الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خريف العرب!

خريف العرب!

جواد البشيتي

”.. إنَّ التَّحدِّي الأوَّل لنا هو أنْ نَدَع “الآخر” يُعَرِّفنا بنفسه، ويُعَرِّفنا (في الوقت نفسه) بأنفسنا، بصرف النَّظَر عن “الموضوعية”، و”منسوب الحقيقة (الموضوعية)”، في “الصُّورتَيْن (الذهنيتين)” معًا؛ فينبغي لنا ألَّا نَضْرِب صفحًا عَمَّا تَسبَّب فيه الماضي (اللعين، الأسود) من خللٍ في البصر والبصيرة، ومن تشويه ومَسْخ في الصُّورَتَيْن العَيْنِيَة والذِّهْنية؛ فهل نجرؤ على استجابة هذا التَّحَدِّي؟ وهل نحن أهلٌ له؟”

كثيرٌ من “الخريف” خالَطَ ودَاخَل حياتنا السياسية العربية، فتَعَرَّيْنا تَعَرِيَ الشَّجَر من أوراقه، وبانَ لنا، ولغيرنا، كثيرٌ من عيوبنا وعوراتنا، حتى كَرِهْنا أنفسنا؛ وكيف لنا ألاَّ نَكْرَه أنفسنا وكلُّ شيءٍ أَحْبَبْناه، ورغبنا فيه، وعِشْنا من أجله، قد مات، أو شرع يموت؟!
وأسوأ ما بَان كان سَوْء العلاقة مع “الآخر”؛ وكأنَّنا فَهِمْنا “تعارفوا” في الآية الكريمة “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”، على أنَّها “تعاركوا (وتذابحوا)”؛ و”التعارف” هو أنْ يعرف بعضنا بعضًا، لِيَعْتَرِف بعضنا ببعضٍ؛ ولطالما خَلَطْنا بين “العدو”، والذي لا بدَّ لنا من معرفته للتغلُّب عليه، وقهره، وبين “الآخر”؛ فإذا كان “الآخر” يَضُمُّ “عدوًّا (لنا)”، فإنَّ “العدو” لا يتَّسِع لِيَشْمَل “الآخر” مِنْ أوَّله إلى آخره.
ولَكَمْ أَسَأْنا فَهْم “الآخر” إذْ فَهِمْناه (أو اسْتَصْلَحْنا فهمه) على أنَّه “النَّفي التَّام (أو العدمي)” لنا؛ مع أنَّ قليلًا من التَّفَكُّر والتَّأمُّل يُبَيِّن لنا أنَّ “الآخر” هو، بمعنى ما، “نحن”؛ فإنَّ كثيرًا مِمَّا يَجْعَلنا على ما نحن عليه (من أحوال وثقافة ووعي ومشاعر وسلوك..) مُسْتَمَدٌّ من “الآخر”؛ مِنْ فِعْلنا فيه، وفِعْله فينا؛ و”الآخر” لا يَتَعَيَّن في أذهاننا وأجوبتنا إلَّا بما يجعله شبيهًا بنا، بماهيتنا وخواصِّنا وسماتنا الجوهرية؛ فـ”الآخر” يكون، في تعيينكَ له، عشيرةً إذا كنتَ عشائريًّا، وطائفةً (دينيةً) إذا كنتَ طائفيًّا، وأُمَّةً، أو شعبًا، إذا كنت قوميًّا، وطبقةً إذا كنت طبقيًّا؛ فَقُلْ لي مَنْ تكون (في ماهيتكَ) أَقُلْ لكَ مَنْ يكون “الآخر” في تعيينكَ له.
إنَّ “الآخر” في “الوطن (المُشْتَرَك بينكَ وبينه)” له ما لكَ من “حقوق”، وعليه ما عليكَ من “واجبات”؛ فهو ليس لـ”الإلغاء (والإعدام، والقتل، والذَّبْح)”، ولا لـ”الاضطهاد (والإذلال، والعَزْل، والتهميش)”؛ فنحن لن نصبح أبناءً للقرن الحادي والعشرين (بكل ما يعنيه حضاريًّا وسياسيًّا وثقافيًّا..) إلاَّ إذا اسْتَجَبْنا، وعَرَفْنا كيف نستجيب، لتَحدِّيه لنا أنْ نتعلَّم العيش المشترَك مع “الآخر”، المختَلِف عنَّا، وأنْ نَجْعَل وجوده نعمةً لنا، لا نقمةً علينا.
“الإكراه (والقهر والإرغام)” بوسائله وأساليبه المختلفة (والشرقية منها هي الأسوأ) لا يؤسِّس إلاَّ لـ “مجتمع الكراهية”؛ فالكلُّ يتبادَل الكراهية مع الكُلِّ؛ وهذا مجتمع زائفٌ (قصديريٌّ) في وحدته، وتَضامِّه، وتَراصِّه، لا يعيش إلَّا في الحرب الأهلية، وبها، أكانت مستترة أم ظاهرة؛ أقول هذا وأنا أَعْلَم أنَّ “الإكراه المُولِّد للكراهية” هو سياسة تَسْتَصْلِحها مصالح (وامتيازات) فئوية ضيِّقة؛ فلا تبحثوا عن عِلَّة هذه السياسة (أو النهج) في عقول ونفوس أربابها وأصحابها، وإنَّما في مصالحهم (وامتيازاتهم) التي هي وحدها في مقدورها أنْ تُقْنِعهم بشروق الشمس من الغرب!
وإنَّ التَّحدِّي الأوَّل لنا هو أنْ نَدَع “الآخر” يُعَرِّفنا بنفسه، ويُعَرِّفنا (في الوقت نفسه) بأنفسنا، بصرف النَّظَر عن “الموضوعية”، و”منسوب الحقيقة (الموضوعية)”، في “الصُّورتَيْن (الذهنيتين)” معًا؛ فينبغي لنا ألَّا نَضْرِب صفحًا عَمَّا تَسبَّب فيه الماضي (اللعين، الأسود) من خللٍ في البصر والبصيرة، ومن تشويه ومَسْخ في الصُّورَتَيْن العَيْنِيَة والذِّهْنية؛ فهل نجرؤ على استجابة هذا التَّحَدِّي؟ وهل نحن أهلٌ له؟
قانون “الانتخاب (الاصطفاء، الانتقاء) الطبيعي” لداروين يَفْعَل فعله حتى في المجتمعات،وبما يكفي لتحريره من كثيرٍ من القيود؛ ولقد رَأَيْنا فَعْله في “البيئة العربية (غير الطبيعية)” على مستوى العقائد والأفكار والمذاهب والاتِّجاهات والتَّيَّارات.
في عهد الحُكْم العثماني، الذي استبدَّ بالعرب قرونًا من الزمان، رَاَيْنا ولادةً للوعي (والشعور) القومي العربي؛ ولقد كان الهاشميون، في شبه الجزيرة العربية، بقيادة الشريف حسين بن علي، الذي قاد (بالتعاون والتفاهم والتنسيق مع “بريطانيا العظمى”) الثورة العربية (القومية) الكبرى، سنة 1916، الممثِّل الأبرز لهذا الوعي؛ لكن هذا الحراك القومي العربي الأقدم، والذي ضَمَّ منظمات وجمعيات وقيادات قومية عربية من خارج الهاشميين، في العراق وسوريا وفلسطين على وجه الخصوص، كان في محتواه خليطًا من القَبَليَّة والعشائرية والزَّعامة الدينية. وانتهى هذا الحراك إلى فَشَلٍ تاريخيٍّ، واستُبْدِلَت قيادات من نمط جديد بالقيادات القديمة؛ لعلَّ الموجة الثانية من الحراك القومي العربي تأتي للعرب في المشرق بالتحرُّر القومي من البريطانيين والفرنسيين، وبما يسمح بالتأسيس لدولة قومية عربية، و”تحرير فلسطين”؛ لكنَّ هذه الموجة لم تأتِ إلَّا بما أقام الدليل على أنَّ هذه القيادات القومية الجديدة لم تكن أهلًا لإنجاز مهمات قومية بهذه الأهمية التاريخية؛ فتهيَّأت الظروف والأسباب لموجة ثالثة، كانت خليطًا من “القومية الناصرية”، و”القومية الحزبية البعثية”، والمنظمات والأحزاب والتَّيَّارات اليسارية بألوانها المختلفة؛ ولقد تأثَّر هذا الحراك القومي واليساري العربي الجديد، والذي لم تكن المطالب والشعارات الديمقراطية، ولا الاتِّجاهات الإسلامية، بجزء من تكوينه السياسي والفكري، بقيام وتوطُّد التحالف بين الاتحاد السوفياتي ومصر الناصرية، التي كانت مركز الثقل في هذا الحراك، وبإنجازات وانتصارات لـ”الحركة الشيوعية العالمية”، وبالمَثَل الثوري الفيتنامي على وجه الخصوص؛ وظلَّت “القومية الناصرية” مَصْدَر طاقة لشَحْن الشعور القومي العربي من المحيط إلى الخليج، فشرعت تتبلور الهوية القومية العربية، ويَضْمُر ما دونها من هوية وانتماء، حتى وقعت الواقعة (حرب حزيران 1967) فهُزِمت “القومية الناصرية” شَرَّ هزيمة، وساد الشعور بالإحباط القومي، وبدأت مرحلة الارتداد العربي إلى الهويات والانتماءات دون القومية؛ وسرعان ما اختلط وامتزج “إفلاس القومية الناصرية (والبعثية)” بـ”إفلاس اليسارية الشيوعية” بعد، وبسبب، انهيار وتفكُّك الاتحاد السوفياتي؛ فتهيَّأت الظروف والأسباب لصعود جماعات “الإسلام السياسي”، وفي مقدمها جماعة “الإخوان المسلمين”؛ فهذا “الفراغ القيادي (السياسي والفكري) الهائل”، والذي خلَّفه “إفلاس الحركة القومية واليسارية”، ما كان ممكنًا شَغْله إلاَّ بجماعات “الإسلام السياسي”، التي ما أنْ مُكِّن لها في أرض السياسة العربية حتى شرعت تعيث فسادًا في حياتنا العامة بأوجهها كافة.
وفي موازاة هذا المَدِّ تَبَرْعَمَت في بعض الأوساط الشبابية الميول والأفكار الليبرالية والديمقراطية؛ ثمَّ ظهر النمط القيادي الأسوأ في تاريخ العرب الحديث؛ فالقادة الآن خُلِقوا على مثال العصبيات الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية والجهوية؛ فحراكهم هو بماهيته وخواصه الجوهرية يُمثِّل النَّفي التام لكل حراك عرفه العرب من قَبْل؛ وكأنَّها “الجاهلية” تعود، فتُغْلِق “الدائرة”، ليُعْلِن هذا الخليط القيادي من زعماء الطوائف والقبائل “نهاية التاريخ” عربيًّا!

إلى الأعلى