الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / الأوضاع التعليمية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي
الأوضاع التعليمية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي

الأوضاع التعليمية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي

مقدمة: فى هذه الدراسة سيتناول الباحث الخطوات النضالية التى انتصرت على القيد بتحقيق الحد الأدنى من المتطلبات والاحتياجات، وصولاً للانتساب للجامعات الفلسطينية والعربية والدولية، وأشكال التعليم فى السجون، بدءاً ببرامج محو الأمية حتى الحصول على الدراسات العليا، وتعلم اللغات وعلى رأسها ” العبرية والإنجليزية “، وشكل الجلسات وحلقات العلم والدراسة فى القرآن والعلوم الأخرى.

” الحفلة انتهت ” هذه عبارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى أعقاب سياسة التضييق على الأسرى، التى بدأها بمنع الثانوية العامة، والانتساب للجامعة المفتوحة فى اسرائيل فى الثالث والعشرين من يونيو2001 ، الأمر الذى شكل عدواناً على المعتقلين وانتهاكاً للمادة 28 من اتفاقية جنيف الثالثة التى أكدت على تشجيع الأنشطة الذهنية والتعليمية للأسرى من قبل الدولة الحاجزة.
لا يقف الأمر على عدم التزام اسرائيل بتلك الاتفاقيات، بل تعدت ذلك بمحاربة وعرقلة تلك الجهود بمنع إدخال الكتب التعليمية بكل مراحلها، ورفضت توفير القاعات والصفوف الدراسية، وعاقبت من يقوم بالدروس والمحاضرات، ومنعت دخول الكتب المنهجية والمجلات والأبحاث والدراسات العلمية، ومنعت الالتحاق بأي مدارس أو جامعات أو مؤسسات تعليمية أو أكاديمية، ومنعت إيجاد معلمين من الأسرى الفلسطينيين للأشبال القاصرين، ومنعت الأدوات الدراسية والقرطاسيات والألواح ، وقامت بالكثير من الخطوات التى تهدف لتجهيل الأسرى وعدم الإستفادة من أوقاتهم.
وبالرغم من الظروف القاسية والمضايقات المريرة فى السجون، نجح الأسرى بإصرارهم وتضحياتهم ونضالهم المستمر، تدريجياً وبشكل تراكمىفى تحويل السجون والمعتقلات الإسرائيلية من محنة إلى منحة يستفاد منها، ومن مدافن للرجال والطاقات، وأمكنة مظلمة، إلى قلاع ثورية مشرقة، وجعلوا من سجونهم مدارس وجامعات فكرية متعددة ومتنوعة، خرجت أجيالاً متعاقبة من المتعلمين والمثقفين ومن حفظة القرآن والمبدعين.
كثيرة هى الوسائل التعليمية التى اتبعها الأسرى فى السجون تحدياً للسجان، حتى حولوا مفهوم السجن من بديل لحبل المشنقة إلى أكاديمية ثورية وفكرية وتربوية وتعليمية من خلالها يتم تكريس ثقافة الحق الفلسطينى في وجه الظلم الإسرائيلى، فى ذلك الصراع الأشد بين الجدران والزنازين، حيث يقاتل الجسد والوعى معاً، فى اشتباك فكرى يومى دفاعاً عن الأمل والبقاء والحرية، وعلى الصعيد التعليمى فهنالك مفاصل أساسية استطاع الأسرى تحقيق نجاحات ملفتة ومبدعة فيها ومنها:
/// أولاً ، محو الأمية:
اعتقل فى السجون الإسرائيلية ما يقارب من المليون من كل شرائح المجتمع الفلسطينى من حملة الشهادات العليا والمثقفين والأكاديميين والموظفين، ومنهم من طبقة الفلاحين والصيادين ومن رعاة الأغنام فى القرى النائية والبادية ممن خرجوا من المدارس فى سن مبكرة، والأطفال بعمر 14 عام وأقل، والأسيرات من ربات البيوت والقاصرات، ممن هن بحاجة للبدء معهم من المراحل الأساسية للتعليم، حتى من مرحلة محو الأمية.
ركزت للجان الثقافية فى السجون على متابعة تلك الشريحة على قلتها، وكلفت الكوادر المتعلمة ذات القدرة والكفاءة بتدريسهم من خلال جلسات جانبية، واستطاعت الحركة الأسيرة أن تقضى على هذه الظاهرة من خلال التشجيع، وأحياناً الإجبار للاعتماد على ذواتهم وتطويرها خلال سنوات الاعتقال الطويلة، وهكذا تحولت غرف السجون إلى صفوف دراسية وثقافية، فاهتم الأسرى بتحصيلهم الدراسى.
