الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مكاشفة عن مكارثية عربية!!

مكاشفة عن مكارثية عربية!!

عادل سعد

”لقد اكتشفت من خلال متابعتي المتواضعة للأحداث الجارية أكثر من (جو مكارثي) واحد في المشهد العراقي داخل المكونات السياسية الكبيرة من الذين لا يملَون من الادعاء أنهم الأولى بإدارة شؤون العراق، وأنهم وطنيون بدون أي شكوك، مع أنهم يروجون لسياسة التقطيع الجغرافي تحت عناوين هذا لك وهذا لي”

هل يمكن أن نتبين نسخة مماثلة للمكارثية في الأوضاع السياسية العربية ضمن أكثر من بلد واحد، يبدو الوضع هكذا إذا أخذنا بحقيقة أن المكارثية التي نشطت واشتهرت في الولايات المتحدة الأميركية وكان لها الكثير من جولات العنف الإعلامي وتصنيع أشباح وضحايا بين عامي 1951 و1954.
لقد أخذت تلك المكارثية فرصتها من التشهير والتسقيط، وادعاء القدرة على حماية من يوالونها، وتخوين الآخرين والتلاعب بالمعلومات السرية على وفق الأهواء، مع أن (آفة الرأي الهوى) والعمل بموجب عدوانية تقوم على التأجيج وملاحقة الخصوم واستدعاء كل عنف التاريخ والأصولية في استخدام الظلم والأخطاء بأساليب غوغائية لتمرير النزعة التي (تميز بها) عضو الكونجرس الأميركي السناتور جو مكارثي خلال السنوات الأربع المشار إليها.
يمكن القول إن النسخة العربية من هذه المكارثية جاءت وما زالت مستمرة بأوعية تستمد سطوتها من طروحات طائفية ومناطقية ولصوصية سياسية، هدفها الاستيلاء على المشهد العام بزعم أنها تحمل الحل الجذري للمشاكل التي تعصف في هذا البلد العربي أو ذاك.
في هذه الأجواء هناك عدة نسخ من المكارثية في العراق وسوريا ولبنان وليبيا، وكذلك في بلدان عربية أخرى، ولكن بمستوى أقل لأن نسخ المكارثية التي أشرنا إليها في الدول العربية الأربع هي أكثر عنفوانا وأشد وحشية ضمن محاولات متواصلة من النشاط السياسي الذي يهدف إلى الإفلات من الحقيقة لصالح الفوضى والتشكيك وادعاء العصمة السياسية، والتسلح بالحماقة والمفاخرة والسخرية اللاذعة وفرض الأجندة الطارئة على الحياة في تلك البلدان.
لقد اكتشفت من خلال متابعتي المتواضعة للأحداث الجارية أكثر من (جو مكارثي) واحد في المشهد العراقي داخل المكونات السياسية الكبيرة من الذين لا يملَون من الادعاء أنهم الأولى بإدارة شؤون العراق، وأنهم وطنيون بدون أي شكوك، مع أنهم يروجون لسياسة التقطيع الجغرافي تحت عناوين هذا لك وهذا لي, كما وجدت من خلال متابعتي لهذا النوع من الشخصيات نماذج في المعارضة السورية التي تنعم سكنًا وراحة هي وعوائلها في منتجعات آمنة، ويصرون على المساومة وادعاء حماية السوريين دون أن يقدموا دليلًا واحدًا على أنهم سيعودون إلى سوريا وينخرطون بعملية السلام المنشودة, فهم في كل الأحوال يريدون البقاء تحت الأضواء والبحث عن القصص المثيرة، والتمتع بامتيازات الوجاهة على حساب الدم السوري، والاستعراض تحت أضواء الفضائيات التلفازية، ولنا أيضًا بنسخ من المكارثية التي تنشط الآن في المشهد الدموي الليبي من فوق الطاولات وتحتها, وهي تواصل (مشروعها) في جعل هذا البلد العربي الكبير بمساحته، الصغير بعدد نفوسه دولة فاشلة بكل المقاييس.
ويحضرني هنا أن أشير أيضًا إلى أكثر من مكارثي واحد يحاول أن يجد فرصته وسط غبار الأحداث السياسية التونسية واليمنية، وقد يظهرون بعد ذلك إذا دخل هذان البلدان مجالات حاسمة في مرحلة قادمة قد تكون بعض الأطراف مستعدة لخوضها بالمكشوف.
إن مفهوم المكارثية العربية ضمن التأويل الذي أشرت له، تحكمه مناخات الصفقة بكل ما تحمله من تجاذبات وأخذ ورد وحسابات ربح وخسارة على سياق ما قاله روجور داوسون صاخب كتاب (التفاوض الفعال) المروج لمهارات تقوم على رفع مستوى المطالب إلى أكثر ما تتوقع، وأن تكون بائعًا ومشتريًا في آن واحد لجذب الطرف الآخر إلى الفخ، ولا شك أن ذلك هو أحد المطبات الخطرة في المشهد السياسي العربي عمومًا.
الخلاصة, إننا في الوطن العربي نستطيع أن نواجه هذا النوع من المكارثية إذا توافر حد أدنى من الشجاعة في التصدي لها, وحين يتوافر حد واضح من المكاشفة وامتلاك الحقائق والابتعاد عن المناورات وعدم المواربة في فتح الأبواب, وأن تكون هناك محاسبة قضائية عادلة لضمان الحقوق المشروعة فحسب.

إلى الأعلى