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) فقتله قومه. والقصة لم تنتهِ عند هذا الحد! قتل الرجل وبشرته الملائكة بالجنة (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس ـ 26).
سبحان الله! حتى بعد الموت، والفوز بالجنة، لا يزال في قلبه الشعور بالرغبة في العطاء، والنصح للآخرين. ولم يشمت بهم، وإنما تمنى أن يعلم قومه بعاقبته، لعل ذلك يحملهم على أن يقبلوا نصحه.
قال ابن عباس:(نصح قومه في حياته بقوله:(يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)، وبعد مماته في قوله:(يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).
ثانيا ـ إيجابية نملة: يقول تعالى:(حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (النمل ـ 18) ، سليمان نبي الله هو وجيشه يمشون في الطريق وأمامهم مجموعة من النمل يسعون لطلب الرزق .. تحملت نملة واحدة مسؤولية الإنذار والتحذير وصاحت في النمل (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ) واعتذرت عن سليمان وجنوده فقالت:(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، (قَالَتْ نَمْلَةٌ) نملة نكرة ليست معرفة! ومن ثم فأي واحد منا يتحمل المسؤولية يكون موضع تقدير واحترام لأنه يصبح إيجابياً .. وأحسب أن سورة النمل .. ما سميت بهذا الاسم إلا تقديراً للنملة ودورها في إنقاذ أمتها وايجابيتها.
ثالثاً ـ قصة الهدهد: يقول تعالى:(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) (النمل 20 ـ 21)، فسيدنا سليمان يجمع كل صفات القائد العظيم: 1 ـ يتفقد الجيش كل يوم، 2 ـ حينما لم يجد الهدهد لم يتسرع في اتهامه، بل سأل هل هو حاضر أم غائب؟ فربما كان موجودًا في مكان ما بين أفراد الجيش ولم يره سيدنا سليمان، 3 ـ الحزم: فقد هدد بعقاب الهدهد، 4 ـ العدل: فقد طلب أن يأتيه الهدهد بسبب غيابه، حتى لا يوقع به العقاب، 5 ـ الإنصات: منح الفرصة للهدهد للدفاع عن نفسه.
وجاء الهدهد من سبأ بنبأ يقين، سمع الهدهد بأن قومًا يعبدون الشمس، بمملكة سبأ باليمن، وهو في فلسطين، أي على بعد مسافة كبيرة من اليمن، فطار إلى اليمن يتفقدهم، حتى أنه ذهب إلى عرش الملكة وعاد بالأخبار، ليصبح سببًا في هداية أمة.
إن الآفة التي أصابت الأمة حتى العقلاء الفاهمين منها هي آفة أنه واقف إلى أن يؤمر، سلبيٌ إلى أن يُحرَّك، ينتظر مَن يقول له افعل أو لا تفعل، وفي هذا كأنما احتقر عظيمًا وهبه الله إياه، فعطَّل في نفسه الذاتية، والإيجابية، والتفكير في مصير الأمة، وعطل في نفسه معنى المشاركة، واحتقر في نفسه أن يصلح ما يستطيع إصلاحه دون أن يأتيه أمر بإصلاحه، وهذه الآفة التي يقع فيها كثير من الناس حتى الملتزمون والعاملون في المجال الدعوي لله تبارك وتعالى هي التي أصابت العمل الإسلامي بنوع من الفتور في كثير من الأحيان.
هذه هي الذاتية التي استشعرها الهدهد، فلم ينتظر إذنًا من أحد وقام غِيرةً على دين الله، قام لكي ينظر أين دين الله في هؤلاء الناس.
* الايجابية في سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)
حض الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الاختلاط بالناس، وحضور جمعهم ومجالس الذكر وزيارة المريض وحضور الجنائز ومؤاساة المحتاج وإرشاد الجاهل.
واهتم الرسول (صلى الله عليه وسلم )بالمواقف الايجابية والأخلاق النبيلة التي كان يتمتع بها غير المسلمين في عصره وإشادته بها ودعوته إلى الأخذ بها مع التأكيد على أن من الضروري أن يشترك المسلم بالعمل الايجابي من أي جهة أتى بل ويبادر إلى ذلك، مثل حلف الفضول الذي اهتم بنصرة المظلومين والفقراء، وقال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت).
والسعي في نفع الناس جميعًا كان ملازمًا للنبي (صلى الله عليه وسلم) حتى قبل البعثة، فقد استدلت خديجة على أن ما حصل في غار حراء لا يمكن أن يكون شرًا للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت له:(كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتكسب المعدوم، وتَقْري الضيف، وتعين على نوائب الحق).
ومعنى (تحمل الكَلَّ) يدخل في هذا الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك وهو من الكلال وهو الإعياء، أما قولها (وتكسب المعدوم) تكسب غيرك المال المعدوم أو تعطيه إياه تبرعا. (تَقْري الضيف) تكرمه يقال للطعام المقدم للضيف قِراً. (وتعين على نوائب الحق) جمع نائبة وهي الحادثة ما يحدث في الناس من المصائب.
وكما في قصة مساعدة النبي (صلى الله عليه وسلم) لبدوي من الأعراب غير مسلم ليسترجع دَيْنا له من أبي جهل رأس الكفر، فلم يمنع عدم إسلام الطرفين من بذل الجهد في عمل إيجابي.