وهنالك نماذج إبداعية مرت بتلك المرحلة وكان لها الأثر الكبير فى قضية الأسرى بعد التحرر أمثال مدير عام مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة فى جامعة القدس – أبو ديس الدكتور فهد أبو الحاج الذى دخل السجون أمياً ، حتى حصل درجة الدكتوراة، وقال فى كلمته فى افتتاح مؤتمر إبداعات انتصرت على القيد فى الخامس والعشرين من العام 2011 ” زج بى أمياً خلف القضبان، لكنى وجدت فى التجربة محركاً ودافعاً لكى استثمر سنوات الاعتقال فى تطوير إمكانياتي وقدراتي، فاستكملت كل البرامج والمقررات الدراسية، لأتخرج وألتحق بالجامعة وها أنا أنجزت رسالة الدكتوراة، وأعترف لولا تجربة الاعتقال لما تسنى لى تحقيق كل ذلك، وأقف أمامكم لأعبر عن إمتنانى لكل من علمنى حرفاً أو أبدى لى مشورة أو نصيحة فى الاعتقال “.
نموذج آخر المناضلة المرحومة زكية شموط التي قامت قبل أن تُعتقل بـ 7 عمليات فدائية كبيرة كبدت اسرائيل خسائر مادية وبشرية ضخمة، من الستينات وحتى عام 1972 يوم تم اعتقالها، التى حوكمت بالمؤبد مدى الحياة وتم الافراج عنها فى تبادل 1985م ، دخلت السجن أمية ولكنها تعلمت بمساعدة رفيقاتها المناضلات فى سجن نفى تريتسا بسجن الرملة، ووصلت إلى الصف الخامس ابتدائي فى فترة وجيزة. والأمثلة كثيرة ولا حصر لها.
ثانياً، الثانوية العامة :
بدأ تقديم امتحان الثانوية العامة ” التوجيهى ” فى بعض السجون فى العام 1971 ، واشترطت حينها إدارة السجون أن يمضى الأسير أكثر من عام فى الاعتقال، ورفضت إدارة سجن عسقلان منح الموافقة لغير العاملين فى المرافق العامة لنيل الموافقة، الأمر الذى اعتبره الأسرى نوع من الابتزاز وقرروا اتخاذ موقف جماعى بمقاطعة الامتحانات، وعلى صعيد الأسيرات ربطت إدارة المعتقل بين سلوك المعتقلة وبين إعطاءها الحق فى تقديم امتحانات الثانوية العامة ووضعت العراقيل من أجل تعطيل الأمر.
ومع ذلك استطاع الأسرى والأسيرات بعد العديد من الإضرابات المفتوحة عن الطعام من انتزاع حقهم فى التعليم وفقاً للنظام التعليمى خارج السجون، ونجح الآلاف منهم وحصلوا على أكثر من شهادة للثانوية العامة في الفرعين ” العلمي والأدبي ” خلال اعتقالهم.
فى السابع عشر من مارس 2009 قررت الحكومة الإسرائيلية، فى سياق الجهود للإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، بمناقشة عدد من الاقتراحات للتضييق على الأسرى الأمنيين المسجونين فى إسرائيل، كوسيلة للضغط على حركة حماس، وتم تعيين لجنة لهذا الغرض برئاسة وزير الأمن الداخلى، ووزير الزراعة، ونائب رئيس الوزراء، على أن تقوم اللجنة بتقديم عدد من الخطوات على هذا الصعيد، كوقف الزيارات، وقف زيارة منظمة الصليب الأحمر الدولى للأسرى الفلسطينيين حتى السماح بزيارة الصليب الأحمر للجندي شاليط ، وقف تحويل الأموال لحسابات الأسرى، وتقنين المشتريات عن طريق كانتين السجن، وقف القنوات الفضائية ووسائل الترفيه، ووقف زيارة المحامين والمؤسسات الأخرى باستثناء زيارة المحامى الخاص الموكل فى القضية للأسير.
ومن إجراءات التضييق أوقفت اسرائيل المسيرة التعليمية في السجون وعلى رأسها منع الثانوية العامة، إلا أن الأطراف الثلاثة الرئيسية ( الأسرى وهيئة شؤون الأسرى والمحررين ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية) وضمن منظومة متكاملة من الخطوات والإجراءات المدروسة نجحوا في تجاوز الرفض الإسرائيلي وتخطي المعيقات الموضوعية، بما لا يتعارض والنظام التعليمي في فلسطين، فاتفقوا على نظاماً يضمن التعليم ، ومصداقية وشفافية الامتحانات برقابة مشرفين أكفاء من الأسرى فى الأقسام، عبر لجنة يتم تشكيلها من قبل قيادة الاسرى مكونة من أسرى أكاديميين يحملون شهادات عليا بكالوريوس وماجستير تقدم اسماءهم وشهاداتهم هيئة شئون الاسرى والمحررين لوزارة التربية والتعليم العالي والتي تقوم باعتمادهم كلجنة امتحانات مهمتها اعداد وتجهيز الامتحانات والتصليح والمراقبة ووضع العلامات والنتائج، وترسل النتائج عبر مسؤول اللجنة داخل السجن الى هيئة شؤون الاسرى والمحررين والتي بدورها ترسل النتائج الى التربية والتعليم للمصادقة عليها واعتمادها، وبموجب هذا الاتفاق تم تقديم امتحانات الثانوية العامة فى السجون التى توافر فيها المشرفون للعام 2014، حيث من تقدم للامتحانات 1200 طالب أسير، نجح منهم 411 طالب أسير ، و321 أسير لم تنطبق عليهم الشروط التى وضعتها وزارة التربية والتعليم، والباقى لم يحالفه الحظ بالنجاح وفق هيئة شؤون الأسرى، و فى العام 2015 تقدم للامتحانات (962) طالب أسير نجح منهم (665) ، من ضمنهم 30 أسيراً من أصل 58 من أسرى قطاع غزة، وبهذا لم تتوقف المسيرة التعليمية في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود وبقيت مستمرة رغم أنف السجان.
