الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التبرع بالأعضاء في المجامع الفقهية (2 ـ 4)
التبرع بالأعضاء في المجامع الفقهية (2 ـ 4)

التبرع بالأعضاء في المجامع الفقهية (2 ـ 4)

قراءة في ندوة:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
أجمع الفقهاء على حرمة قطع شيء من جسد إنسان حيٍّ معصوم الدم بقصد الانتفاع به لصالح إنسان آخر مضطر إلى ذلك العضو

لا يملك أحد أن يتنازل عن حياته أو جزءٍ من بدنه أو يمنحه لغيره، إلا أن يكون تضحية في سبيل الله، واستشهاداً في الدفاع عن الدين والحرمات

جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(التبرع بالأعضاء في المجامع الفقهية) .. للأستاذ الدكتور مصطفى باجو ـ من جامعة غرداية بالجزائر.
ثانياً ـ تشخيص الحالة (التصور الدقيق): قضايا الطب الحديث تحتاج إلى معرفة بأصول علم الطب وقواعده، فضلا عن الحاجة إلى أساسيات علم التشريح ووظائف الأعضاء، وموضوع زرع الأعضاء يلزم فيه معرفة أساسياته وبعض محدداته، ويتم التبرع من متبرع بالأعضاء لتغرس في جسم مستقبل، حتى يقوم العضو المغروس مقام العضو العاطل أو النسيج التالف.
وقال: وللعلم فإن زرع الأعضاء تحكمه قواعد تقنية واحدة بجميع صوره، ولنجاحه شروط تقنية تتعلق بالحالة الصحية للطرفين، وحالة الجزء المزروع، ولا علاقة للجانب الطبي بالدافع إلى التبرع أو الصورة القانونية التي تم بها، أكان تبرعاً أم بيعاً، أم معاوضة أم غير ذلك، وقد يكون المتبرع حيّاً، وذلك في الأعضاء المزدوجة أو التي يمكن تعويضها، مثل الدم ونخاع العظام والجلد. وقد يكون ميتًا، ولكن يشترط أن تؤخذ أعضاؤه في حالة جيدة من التروية، قبل توقف القلب عن ضخ الدم.
مؤكداً بقوله: كما أن ثمة أعضاء يتعذر زرعها ابتداءً، مثل: المخ والجهاز العصبي، إذ لا يمكن أن يتم التبرع بهذه الأعضاء قبل وفاة المريض لتعلق حياته بها، ولكنها من جهة أخرى سريعة التلف، إذ تتحلل بمجرد وفاة صاحبها، وعليه، فلا مجال للحديث عن التبرع بها، ومع هذا فقد وجدنا بعض الفقهاء يقررون جواز نقل المخ وأجزاء من الجهاز العصبي من ميت إلى حي، بعد تحقق موته الطبي والشرعي. والواقع أن الدماغ بأقسامه المختلفة لا يمكنها الاستمرار في الحياة إذا انقطعت عنها التروية لأكثر من أربع دقائق، بينما يقتضي التأكد من موت الإنسان زمنا أطول.
يقول الدكتور فرفور:(بقيت لدينا مشكلة ثانية: وهي أخذ المخ أو شيء من الجملة العصبية من إنسان بعد موته مباشرة وبعد تيقّن موته بالطب الحديث وقبل فساد هذه الأجهزة في جسم الميت، فهل يجوز هذا النقل بالطب الحديث ووسائله لإنسان محتاج إليها؟ يبدو لي أن هذا أمر جائز بشروط)، ثم عدّد هذه الشروط، وهي بالغة الأهمية في ضبط عملية النقل، ولكن أصل المسألة غير ممكن ابتداءً فلا محل للحكم أو إيراد شروطه حينئذ.
وجاء في بحث البوطي قوله:(إن الطب بلغ اليوم شأواً بعيداً، بالنسبة إلى ما كان عليه بالأمس، فقد تجاوز مرحلة تثبيت أنف أو أنملة أو سن اصطناعي، أو وَصْل الجسم بعظم إنسان أو حيوان آخر، تجاوزه إلى زرع كِلية مكان أخرى، وتركيب قلب مكان قلب آخر، وإلى استبدال عين سليمة بأخرى تالفة).
