الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: الحق عائد لأصحابه مهما طال الزمن

رأي الوطن: الحق عائد لأصحابه مهما طال الزمن

رحبت الولايات المتحدة قبل أسبوعين بقدوم المتطرف بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي على طريقتها الخاصة المألوفة باعتباره رئيس حكومة حليفها الاستراتيجي في المنطقة والعالم، حيث أغدق عليه البيت الأبيض وساكنُه كرم الضيافة وعبارات الثناء والترحاب، وأمس استقبل ساكن البيت الأبيض الرئيس الأميركي باراك أوباما نظيره الفلسطيني محمود عباس على خلفية ما يتداول إعلاميًّا عن رغبة الإدارة الأميركية تحريك ملف المفاوضات الجارية ومحاولة إقناع الطرفين الفلسطيني والمحتل الإسرائيلي بتقديم تنازلات وصفها الأميركي بـ”الصعبة” والقبول تاليًا بـ”اتفاق الإطار” الذي يروج له وزير الخارجية جون كيري.
إلا أن مؤشرات اللقاءين (أوباما مع نتنياهو ثم مع عباس) وما رشح عنهما لا يرقى إلى مستوى الطموح بوجود انفراجة خاصة فيما يتعلق بالشروط الإسرائيلية الصعبة والتمسك بها، ذلك أن الدور الأميركي تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي لا يزال رهين الماضي ولا يريد أن يتطور وينتقل من السلب إلى الإيجاب، ويتخلى عن سياسة تدوير الصراع والقضية الفلسطينية في الحلقات المفرغة لا سيما حين يكون الحليف الاستراتيجي (المحتل الإسرائيلي) في مأزق استحقاقي بشأن عملية السلام، في تأكيد واضح على الابتعاد المطلق عن الحيادية والنزاهة في عملية الوساطة.
وهذا القدر المتيقن يمكن استلماحه واستنتاجه بداية من عبارات الترحيب ومن ثم المطالب الأميركية المقدمة لزائر البيت الأبيض، حيث وضح الترحيب الأميركي في الاتفاق على إرغام الجانب الفلسطيني بتمديد أمد المفاوضات الذي كان حدده جون كيري بتسعة أشهر لفترة إضافية، وذلك بابتزاز الفلسطينيين بعدم الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين الذين تعج بهم سجون الاحتلال الإسرائيلي إلا بعد أن يوافق الفلسطينيون على تمديد المفاوضات. ومن المقرر أن يفرج الاحتلال عن الأسرى في التاسع والعشرين من مارس الجاري، وقد اعتبر الرئيس عباس عملية الإفراج اختبارًا جديًّا لمصداقية كيان الاحتلال الإسرائيلي في المفاوضات. كما برز الترحيب الأميركي للمتطرف نتنياهو ولقاءاته مع اللوبي الصهيوني (أيباك وأخواتها) في تكريس عملية تدنيس المسجد الأقصى الشريف بشكل متكرر واستمرار الاستفزازات الإسرائيلية بحق المصلين والمعتكفين الفلسطينيين في المسجد الذي شهد أمس الأول عملية تدنيس قام بها وزير الاستيطان في حكومة الاحتلال الإسرائيلي المدعو يوري أرييل العضو في حزب البيت اليهودي اليميني المتطرف المؤيد للاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويهدف كيان الاحتلال الإسرائيلي من تكريس عملية التدنيس المسجد الأقصى، بالإضافة إلى تواصل هدم أساساته، إلى فرض أمر واقع جديد في المسجد بما يؤدي إلى تقسيمه بداية، وهو تدنيس واعتداء يتعارض مع القانون الدولي.
أما الترحيب الذي قوبل به الرئيس محمود عباس في البيت الأبيض فكان عبارة عن سلة ضغوط صهيوـ أميركية سميت بـ”القرارات الصعبة والإقدام على المجازفات” التي يجب أن يوفي بها الرئيس الفلسطيني؛ أي التنازل عن القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة، وعن حق عودة اللاجئين، وعن حدود عام 1967م، والموافقة على الاعتراف بما يسمى “يهودية الدولة”، وحق كيان الاحتلال الإسرائيلي الاحتفاظ بالمغتصبات في الضفة الغربية المحتلة.
وهنا يمكن ملاحظة التباين الكبير في الموقفين الأميركيين المرحبين بالحليف المتطرف نتنياهو وبممثل المغتصبة حقوقهم الرئيس محمود عباس، وكانت الإدارة الأميركية الحالية قد بدأت حقبتها في البيت الأبيض بمطلب واضح وهو وقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة كسبيل نحو تمهيد الطريق إلى مفاوضات الوضع النهائي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وربما كان هناك من لا يصدق أن تعمد الإدارة الأميركية إلى النكوص والعودة إلى عهدها القديم بممارسة مواقفها وأدوارها السلبية وتأييد الاستيطان والاحتلال بهذا الانكشاف وبهذه الصورة الممجوجة.
المشكلة أن الولايات المتحدة وحليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الإسرائيلي لا يزالان يتنكران لحقائق التاريخ ولحقوق الشعوب ويتمردان على العدالة والشرعية، ويتهربان من حقيقة “لا يضيع حق وراءه مطالب”، ويتصوران أن القوة هي كل شيء، وبالتالي يحاولان المراهنة على اختفاء جيل النكبة، ونسيان الأجيال اللاحقة لحقها. غير أن ما يجب أن تعلمه واشنطن وتل أبيب أن الشعب الفلسطيني في أحلك الظروف لم يفرط بوطنه وبقضيته العادلة، فكيف به الآن وقد استعاد شيئًا من المبادرة رغم الانقسام المؤذي للقضية، وأن الشعب الفلسطيني كله ياسر عرفات ومحمود عباس وفتحي الشقاقي وأحمد ياسين وأحمد جبريل وأحمد سعدات وكل فلسطيني وطني غيور وأمين على وطنه وقضيته. فطال الزمان أم قصر الحق عائد إلى أصحابه.

إلى الأعلى