/// ثالثاً : الجامعات:
تطلع الأسرى بالكثير من الشغف والطموح لتحقيق مطلب الانتساب والتعليم فى الجامعات، والحصول على شهادات تنفعهم بعد تحررهم، وتكون مادة لتحدى السجان للاستفادة من سني اعتقالهم بالنافع المفيد، وكانوا على استعداد للدخول فى أكثر المعارك شراسة مع المحتل ولو كلفهم الأمر ما كلف من أجل تحقيق هذا الطموح، وكانت المعركة الأقوى مع الاحتلال بخطوة الاضراب المفتوح عن الطعام فى 27/9/1992 ، والتى استغلها الأسرى لطرح قضية التعليم الجامعى والانتساب للجامعات الفلسطينية والعربية والدولية، وفى نهاية المطاف وبعد رفض قاطع من قبل إدارة السجون لمبررات واهية تتعلق بالكيفية فى تنظيم الأمر، والمناهج الدراسية التحريضية من وجهة نظرهم، كان هنالك حل وسط بالسماح للأسرى الانتساب إلى الجامعة المفتوحة فى اسرائيل باللغة العبرية.

1- الجامعة المفتوحة فى اسرائيل :
اعتبر الأسرى طرح الالتحاق بالجامعة المفتوحة فى اسرائيل بمثابة الشرط التعجيزي لعدة أسباب منها: الدراسة باللغة العبرية بشكل كامل، وتكاليف الدراسة العالية وكيفية تأمينها، بالإضافة لرفضهم المطلق للتعامل مع المؤسسات الاسرائيلية كمؤسسات عدو، ومع هذا أصر الأسرى على مواصلة مسيرتهم التعليمية بعد المشاورة مع كل القيادات داخل السجون وخارجها، كونه الخيار الوحيد أمامهم.
وبدأ العشرات من الأسرى بتعلم اللغة العبرية، والإنتساب للجامعة التى تعارف عليها الأسرى باسم ” الجامعة العبرية “، وحقق الكثيرون أعلى الدرجات، وحصل الباحث من هذه الجامعة على شهادة امتياز لعام 2001 ، وتخرج بنسبة 84% فى العام 2004 قبل الإفراج عنه.
ويرى الباحث أن التعلم فى الجامعة المفتوحة فى إسرائيل كان له الكثير من الايجابيات، منها: دفع الأسرى جماعات لتعلم اللغة العبرية كشرط بداية، والإنجليزية كشرط نهاية، وملأ الأسرى المنتسبين أوقاتهم فى الدراسة للحصول على شهادات البكالوريوس والماجستير، واستطاع ما يزيد عن المئة خريج قبل المنع أن يحصلوا على شهادات قامت بتصديقها ومعادلتها وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطيني بالتعاون مع هيئة شؤون الأسرى والمحررين، بموجب اتفاق فى العام 2010 ، واستطاع أولئك الأسرى بعد تحررهم أن يتحولوا إلى خبراء فى الشأن الاسرائيلى، ومنهم من أبدع فى الكتابة والتحليل والترجمة بشهادات معتمدة من وزارة العدل، وعدد منهم أسس مراكز أبحاث مختصة بالشأن الاسرائيلى كمركز أطلس ونفحة والأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية وغيرها، ومنهم من تبوأ مراكز وظيفية عليا كالباحث الذى شغل مستشاراً لوزير شؤون الأسرى والمحررين فى الشأن الإسرائيلى بدرجة مدير عام ، وقدم برنامجاً إذاعياً لمدة عشر سنوات متتالية على إذاعتى القدس والأسرى من غزة باسم المشهد الآخر، وبرنامج تلفزيونى على فضائية هنا القدس باسم ” اسرائيل من الداخل “، وغيره كثر، واستطاع الأسرى من خلال تعمقهم فى دراسة المجتمع الإسرائيلى أن يقرأوا أوضاع إسرائيل العسكرية والسياسية والاقتصادية والأوضاع الاجتماعية.
ويسجل الباحث تجربته فى اختيار بحث التخرج الذى أثار جدلاً مع ضابط القسم، كونه أثبت صحة موقف تمرد الطيارين الإسرائيليين على القرارات العسكرية الإسرائيلية فى أعقاب استشهاد 16 طفل فلسطينىفى عملية استهداف الأسير المحرر الشهيد صلاح شحادة بقطاع غزة، ورغم استهجان الإدارة لانتقاء الموضوع إلا أن الباحث أصر على اختياره، ونجح وتخرج به.
لم يرق لأجهزة الأمن هذا الحال بعد انقلاب السحر على الساحر، لأن الأسرى أبدعوا فى دراستهم، وحصلوا علامات عالية فاقت علامات السجانين اللذين كانوا يدرسون معهم فى نفس الجامعة، فبدأت إدارة السجون الإسرائيلية فى العام 2006م بوضع العقبات والعراقيل فى وجه هذا المشروع للتنصل منه ” كمنع الأسرى الجدد من مبدأ الانتساب للجامعات بشكل مزاجى، وعقاب الطالب الجامعي الأسير بالانقطاع عن التعليم عند أي مبرر.
وحددت عدد الأسرى الممكن انتسابهم للجامعة في كل سجن، وعدم انتساب أسير جديد حتى يتم تخرج أسير، ومنع الطلبة الأسرى من التعليم في تخصصات معينة كالعلوم ومن كورسات كالثورات العالمية، ومنع المشرف الجامعي من لقاء الطالب الأسير إلا مرة واحدة فى الفصل ، وتم سحب الكتب ولمبة الضوء عند نقل الطالب الأسير من سجن لآخر حتى يحصل على موافقة جديدة من إدارة السجن الذي ينزل إليه، وحصر دفع الرسوم التى تكفلت بها السلطة الفلسطينية عن طريق وزارة شؤون الأسرى والمحررين برقم حساب واحد للجميع الأمر الذي أوجد حالة من الإرباك والخلل في توزيع الرسوم على الطلبة وفق الحاجة ، ومنعت إدارة السجون الأسرى من إدخال الكتب المساندة لدراستهم وإعداد أبحاث تخرجهم ”
لم تتوقف إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية عند هذا الحد من العقبات، بل أصدرت وبدعم سياسى وتحريض إعلامىإسرائيلى قراراً بمنع الأسرى من الإنتساب للجامعة المفتوحة فى إسرائيل في يونيو 2011 ، وحينما قدم الأسرى استئنافاً للمحكمة الإسرائيلية العليا ، مطالبون بالسماح لهم بالاستمرار بالتعليم الجامعي لتضررهم من المنع، كان القرار النهائى السلبى فى نيسان 2014 برفض الإستئناف، والغريب فى الأمر أن رئيس المحكمة العليا الأسبق القاضي (المتقاعد) ” آشر غرونيس” اعتبر أن الرفض والتمييز بين الأسرى الجنائيين والأسرى الأمنيين فى التعليم، لصالح الأسرى الجنائيين هو تمييز قانوني وشرعي، وانّ قرار سلطة السجون بالمنع الجارف لتعليم الأسرى الفلسطينيين المسجونين على خلفية سياسية هو قرار تناسبي ومعقول.
وفى أعقاب استمرار المنع صدر بيان فى 7/1/2013 باسم عشرات الأكاديميين من هيئة التدريس فى الجامعة المفتوحة والمؤسسات الحقوقية والتعليمية فى اسرائيل قالوا فيه ” نحن أعضاء هيئة التدريس والعاملين في الجامعة المفتوحة فى إسرائيل ، نسجل احتجاجنا على قرار المحكمة الإسرائيلية العليا برئاسة القاضى السابق أهرون براك والذى حرم الأسرى الأمنيين الفلسطينيين من ممارسة حقهم فى التعليم الجامعى كضغط على حركة حماس للإفراج عن شاليط، ومع أن شاليط تم الإفراج عنه فى صفقة 2011 ، إلا أن الخطوات التى اتخذت لأجل ذلك لازالت مستمرة رغم الإفراج عنه، نطالب بعودة التعليم للأسرى كجزء من رسالة الجامعة التى لا تضع شروطاً للانتساب لها بغض النظر عن العرق، والدين، والجنس والقومية “.
حينها لم يكن بد أمام الأسرى إلا أن يبحثوا عن البديل، كون أن التفكير فى التعليم الجامعى والحصول على الشهادات يعد من أولى أولويات الأسرى فى السجون، ولربما فاق تفكيرهم فى الطعام والشراب.
2- الجامعات الفلسطينية :
اهتم المعتقلون مبكراً بالدراسة الجامعية، وحاولوا الوصول إلى معادلة تتيح لهم فرصة الدراسة، ووافقت إدارة المعتقل على هذه الرغبة، واستعدت جامعة بئرزيت الفلسطينية بتبنى الأمر والإشراف على الانتساب، وتسلم المعتقلون طلبات امتحان القبول، ودفع بعضهم رسوم دخول الجامعة، إلا أن السلطات عادت وتراجعت عن موافقتها وطوت المسألة.
فى أعقاب رفض إدارة مصلحة السجون لفكرة الانتساب للجامعات الفلسطينية ، كونها تدرك أنه لو فتح المجال للأسرى للانتساب للجامعات العربية والفلسطينية نسبة كبيرة من الأسرى سيحولون السجن لمنحة تعليمية يتسلح بمقتضاها بالشهادات الأكاديمية التى ستمنحه الكثير من الوعى وضمان المستقبل بعد التحرر وتوفير الحياة الكريمة، فمع حرمان الأسرى من التعليم بالجامعات عموماً حتى الجامعة المفتوحة فى اسرائيل، بحث الأسرى عن بدائل سرية من غير موافقة إدارة مصلحة السجون للانتساب للجامعات الفلسطينية، وبعد الكثير من المراسلات وافقت بعض الجامعات والكليات على دراسة الأسرى شريطة ايجاد نظام داخلىفى السجون يضمن شفافية ومصداقية التعليم تحت إشراف عدد من الأسرى من حملة الشهادات العليا.
الأسير المحرر أحمد حرز الله يعتبر القفزة النوعية فى التعليم الجامعى يوم أن استطاع الأسرى إدخال المقررات الدراسية، ويوم أن حصل الأسرى على أرقامهم الجامعية، وتمتعوا بحقوق الطالب الفلسطينى خارج السجون، شعرنا بالجدية حينما خصمت العلامات عن المتغيبين فى المحاضرات، والمقصرين بدراستهم فى الامتحانات.
وصف الأسير المحرر رائد غباين العملية بالشاقة، والتى بدأت بتدريس بعض المساقات فى ” تخصصات اسلامية كالسيرة النبوية، والأحكام، والفقه ” ومنح شهادة إنهاء مساق للأسير من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بغزة، وفى العام 2008 تم منح الأسرى شهادة الدبلوم من الكلية ” تخصص خدمة اجتماعية ، وتأهيل دعاة ، ومحفظين، واشترطت الكلية للموافقة على البرنامج وجود مشرفين من الأسرى يحملون درجة البكالريوس فما فوق ، يقومون بالمحاضرات طوال الأسبوع عدا الجمعة والسبت بسبب منع زيارات الغرف ، واقتصرت الدراسة فى أقسام يتواجد بها أسرى من حركة حماس للاشراف عليه، الأمر الذى لم يلب رغبة المجموع من الفصائل الأخرى، ولكننا اعتمدنا على النسخ للكتب بسبب وجود نسخ محدودة وأعداد كثيرة من المنتسبين للبرنامج، الأمر الذى جعل الأسير ينسخ بيديه ما يقارب من الثمانية كتب من المقررات، فإذا نظرت الى الغرفة، تجد ذاك الطالب ينسخ على الطاولة، وثانى يشاركه فيها، وثالث يضع كرتونة على سلة الخضروات ليجعل منها طاولة للنسخ ، ورابع يجلس على البرش ” سرير النوم ” ويضع صينية بلاستيكية على قدميه جاعلا منها طاولة ، وتجد الغرفة كخلية نحل، والآخرين من الأسرى ممن لا يدرسون تجدهم كالأم الحنون ، يوفرون لهم الهدوء، ويحضرون لهم الشاى والقهوة ، ويقومون بأعباء التنظيف فى الغرفة، حتى يتمكن الطلاب من النسخ والقراءة، وبعدما حصل الأسرى على الدبلوم انصب اهتمامهم للبحث عن جامعة فلسطينية أخرى تمنح شهادة البكالريوس، وبالفعل وافقت جامعة الأقصى على المشروع الذى كان بمثابة تحد للسجان.
واستطاع عدد كبير من الأسرى الحصول على شهادة البكاريوس من جامعة الأقصى التى احتفلت فى نهاية أغسطس 2015 بتخريج الفوج الحادي والعشرين من طلابها تحت شعار” فوج الأسرى والمسرى”، حيث كان من ضمن الطلبة الخريجين قرابة 256 أسير من بينهم محررين، وآخرين مازالوا داخل المعتقلات، وتزين حفل التخرج بصور الأسرى الذين تحدوا الصعاب وحصدوا أفضل الدرجات العليا.
لم يكتف الأسرى بالحصول على شهادة البكالوريوس بل سعوا للحصول على الدراسات العليا، ووافقت جامعة القدس أبو ديس على الانتساب لها تحت إشراف الدكتور النائب مروان البرغوثى المتواجد فى سجن هداريم ، وتخرج عدد منهم على يديه أمثال الأسير: إسلام صالح جرار من مدينة جنين شمال الضفة الغربية، والأسير محمود ابو سرور من بيت لحم، والأسير عبد الناصر عيسى وجميعهم من برنامج الدراسات الإقليمية تخصص دراسات إسرائيلية، والأسير رشيد نضال صبري الذى أنهى رسالة الماجستير من جامعة بيرزيت وهو فى معتقل عوفر، وكانت رسالته في إدارة الأعمال بعنوان ” إدارة الجودة في الصناعات الفلسطينية للبرمجيات”، والأسير طارق عبد الكريم فياض الذى ناقش رسالة الماجستير من جامعة القدس ابو ديس ، وكانت رسالته حول ” تأثير الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي “، والأسير وائل عبدالله طحاينة تمكن فى العام 2004 من مناقشة رسالة الماجستير من معتقل عوفر مع جامعة النجاح الوطنية الفلسطينية وغيرهم كثر ، وفى العام 2015 كانت هنالك اتفاقية ما بين هيئة شؤون الأسرى والمحررين وجامعة القدس المفتوحة لفتح شعب دراسية فى السجون فى عدد من التخصصات ” كالخدمة الاجتماعية ، واللغة العربية، والتربية الإسلامية ” بشرط وجود لجنة مكونة من خمس مشرفين من حملة الماجستير والدكتوراة فى الأقسام، بدأت هذه التجربة فى سجن هداريم لعدة اعتبارات ” توافر الطاقم الاكاديمى، إقبال شديد من الأسرى على التعليم بسبب المحكوميات العالية ، قلة التنقلات قياساً بالسجون الأخرى، المسؤولية والجدية والشفافية فى التعامل مع الملف ” الأمر الذى لم يتوافر فى سجون أخرى بسبب التوترات المتعافبة كسجن ريمون، وكلما توافرت الشروط سيتم البدء بالبرنامج لأى سجن أو معتقل جديد، وذلك لتحقيق طموح الأسرى من جانب، والقيام بالواجب الوطنى من قبل الجامعة باتجاههم من الجانب الآخر.