موضحاً بقوله أن الحال أن الطب لم يصل إلى زرع عين كاملة مكان أخرى، بل نجح في زرع القرنية والعدسة، وهو يحاول لإصلاح خلل الشبكية بتجارب الخلايا الجذعية، وتركيب كاميرات معقدة لالتقاط صور وإرسالها على شكل موجات ضوئية يتجاوب معها العصب البصري، ومشوار التقدم لا يزال مفتوحاً أمام العلماء في هذا المضمار، ومن النماذج لهذا التناول، ما جاء في أحد البحوث أن: الأعضاء التي يجري نقلها تنقسم إلى: أعضاء ضرورية لبقاء الحياة، وهي واحدة كالقلب، وأعضاء ثنائية وهي ضرورية لبقاء الحياة؛ كالرئتين والكليتين، وأعضاء ثنائية وهي غير ضرورية لبقاء الحياة؛ كاليدين والرجلين والعينين، وأعضاء منتشرة في الجسم؛ كالجلد، وهي الأنسجة، أما الأعضاء المفردة الضرورية فلا يجوز انتزاعها من صاحبها ما دامت الحياة سارية فيه وإن وصل إلى حالة الاحتضار، لأن وقت خروج الروح منه لا يعلم يقينا. كما أن المنقول إليه وإن كان ظاهر السلامة إلا أنه لا يُعلم هل تَسبق وفاته وفاة المحتضر أو تتأخر عنه؟ إلا أنه نظراً إلى التقدم العلمي فإنه أصبح من الممكن أن يموت صاحب العضو حقيقة ويبقى العضو حيا يؤدي وظائفه.
وقال: ونظراً لمحدودية التصور الدقيق لبعض هذه القضايا من الناحية الفعلية، فقد اتجهت عناية البحث الفقهي إلى تقديم التصور النظري لها، وهو تقديم يعمد أحياناً إلى افتراض الوقوع ويعرّج مباشرة إلى بيان الحكم الشرعي بناء على ما لديه من أدلة وقواعد لتأصيل هذا الاجتهاد، ولكنه لا يملك معرفة محيطة بحقيقة هذا النقل من الناحية الطبية.
وقال: وثمة بحوث فقهية عنيت برسم موضوع غرس الأعضاء وتفصيل صوره الظاهرية بشكلٍ وافٍ، بينما تركت بعض البحوث هامشاً من الاحتياط في الحكم في هذه المسائل، مع الحرص المشترك لدى الجميع على استشارة أهل الاختصاص للإفادة من خبرتهم بهذه القضايا، بناء على القاعدة الذهبية: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وفي بعض الحالات يتم الحسم، ويبنى الحكم الفقهي على تصور غير مطابق لأهل الاختصاص، وهو ما يمكن تصنيفه ضمن خانة الفقه الافتراضي، ومن ذلك إفتاء بعض الفقهاء بمنع غرس الأعضاء أصلاً، بناء على محدودية نجاح هذه العمليات الجراحية، فتكون إلقاءً بالنفس إلى التهلكة، وتأصيل الحكم بقوله:(وأما من جهة زرع العضو في جسم المريض، فهو علاج بحقٍّ مغتصب، وهو محرم على الشخص المعالَج، ما دام هذا العضو في جسمه، وعلى الطبيب المعالِج، ونتيجة العلاج ونفعه ما زال موهوما عند الأطباء، لا يقينا ولا غالبا على الظن، فلا تُهدَّد حياةٌ متيقنة بعمل موهوم).
ويضيف قائلا:(الظاهر أن الطب إلى الآن لم يجزم أو يغلب على ظنه فائدة زرع جميع الأعضاء، لأنهم يقولون إن زرع القلب ونقل الأعضاء من غير الأبوين والأخ قليل النجاح)، وهذا تصور غير دقيق، لأن التطور التقني في مضمار نجاح العمليات الجراحية، بلغ درجة مذهلة، جعلته في حكم الظن الغالب الذي يقرب من اليقين في كثير من الأحايين.