قدم رجل من أراش (اسم قبيلة) بإبل له بمكة، فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها (تأخر متعمدًا)، فأقبل الأراشي حتى وقف على ناد من قريش، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ناحية المسجد جالس، فقال:(يا معشر قريش، من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام فإني رجل غريب، ابن سبيل، وقد غلبني على حقي)، قال: فقال له أهل ذلك المجلس:(أترى ذلك الرجل الجالس لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهم يهزؤون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة ـ اذهب إليه فإنه يؤديك عليه).
فأقبل الأراشي حتى وقف على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: (يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، وأنا رجل غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه، فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه يرحمك الله) قال:(انطلق إليه) وقام معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: “اتبعه فانظر ماذا يصنع) قال: وخرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال:(من هذا؟) فقال: “محمد فاخرج إلي)، فخرج إليه وما في وجهه من رائحة، قد انتقع لونه، فقال:(أعط هذا الرجل حقه)، قال:(نعم، لا تبرح حتى أعطيه الذي له)، قال: فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه. ثم انصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقال للأراشي:(الحق بشأنك).
فأقبل الأراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال:(جزاه الله خيراً فقد والله أخذ لي حقي)، قال: وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا:(ويحك ماذا رأيت؟) قال:(عجباً من العجب، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج إليه وما معه روحه، فقال له: أعطِ هذا حقه، فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فخرج إليه بحقه، فأعطاه إياه).
قال: ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا:(ويلك مالك والله ما رأينا مثل ما صنعت قط)، قال:(ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب عليّ بابي وسمعت صوته، فملئت منه رعبًا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلًا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني).
ولا ننسى حديث (كل معروف صدقة) الذي يعني أن لدى الإنسان أشياء كثيرة يمكن أن يقدمها للناس ولنفسه كالصدقة والابتسامة وإماطة الأذى عن الطريق وكف الأذى والتسبيح والتهليل، كما أن الأحاديث النبوية تحثنا على هذه القيمة العظيمة، فيقول (صلى الله عليه وسلم):(إذَا قَامَتْ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا) ـ (صححه الألباني).
(فَسِيلَةٌ) أي: نخلة صغيرة، (فإن استطاع أن لا يقوم) من محله أي: الذي هو جالس فيه، (حتى يغرسها فليغرسها) مبالغة في الحث على فعل الخير كغرس الأشجار فكما غرس لك غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع وإن لم يبق من الدنيا إلا القليل.
وحكي أن كسرى خرج يوماً يتصيد فوجد شيخاً كبيراً يغرس شجر الزيتون فوقف عليه وقال له:(يا هذا أنت شيخ هرم والزيتون لا يثمر إلا بعد ثلاثين سنة فلم تغرسه؟) فقال:(أيها الملك زرع لنا من قبلنا فأكلنا فنحن نزرع لمن بعدنا فيأكل)، فقال له كسرى: (زه) وكانت عادة ملوك الفرس إذا قال الملك منهم هذه اللفظة أعطى ألف دينار فأعطاها الرجل. فقال له:(أيها الملك شجر الزيتون لا يثمر إلا في نحو ثلاثين سنة وهذه الزيتونة قد أثمرت في وقت غراسها)، فقال كسرى: (زه) فأعطى ألف دينار. فقال له:(أيها الملك شجر الزيتون لا يثمر إلا في العام مرة وهذه قد أثمرت في وقت واحد مرتين)، فقال له: (زه) فأعطى ألف دينار أخرى، وساق جواده مسرعاً وقال:(إن أطلنا الوقوف عنده نفد ما في خزائننا).
* طريقنا إلى الإيجابية
وهناك الكثير من العوامل التي تساعد على تنمية (الإيجابية)، وروح المبادرة داخل النفوس، والتي تساهم بصورة كبيرة في خلق شخصية إيجابية مِقْدَامَة، وهذه العوامل كالتالي:
1 ـ الوعي والمعرفة: فالمتابعة الدائمة للمجالات المختلفة تساعد الفرد على استكشاف أبعاد كثيرة من الممكن أن تكون غائبة عنه، فيساعده هذا الوعي على استكشاف فرص جديدة، ومنافذ تكون في كثير من الأحيان مبهمةً له، مما يساعده على اقتحامها.
2 ـ الثقة بالنفس: الكثير منا يُضَيِّع على نفسه فرصًا للانطلاق وفعل الخير، سواء كان هذا الخير لنفسه أو للغير، نتيجة لتشككهم في قدراتهم وتقليلاً من شأنهم الإيجابي عكس ذلك، فثقته بنفسه تدفعه دائمًا لاقتحام العوائق، وتخطي الصِّعاب.
3 ـ القابلية للاقتحام والمغامرة: دون اندفاع وتهوّر، مع تقدير الأمور بمقاديرها، وهذه الرغبة في الاقتحام والمغامرة تدفع الفرد إلى اكتشاف آفاق جديدة للحياة، وتساهم في إنماء حصيلةِ الفرد من الحلول، فلا يقف عند عائق متعثرًا ساخطًا؛ ولكنه يمتلك حلولاً بديلةً، نتيجة لاحتكاكه المستمر، وخوضِه الكثير من المغامرات التي أثقلت التجربة لديه.
نسأل الله أن يوفقنا لمراضيه وأن يجنبنا مناهيه وأن يجعل مستقبل حالنا خيرا من ماضيه .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أحمد محمد خشبه
إمام وخطيب جامع ذو النورين بالغبرة الشمالية
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى