الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المجموعة الداعمة لسوريا والأعمال العدائية

المجموعة الداعمة لسوريا والأعمال العدائية

علي عقلة عرسان

لن تتوقف الحرب على الإرهاب في سوريا، هكذا قال المتحدثون الرسميون في ميونيخ، وهكذا قال بيان المجموعة، وحددوها بالحرب على داعش والنصرة، ولكن كيف سيتم التأكد من ذلك، والتمييز بين إرهاب وإرهاب، حسب قوائم المتحاربين والمتدخلين في الحرب، وكل منهم له قوائمه من الإرهابيين؟ وأين المناطق المحددة التي ستكون ساحات حرب على الإهاب، وداعش والنصرة المتفق عليهما في بيان ميونيخ تنتشران في مناطق عدة من سوريا، وقد تتغير مواقعهم؟!

اتفقت مجموعة الدول الداعمة لسوريا، في ميونيخ، يوم الخميس الحادي عشر من شباط/فبراير٢٠١٦على:
١- “وقف للأعمال العدائية في سوريا، ينفذ خلال أسبوع”، باستثناء تنظيم داعش، وجبهة النصرة، وأي منظمة إرهابية أخرى، من وقف إطلاق النار.
٢- تشكيل لجنة لمتابعة وقف الأعمال العدائية، والإشراف على إدخال المساعدات إلى المدنيين.
٣- ضرورة العودة للمفاوضات وتطبيق قرارات الأمم المتحدة.
٤- أن تمارس المجموعة النفوذ، من أجل تخفيض العنف”.
وفي ضوء تجارب الماضي القريب، وبيانات المجتمعين السابقة، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وتوجهات ما يُسمى “المجتمع الدولي”، المتضاربة، أو المتضادة، أو المنافقة.. حيث الوجه والقناع على مقعد، وإلى طاولة واحدة، وحيث القول مثلا لموقف ملتبس، وقد يكون اللسان حامل زُور.. نقول، باختصار شديد: إن الحرب في سوريا وعليها مستمرة. ووقف ما سُمي “الأعمال العدائية”، خلال أسبوع، إن تمّ، فهو نوع من ذرّ الرماد في العيون، ولأنه قد لا يعني شيئًا على أرض الواقع ِالمشتعلة بالنار، والمنتِجة للعداءِ، المُضْمِرَةِ، المعلِنة له في آن، والمرسّخة لأنواع كريهة ودموية منه.. وذلك لأن مشجب “الحرب على الإرهاب”، الذي يُعلّق عليه كلُّ: تحالف، أو دولة، أو جهة، أو قوة.. تدخل سوريا، وتحارب فيها، “ضده..؟!”، قد اتسع، ويتسع لكل أصحاب السياسات، والمصالح، والاستراتيجيات،لا سيما الدول الكبرى. ولأن الكثيرين ممن دخلوا سوريا لمحاربة “داعش، والنصرة” اختاروا من يحاربون في سوريا، ومن السوريين، إضافة إليهما، أو معهما، واختاروا مع من يقفون، وأعطوا مفهومًا خاصًّا بهم، للإرهاب، يتوافق مع سياساتهم وطموحاتهم، ومصالحهم.. ولم يجهد الجميع أنفسهم، بموضوعية، وحيادية، ومنهجية، ونزاهة.. للاتفاق على تعريف، ومفهوم ومحددات، للإرهاب، ولمن هو الإرهابي، في سوريا على الأقل؟! وهم، بعد مئات آلاف الضحايا، وعشرات آلاف المعوقين، وملايين المشردين.. لا يبدو أنهم جادون في الاتفاق على ذلك الأمر، المفتاح، ولا يريدون مقاربته، بل يتفقون على نسبته للإسلام، حيثما كان في أرض الله الواسعة. وأكاد أقطع، بأن كل دولة من المجموعة المشار إليها، بل ودول أخرى سواها، لها قائمتها الخاصة بالإرهابيين، التي قد تتقاطع مع قوائم الآخرين، وأن لكل منهم مفهومه الخاص، وتصنيفه الخاص، النابع من مصلحته، وموقفه، ومشروعه.. وهكذا أصبح الإرهاب راية، وداعش هو المشجب، والباب، والمفتاح.. وأصبح، من وجهة نظر أطراف، كل من يَدخُل، أو يُدْخَل، أو يتدخل، في الشأن السوري، يخوض حربه الخاصة، لأهدافه الخاصة، ولخدمة مشروعه وجزء منه، تحت تلك الراية، راية محاربة الإرهاب. ولا أحد يعنيه بصورة جدية: “أخلاقيًّا، وسياسيًّا، وإنسانيًّا، واجتماعيًّا”، ما يجري للسوريين، وما تتعرض له سوريا الوطن، والثقافة، والحضارة.. بمن في ذلك ساسة، ومهتمون سوريون، هم أداة الحرب ونارها، إلا مَن رحم ربك، ومَن تاجر بالله والوطن والقيم والإنسان. قد يتألم أولئك لمصاب فريق من السوريين، وقد يشمتون بفريق.. ولكن النتيجة أنهم لا يتفقون على نصرة الشعب السوري، والوطن سوريا، إذ لكل منهم “شعبٌ، ووطنٌ”، للأسف الشديد، من حيث الرؤية، والانتماء، والارتباط، والمصلحة. وإذا أخذنا حصيلة آرائهم ومواقفهم ومفاهيمهم، في هذه الحرب القذرة، نخلص إلى حكم ورأي، يأسف لهما المرء، ويتمنى لو يكونا من فصيلة الخطأ، والخطل.. ولكن كل فريق من أصحابهما يحاول أن يقنع العالم برأيه ذاك وبرؤيته. وبموجب ذينك الحكم والرأي، يظهر أن كل السوريين إرهابيون؟!”، وهذافظيع. فمن وجهة نظر المعارضات: النظام، ومن يحارب حربه، ويؤيده، ويقف معه، أو لا يثور عليه.. هو إرهابي، لأن ما يقوم به النظام، من حيث النتيجة، هو إرهاب، حسب رؤيتهم. ومن وجهة نظر النظام، أن كل من حمل السلاح، وخرج على السلطة، وتعاون مع آخرين على محاربتها، أو منازعتها الأمر، هو إرهابي. وكل يحاول أن يقنع الآخرين بوجهة نظره، ويجعلهم يتبنون مواقفه وأحكامه.. ويدخل على هذا الخط التقويمي “التقييمي” ذاته، كل من يدخل سوريا مناصرًا للمعارضات أو للنظام، وكل من يناصرهما.. حيث يسوٌغ تدخله بمحاربة “الإرهاب”، وبتبني لائحة الإرهاب التي يتبناها من ينصرهم. وهكذا يزداد الطين بلة، وتتسع دائرة الاتهام بالإرهاب، و”تضيع الطاسة”، حيث يصبح كل فريق في سوريا، أو كل من يناصر أو يؤيد جهة أو فريقًا في سوريا: إما إرهابيًّا، وإما نصيرًا للإرهاب، وشريكًا له في جرائمه؟!