3- الجامعات العربية والدولية:
استطاع عدد من الأسرى تحقيق بعض الانجازات على صعيد التعليم بمراسلة الجامعات العربية والدولية، وحصل الأسير ناصر عبد الله عبد الجواد من بلدة دير بلوط قرب نابلس على شهادة الدكتوراة تحت عنون ” نظرية التسامح مع غير المسلمين فى المجتمع المسلم ” فى العام 1997 م ، وذلك بعد حملة مراسلات معتمداً على مساعدة الأهل والمحامين والمؤسسات الحقوقية المختلفة، حتى تجاوبت معه الجامعة الأمريكية المفتوحة فى واشنطن، وقدر لتلك الرسالة أن تولد فى الخفاء كما عاشت سنوات فىطى الكتمان بسبب محاربة إدارة السجون لتلك الظاهرة، وتمت مناقشة الرسالة عبر الهاتف المحمول المهرب فى معتقل مجدو، من قبل عدد من الأساتذة من جامعة النجاح الوطنية، وحصل الأسير القائد مروان البرغوثى على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية بتاريخ 16/3/2010 ، من معهد البحوث والدراسات العربية التابع للجامعة العربية في القاهرة، وترأس لجنة المناقشة الأستاذ الدكتور أحمد يوسف عميد المعهد وأستاذ العلوم السياسية، والأستاذة الدكتورة نيفين مسعد، والأستاذ الدكتور علي الجرباوي، والتى كانت بعنوان ” الأداء التشريعي والرقابي والسياسي للمجلس التشريعي الفلسطيني وإسهامه في العملية الديمقراطية في فلسطين 1996-2008″.
وحصل كل من الأسيرين إياد أبو خيزران و قاسم عواد على شهادة البكالوريوس من جامعة العالم الأميركية عام 2010 ، وحصل الأسير عبد الحافظ سعدى غيظان على شهادة الدكتوراة في الإدارة العامة من جامعة العالم بالتنسيق مع جامعة بئر زيت بشهر فى أيلول لعام 2010, وحصل الأسير حاتم قفيشة على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة العالم الأميركية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف على رسالته التى كانت بعنوان “تآكل قوة الردع الإسرائيلية”، وقد أتم إعدادها داخل معتقل النقب الصحراوي.
4- البحث العلمى :
لم ينشط البحث العلمي فى السنوات الاولى للاعتقال لعدة أسباب منها:
أ – وجود أولويات واهتمامات لدى المعتقلين كبناء المجتمع الإعتقالي الصحي.
ب– عدم توافر الكوادر المدربة على البحث، والتركيز على الثقافة العامة دون البحث والتدقيق.
ج– مجال الحياة فى الاعتقال ضيق بحيث لا تتعدى النواحي التى يمكن أن تبحث علمياً.
د– عدم توافر مكتبات علمية عامة واسعة فى بدايات الاعتقال.
ه – بقاء الوعى السياسى بعمقه الأيدلوجى مسيطراً، لأنه كان نمطاً لتربية المعتقل.
و- انشغال الكوادر الأكثر وعياً بالمهام التنظيمية التى خصصت معظم وقتها فى العمل التنظيمى .
ى – عدم إقتناع المعتقلين بالإقتباس الأكاديمي كأسس للبحث، والنظر إليه كشىء من الضعف.
ويرى الباحث أن هذا الأمر تغير فى أعقاب الانتفاضات وخاصة انتفاضة 2000 فى أعقاب اعتقال الكفاءات العلمية والأكاديمية، والكوادر التنظيمية، والسماح بإدخال الكتب، والسماح بالجامعة المفتوحة فى إسرائيل، والجامعات الأخرى بشكل غير رسمي، ومشاهدة الفضائيات ومتابعة المتغيرات وخاصة السياسية .
فركز عدد كبير من المعتقلين على البحث العلمى وطبع الكثير منها فى مجالات منوعة فى مجال الإعتقال والقانون الدولى ، والديمقراطية ، والمتغيرات السياسية ومستقبل المنطقة ، وفى الأفكار والبرامج والحركات الوطنية والإسلامية والقضية الفلسطينية ، وفى الشأن الإسرائيلى ، والأمن ، والمنظومة الدولية ، وفى شروط النهضة والحضارة وغير ذلك من المجالات .