ثالثا ـ التأصيل الشرعي (منهج الاجتهاد):
وقال: عالجت البحوث الفقهية موضوع التبرع بالأعضاء بأشكال مختلفة، منها ما عمد إلى الرجوع إلى مقدماته وأصوله، ومنها ما عجّل بالتناول المباشر لمسائله التفصيلية، وكانت عمدةُ التأصيل تفعيلَ قواعد الاجتهاد، وبيانَ ضوابط الفقه المتعلقة بالتعامل مع جسد الإنسان، وأحكام التداوي، والانتفاع بالميتة، وقواعد الملكية والإجارة والهبة في فقه المعاملات، فضلاً عن توظيف قواعد الضرورة، وتطبيقاتها لدى الفقهاء، والاسترشاد بمقاصد الشريعة، والنظر إلى المآلات، والمسلك الضابط لبحث هذه المسائل يجري (على سبيل تخريج النوازل على قواعدها، وإرجاع الفروع إلى أصولها. وإناطة الأحكام بعللها ومداركها)، ويمكن حصر تأصيل الموضوع في العناصر الآتية: حكم التداوي، والتداوي بالمحرمات، حرمة جسد الإنسان، والتصرف في جسد الإنسان، وإجارة المنافع والأبدان: الرضاع، وبيع اللبن، الإيثار، مفهومه ومجاله، والضرورة .. مفهومها وحدودها، واعتبار مقاصد الشريعة ومآلات الأفعال، وحكم التبرع بالأعضاء، وضوابط التبرع وشروطه.
ـ حكم التداوي، والتداوي بالمحرمات:
يقول الباحث حول هذا الجانب: يعود موضوع التبرع بالأعضاء إلى أصله المتمثل في حكم التداوي في الإسلام. وقد رسمت بحوث الفقهاء طريقه باعتماد قول الجمهور، وهو أن التداوي من الأمراض جائز، بل مطلوب شرعاً، كما أشارت هذه البحوث إلى وجود رأي شاذّ يعتبر التداوي منافيا للتوكل، والراجح رأي الجمهور أن على المكلف أن يتخذ الأسباب المشروعة للحفاظ على الصحة وقوة البدن، وبعد إقرار حكم التداوي ابتداء، يعرض الخلاف بين الفقهاء في التداوي بالمحرم، ومسائله الشائكة، وفي ذلك نقاش طويل بين العلماء، ملخصه أن التداوي بالمحرم حكمه التحريم، ولكنه رخصة عند الاضطرار، بشرط عدمِ وجود البديل. وتعيُّنِه لإنقاذ إنسان من مرض لا يحتمل، أو خطرٍ يتهدد حياته. على أن يتمّ ذلك على يد طبيب حاذق مسلم أمين، كما منع بعضُ مَن أجاز التداوي بالمحرم، التداوي بالمسكر خصوصاً، لورود نصوص تخصه بالذكر فاستثناه من الإباحة، وفي التداوي بالمحرم يعرّج الفقهاء إلى الحديث عن حكم الانتفاع بالميتة إجمالا، وحكم التداوي بها خصوصا، باعتبارها نجسا لا يجوز تملكه. وبعد الحديث عن ميتة الحيوان يتدرج البحث إلى الانتفاع بجسد الإنسان، وفي كتب الفقه وفرة من نصوص الفقهاء واجتهاداتهم حول صور الانتفاع بجزء من جسد الإنسان.
موضحاً بأن الفقهاء قد اجمعوا على حرمة قطع شيء من جسد إنسان حيٍّ معصوم الدم بقصد الانتفاع به لصالح إنسان آخر مضطر إلى ذلك العضو، وهو ما نصت عليه كتب المذاهب المختلفة، ويرى الحنفية أنه لا يصح انتفاع الإنسان المضطر بجزء من إنسان آخر محقون الدم، ولو كان في مخمصة شديدة، فإنه (لا يأكل المضطر طعام مضطر آخر ولا شيئا من بدنه)، وأكّدوا الحكم بالتحريم، ولو بإباحة من صاحبه:(وإن قال له آخر: اقطَعْ يَدِي وكُلْها، لا يحلُّ، لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار لكرامته ..)، ثم تأتي مسألة الانتفاع بميتة الإنسان، فذهب الجمهور إلى منعه كذلك، وعمدة القول بالمنع أن الانتفاع انتهاك لحرمة الآدمي، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام: (كسر عظم الميت ككسر عظم الحي).
وقال: ويتفق المالكية أيضا في منع هذا الانتفاع وعدم جوازه، وإن خالفهم ابن عبدالسلام، كما جاء في الشرح الكبير للدسوقي:(وأما الآدمي فلا يجوز تناوله..)، وفيه أيضاً:(والنص المعوّل عليه (عدم جواز أكله) أي أكل الآدمي الميت، ولو كان كافراً (لمضطر) ولو مسلما لم يجد غيره، إذ لا تنتهك حرمة آدمي لآخر .. (وصحح أكله) أي صحح ابن عبد السلام القول بجواز أكله للمضطر)، وللشافعية قول بجواز أكل ميتة الآدمي عند الاضطرار وعدمِ وجود ميتة الحيوان، وجاء في مغنى المحتاج:(وله أي للمضطر أكل آدمي ميت) إذا لم يجد ميتة غيره .. لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الميت نبيا فإنه لا يجوز الأكل منه جزما ـ كما قاله إبراهيم المروزي وأقرّه، وأما إذا كان الميت مسلما والمضطر كافرا، فإنه لا يجوز الأكل منه لشرف الإسلام، بل لنا وجه أنه لا يجوز أكل الميت المسلم. ولو كان المضطر مسلماً)، وجاء في الفتاوى الهندية: لا يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي، قيل: للنجاسة، وقيل: لكرامة الإنسان، وهو الصحيح. وأطلق الشربيني في مغني المحتاج القول بحرمة ذلك فقال:(والآدمي يحرم الانتفاع به وبسائر أجزائه، لكرامته)، ويعقب البوطي على هذه الآراء المانعة بأنها معتمدة في حال وجود بديل للعلاج، ولكن حين تتعين ميتة الآدمي ملاذا وحيدا له فيباح حينئذ الانتفاع بها للضرورة. وأنه (ينبغي أن يكون هذا الاجتهاد خاصا بالحالات التي لا يتعين فيها الآدمي دون غيره، أما عندما يتعين الآدمي ولا يقوم مقامه جزء آخر من غيره، وكان في ذلك إنقاذ لحياته أو تمتيع بعضو أصيل في جسمه، فلا نشك في أن ضرورة إنقاذ حياة الإنسان أو إعادتها إلى النهج القديم، أرجح في سلّم المصالح المعتبرة من مراعاة كرامة الإنسان بعد موته)، بينما تمسّك الدكتور فهمي أبو سنة بالمنع، ورأى (أنه لا يجوز الأخذ أصلا، إلا أن يكون شيئاً يسيراً لا تضعف بسببه الصحة، كالجلد؛ بالشروط التي ذكرناها في الدم، وذلك لأن الإنسان ما دام حيا لن يستغني في حياته العادية القوية عن أي عضو من أعضائه. وافتراض أن البعض يستطيع أن يعيش بإحدى الكليتين، أو بعد أخذ قطعة من عظمه، لا يبرر الجواز، لما يترتب عليه من الضعف لا محالة. ولأن هذا ليس حقا محضا للإنسان ليقال إن له أن يتبرع بأحد أعضائه، ويسقط ذلك الحق، لأن حياته وصحته حق للشرع أيضا، ليس له أن يسقطه حتى وإن وجدت ضرورة)، ثم يفتح مجالا للاستثناء، فيرى جواز نقل الأعضاء البشرية إذا تأكد نجاحه بنسبة 70 بالمائة على الأقل، وإلا فلا يجوز النقل من الميت إلى الحي، لأن للميت حرمته فلا ننتهكها مقابل منفعة موهومة.
.. البقية في الاسبوع القادم.
__________________________________________________________________________________________

آية
ــــــــــ
(يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الاعراف 31 ـ 33).
(صدق الله العطيم)
________________________________________________________________________________
حديث
ــــــــــــــــــــــــــ
أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(ستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة).
(مسند الامام الربيع بن حبيب)
_______________________________________________________________________________________

فتاوى وأحكام

في مراتب تغيير المنكر في حديث النبي (صلى الله عليه وسلّم):(من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، التغيير بالقلب كيف يكون تغييرا للمنكر مع أن هذا الأمر يبقى في خاصته؟
نعم لا ريب أن الناس مبتلون في هذه الحياة بما آتاهم الله تعالى من قدرات وملكات وما آتاهم من طاقات متنوعة ، فالإنسان قد يكون ذا سلطة، فلئن كان ذا سلطة فهو قادر على تغيير المنكر بيده في هذه الحالة يكون لزاماً عليه أن يغيّر هذا المنكر بيده ما دام قادراً على ذلك ولا يمكن أن يتغير بما دون ذلك.
أما إذا كان من الممكن أن يتغير بمجرد الدعوة باللسان فإنه لا يُنتقل إلى استعمال اليد إلا بعد استعمال اللسان لأن الأصل أن الإنسان يحرص على الإتيان بالأسهل فالأسهل، يبدأ بالأسهل أولاً ، فمن كان يردعه القول لا يُعدل إلى ردعه باليد، ربما كان جاهلاً وربما كان غافلاً فينبغي أن يُردع الإنسان بالقول مهما أمكن، ومع ذلك أيضاً ليس من أظهر المنكر من بداية الأمر كمن تكرر منه، فالذي يتكرر منه يُغلظ عليه القول، أما من ظهر منه بداية الأمر يُنبّه يقال له بأن هذا منكر، وهذه هي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل ـ 125)، ويقول سبحانه وتعالى:(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (فصلت ـ 34)
أما هذا الذي يتصامم ويتعامى ويتعالى بحيث إنه يُصر على فعله ويستكبر استكباراً عندئذ يغلظ له في القول.
ولئن كان هنالك من آتاه الله تبارك وتعالى التمكين والاستخلاف في هذه الأرض بأن كان متمكناً بوجه من الوجوه من تغيير هذا المنكر باليد فإن المُصر الذي يصر على باطله ولا يتراجع عنه يُغيّر باطله هذا بفعل ما كان المُغيّر قادرا ًعليه، أما من لم يكن قادراً عليه فإن انشراح صدره يُعد مشاركة في الأمر الصادر من صاحب المنكر، فمن انشرح صدره واستقرت نفسه مع كونه يرى المنكر لا ريب أنه يكون مشاركاً، ولكن إن تغيّر قلبه فإن ذلك التغيّر له أثر أولاً في نفسه هو، فهو غيّر المنكر بالنسبة إلى نفسه لأنه لم يشارك صاحب المنكر في منكره، ثم مع ذلك أيضاً هو فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى قائم بما يجب عليه لأن هذا هو منتهى ما يقدر عليه فذلك أضعف الإيمان، أضعف ما يقدر على تنفيذه من مقتضيات إيمانه بالله تعالى وباليوم الآخر فلذلك عُد هذا من تغيير المنكر.
ما استطاع أن يغيّره بيده، ولم يستطع أن يغيّره بلسانه وإنما يغيّره بقلبه بحيث ينقبض قلبه من هذا العمل الشائن القبيح ، ولا يُساير من ارتكبه فيه.
بهذا يكون بطبيعة الحال بالنسبة إلى نفسه قد غيّر المنكر، وانقباضه عن ذلك الرجل أيضاً يُعد شيئاً من التغيير للمنكر، إذ من لقي صاحب المنكر بوجه منبسط إنما لقاؤه إياه بهذه الحالة يُعدّ إقراراً له على المنكر بخلاف ما إذا لقيه بوجه عابس يُبدي من خلاله أنه غير راضٍ بصنيعه هذا.

سماحة الشيخ ماهي حدود الحرية في إطار مبادئ راسخة مثل العام قبل الخاص أو احترام الآخر؟
الحرية التي يجب تطبيقها في نفوس العباد هي أن ينزع الإنسان منزع الخير، وأن يأبا الظلم وأن يأبا الإسعلاء والإستكبار في الأرض وأن يأبا كل ما ينافي الأخلاق الفاضلة والهداية الدينية هذه هي الحرية.
فالإنسان إذا أطلقت له الحرية كما يشاء ربما تعدى جميع الحدود وربما تعدى جميع الحواجز، فعلى الإنسان أن يتقيد بأمر الله ومن ذلك عليه أن يرعى مصالح الاخرين لا مصلحته بنفسه، وأن يوازي بين هذه المصالح فيقدم المصلحة العامة على الخاصة ويراعي حقوق المجتمع بنفسه، من قوي وضعيف ومن حاكم ومحكوم ومن جميع الطبقات التي أوجدها الله سبحانه وتعالى.

هناك الحرية الفردية والحرية الجماعية (حرية الدول في غزو دول أخرى أو حرية فرد في قيام بعمل يترتب عليه ضرر) .. هل هذه حرية؟
ليس للإنسان حق أن يعتدي على حقوق الآخرين إنما يجب أن تكون هناك موازنة بين الحقوق ، فلا يغمط الفرد حقه ولا يغمط المجتمع حقه ولا تغمط الأمة حقها كل أحد من الناس يعطى حقه ويبوأ مكانه في نظام متين بحسب ما شرع الله سبحانه وتعالى.
بالنسبة إلى العدوان ليس لأي دولة الحق أن تعتدي على الآخرين فنحن نرى كيف شرع القتال في الإسلام، إنما شرع لصد العدوان وقمع الباطل وإحقاق الحق من غير تعد لحدود الله فقد قال الله تعالى (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ).

هل الابتكاريات العلمية أو بمعنى آخر التقدم التكنولوجي في الصناعات النووية المطلقة تعد حرية في إعطاء العقل حرية الإختراع دون مبالاة إذا كانت هذه الصناعات غير مقيدة بشروط وتضر الإنسانية؟
كل عمل يؤدي إلى ضرر الإنسانية فهو ممنوع فالإبتكارات الصناعية التي تدمر ولا تعمر وتفسد ولاتصلح وتظلم ولا تعدل أمراً ممنوعة في الإسلام ، وإنما أمر الناس أن يتسارعوا في الخير وأن يتنافسوا فيه ، وأن يبتكروا من الصناعات ومن الإنجازات ما يحقق المصلحة البشرية وما يدعو لدفع الضرر عن البشر.

إلى الأعلى