ثالثاً: تعلم اللغات :
تميز المعتقلون باهتمامهم الكبير فى تعلم اللغات وخاصة العبرية التى كانت مفتاح للانتساب للجامعة المفتوحة فى اسرائيل ، وقراءة المجتمع الاسرائيلى من خلال وسائل الاعلام المتوافرة بشدة لعدم منع الفضائيات العبرية ، وقوة البث الإذاعى للقنوات العبرية وخاصة أثناء التغطيات للأحداث الميدانية والعمليات العسكرية وما يخصهم فى المفاوضات السياسية، ولوجود الصحف العبرية وإمكانية الاشتراك بها ، وهنالك ثلاث عوامل جعلت المعتقلون الفلسطينيون أكثر اهتماماً بتعلم اللغات عامة فى المعتقلات وهى :
الأول : تبلور الحركة الثقافية والفكرية ، وبروز وعى لدى المعتقلين بأهمية تعلم اللغات ، لأنها تشكل جسراً نحو الاستفادة مما وصل إليه وحصَّله الآخرون ، وهذا ما يفسر حماس الكثير من المعتقلين لتعلم اللغة الانجليزية والفرنسية والأسبانية وحتى الروسية.
الثانى : هذا العامل ارتبط باللغة العبرية والذى جاء استجابة للحاجة ومتطلبات الواقع، أى لمعرفة ما يدور حولهم ، وكذلك لمخاطبة الإدارة والسجان، وتقديم المطالب وغير ذلك من حاجات يومية.
الثالث : هو مركب بين ما هو نضالى وما هو معرفى، وتمثل فىالسعى للتعرف على العدو، وتفحص بواطن قوته وضعفه بغية أخذ ذلك بالحسبان لدي صياغة البرامج والتوجهات النضالية.
لذا نجد الكثير من الأسرى يتقنون اللغة العبرية، ووجد الباحث عدداً كبيراً من المعتقلين توجهوا أيضاً لدراسة اللغة الانجليزية لعدة أسباب:
1- توافر الكتب التعليمية من خلال الصليب الأحمر والأهالى.
2- عدد كبير من الأسرى من يملك الأرضية للتعليم الذاتى للغة الانجليزية بسبب دراستهم لها فى المدارس والجامعات.
3- توافر المدرسين من حملة الشهادات والأكاديميين ممن يتقنون اللغة الانجليزية.
4- الحالة التنافسية فى تعلم اللغات بين الأسرى.
5- إجبار طلبة الجامعة المفتوحة فى اسرائيل على اجتياز خمسة مستويات كشرط لتسجيل الكورسات المتقدمة الأربعة قبيل التخرج .
6- كانت لغة المؤسسات الدولية والحقوقية أثناء زياراتهم للسجون للاطلاع على أحوالها كالصليب الأحمر الدولى .
وهنالك عدد قليل من الأسرى اللذين تعلموا اللغة الفرنسية من أسرى التحقوا بالثورة الفلسطينية وعاشوا فى دول المغرب العربى وخاصة الجزائر، وآخرون تعلموا الروسية من طلبة اعتقلوا خلا عودتهم من روسيا ودول شرق أوروبا ، وآخرون تعلموا لغات متفرقة.
على سبيل المثال لا الحصر المناضلة ” عايدة سعد ” تعلمت اللغة العبرية فى السجن منذ السبعينات ودرستها لغيرها من الفتيات المناضلات، وأخريات علمن المناضلات العبرية كالأسيرة لينا الجربونى، وآمنة منى ، وأسيرات انتسبن للجامعة المفتوحة فى اسرائيل كالأسرى، أما على صعيد المعتقلين فأسرى الداخل المحتل كان لهم الفضل الكبير فى تعليم الأسرى اللغة العبرية، كونهم تعلموها فى المدارس ، واختلطوا بالمجتمع الاسرائيلى قبل الإعتقال، ومع مر سنين الاعتقال توافر عدد كبير من المعلمين الأسرى وخاصة القدامى ممن لا حصر لهم فى تعليم اللغة العبرية فى السجون.
لقد وسَّع تعلم اللغات اطلاع المعتقلين، ونوَّع تجاربهم ، وزاد مصادر معلوماتهم، وفتح قنوات أخرى لكسر الحصار عنهم، ما يبرهن أن المعتقلين الفلسطينيين والعرب كان لديهم إصرار نادر على استثمار الوقت خلف القضبان، فيما هو مفيد ونافع ، وتشكل اللغات صورة ايجابية من صور كثيرة فى تجربة المعتقلين بعضها وثق كتابياً ، والكثير منها لم يوثق ، من هنا فان الاهتمام باللغات وتعلمها وتناولها من مناضل متعلم إلى مناضل تلميذ، هى شكل ابداعى ، يدلل أن المعتقلين استوعبوا مرحلتهم بشكل دقيق ، وتعلموا كيف يقلبون السحر على الساحر، جعلت اللغات بشكل عام المعتقلين يخترقون ليل الاعتقال المعتم ويطلعون على ثقافات الشعوب الأخرى.
رابعاً: تعلم القرآن الكريم وأحكامه وحفظه :
اهتم الأسرى فى السجون بالجانب الروحانى والعبادات ، لأن طبيعة الإنسان أى كان دينه وجنسه يكون أقرب إلى الله فى الضيق من أي وقت مضى، فيكثر الأسير من الصلاة والصيام والتسبيح والعبادات فى الزنازين والمعتقلات ، واعتنى الأسرى بقراءة القرآن الكريم وتعلموا من خلال الجلسات اليومية وخاصة فى أقسام الجماعة الإسلامية أحكام التلاوة والتجويد، وهنالك أعداد كبيرة من الأسرى من حفظوا القرآن عن ظهر قلب .
الأسير المحرر أسامة أبو حرب اعتبر أن القرآن الكريم فى السجون شكل مادةً للصبر وقت العسر للأسرى، وزاد للتزود منه خلف القضبان ، فكان المحطة التى استراح فى ظلها الأسرى عند اشتداد الكرب، ووجدوا فى كنفه ما يقوى عزائمهم لحظة التعب والضعف، فكانوا أحوج من غيرهم للحظات قرب من الله عز وجل، وتحدث عن دور المشايخ الكبار ممن أجادوا تعليم القرآن وأحكامه وتجويده قبل الاعتقال ، فعلموا الأسرى الجدد من خلال الحلقات الجماعية ، أو المحدودة بين عالم ومتعلم، ولم يقتصر حفظ القرآن على أسرى فصائل المقاومة الإسلامية (الجهاد الإسلامى وحماس) ، بل هنالك عدد كبير من أسرى حركة فتح ممن حفظوا القرآن وكتبوه بخط اليد ليثبّتوه ، والأسير إبراهيم البيادسة اعتقل رفيقاً فى تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومحكوماً بالمؤبد لمدى الحياة وتمكن من حفظ القرآن كاملاً أثناء الاعتقال.
الأسير المحرر مصعب البريم قال : كنا نهرب إلى القرآن الكريم لنحيا بمعيته قبل أن يقتلنا الوقت والسجان وظلمة الاعتقال ، فوجدنا فيه خير أنيس، كوننا كنا فى أجواء محنة وعذاب وقهر ، وبيئة معقدة التركيب تحتاج لاستراحات روحانية ، والوقت منحنا القدرة على التنافس على حفظه ، واللجان الثقافية أفرزت جزء من ميزانيتها لتشجيع وتحفيز الأسرى على ذلك ، مما جعل الأسرى يحفظون سور لا تقل عن حزب وأكثر فى اليوم الواحد ، والأسرى تمكنوا من حفظ القرآن ما بين عام إلى عامين ، وجمع سجن نفحة ما يقارب من الأربعين حافظاً للقرآن الكريم ، ومثيل ذلك العدد ” أقل أو أكثر ” فى سجون ومعتقلات أخرى ، ودخل علم السند المتصل عن النبى صلى الله عليه وسلم لحفظة القرآن إلى السجون بوجود الشيخ الدكتور عيد دحادحة في العام 2008 فى سجن ريمون ومن ثم انتشر إلى باقى السجون، وتلقى عدد من الأسرى على يديه وتلاميذه الشهادات المصدقة من وزارة الأوقاف.
ونظم الأسرى عملية تحفيظ القرآن الكريم فى السجون لمنحهم الشهادات التأهيلية والمتقدمة فى أحكام التلاوة والتجويد بالتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية ، وكونت لجان للامتحانات ومشرفين فى كل قسم ، ومجموعات للتحفيظ وفق مستوى الأسرى سميت بالتأسيسية للمبتدئين ومتقدمة وتأهيلية للجاهزين لتقديم الإمتحانات النهائية ، وتم تقديم الشهادات التى اعتز بها الأسرى وذويهم فى احتفالات عامة لتكريمهم .
فى نهاية الدراسة يمكن القول أن كل مخططات إدارة مصلحة السجون بتحطيم إرادة الأسرى ، وتحويلهم إلى عبء يثقل كاهل المجتمع بعد تحريرهم قد باءت بالفشل ، بل استطاع عموم الأسرى أن يبنوا ذواتهم ثقافياً وأكاديمياً، وخرجوا من السجون والمعتقلات كوادر تنظيمية تملك تجربة نضالية واعتقالية أكثر من ذي قبل ، وقادة سياسيون وعسكريون فهموا حقيقة عدوهم بأكثر وعى وحكمة ودراية وعمق ، وشاركوا فى مجتمعاتهم كخبراء ومختصين ، وكتاب وأدباء وصحفيين ، فانخرطوا فى المؤسسات الرسمية والأهلية والفصائل الوطنية ، قادة ومفكرين ، وأمناء لتنظيماتهم وأعضاء مجلس وطنى ووزراء حكوميين.
وقبل النهاية لابد من الإشارة أنه لم يقصد من خلال هذه الدراسة القول بأن كل المعتقلين على الإطلاق يخرجون من المعتقل بذات المستوى من الكفاءة الثقافية، والقدرة الإبداعية، والمكانات العلمية والأكاديمية، فهنالك من رغبوا عن المشاركة الفعالة بنفس الهمة، ولكن بالعموم خرَّجت المعتقلات أناسا قادرين ومبدعين ساهموا فى عملية النضال الفلسطيني في مختلف المجالات على كل المستويات.

الباحث: رأفت حمدونة
غزة – فلسطين
مركز الأسرى للدراسات

إلى الأعلى