لن تتوقف الحرب على الإرهاب في سوريا، هكذا قال المتحدثون الرسميون في ميونيخ، وهكذا قال بيان المجموعة، وحددوها بالحرب على داعش والنصرة، ولكن كيف سيتم التأكد من ذلك، والتمييز بين إرهاب وإرهاب، حسب قوائم المتحاربين والمتدخلين في الحرب، وكل منهم له قوائمه من الإرهابيين؟ وأين المناطق المحددة التي ستكون ساحات حرب على الإهاب، وداعش والنصرة المتفق عليهما في بيان ميونيخ تنتشران في مناطق عدة من سوريا، وقد تتغير مواقعهم؟!، وكيف يمكن الضبط والربط، والتدقيق، والتأكد من الأهداف التي يقصفها الذين يستمرون في خوض الحرب ضد الإرهاب، ولكل منهم قوائمه، وأهدافه، وسياساته؟! لقد قال الوزير لافروف بوضوح: “إن سلاح الجو الروسي سيواصل غاراته ضد تنظيم داعش وجبهة النصرة في سوريا.”، وكذلك يفعل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.. ولكن الوزير جون كيري قال، في المؤتمر الصحفي مع لافروف ودي ميستورا في ميونيخ: “إن العملية العسكرية الجارية في سوريا الآن، تدعم تنظيم داعش، ولا تساهم في الإضرار به”؟!، وقال ناطقون باسم معظم دول المجموعة المشار إليها، بمن فيهم جون كيري: “إن التدخل الروسي زاد الأمر في سوريا تعقيدًا، وأن قصف الطائرات الروسية لا يكاد يمس داعش والنصرة، وإنما يناصر الرئيس الأسد؟!.. ومن جهة أخرى أكدت المملكة العربية السعودية، باسم التحالف الذي تقوده، بأن قرار تدخلها في سوريا، لمحاربة داعش، قرار لا رجعة عنه.. وتلوّح تركيا بالتدخل ضد الإرهاب، “داعش، والبيادي، فرع الـب.ك.ك”، دفاعًا عن حدودها، ولوقف موجات اللجوء من جراء القصف الروسي للمدنيين، التي لم تعد تطيق احتمالها.. وتتابع إيران أعمالها القتالية في سوريا، مباشرة أو غير مباشرة، وتستنفر من تستنفرهم لهذه الغاية، وتزوّدهم بما يحتاجون إليه، لمتابعة القتال.. وتقول الجهات السورية المعنية “النظام والمعارضات” إنها ستواصل القتال حتى تحقيق أهدافها، وأهدافها متناقضة، ومتضادة، كما نعرف؟!.
فمن إذن، من بين المنخرطين في الحرب المدمرة في سوريا، والمعنيين بها، والمسببين للمآسي الإنسانية، والشقاء، والقتل، والتشريد، واللجوء، والنزوح.. إلخ، يريد فعلًا وقف الحرب، أو وقف إطلاق النار، أو ما جاء في فذلكة بيان ميونيخ: “وقف الأعمال العدائية لأسبوع”، أي هدنة لمدة أسبوع”؟!، تلك التي بشّرنا بها كيري ولافروف في اجتماع ميونيخ.. وهي كما يراها كل فريق من المتقاتلين، والمعنيين بالحرب، ومن يراقبون: فرصة للآخر يعزز بها حضوره العسكري، وقواته على الأرض؟! ربما لا أحد، فالأبعاد الحقيقية للصراع أبعد بكثير من كلام الدبلوماسيين، ومناورات السياسيين، في الاجتماعات الرسمية. وقد لامس الوزير فيليب هاموند جانبًا حساسًا، فيما يتعلق بتنفيذ ما تم الإعلان عن الاتفاق عليه في ميونيخ، مع استمرار الحرب، وتفاقم العداء، وتتالي المناورات الكلامية، حين قال، صباح أمس الجمعة ١٢شباط/فبراير: “إن نجاح الاتفاق على” وقف الأعمال العدائية” في سوريا مرتبط بوقف روسيا للغارات الجوية التي تنفذها على مواقع المعارضة السورية، وبالتغيّر الذي يمكن أن يطرأ على سلوك النظام السوري، والدول والأطراف الداعمة له”، ذلك جزء من لب المشكلة، لكنه ليس كل لبّها، حيث لا بد من تعديل أضيفه، حيث يشمل التغيّر، أو التغيير مواقف وسلوك كل المتورطين في الحرب في سوريا، والمعنيين بها، والمستثمرين فيها، ومن يريدون لها أن تستمر، بشكل من الأشكال.
وما لم يقارب كل من: مجلس الأمن الدولي، ومجموعة الدول الداعمة لسوريا، والدولتان الراعيتان لمؤتمر جنيف بصورة خاصة، وهما رأس القوة المتحكمة بالمؤسسات، والقرارات، والتحركات الدولية الآن، أي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية.. ما لم تقارب كل تلك الجهات، نقاط الاختلاف الرئيسة المعروفة جيدًا، وتحسم الموقف منها، بموضوعية، ونزاهة، وعدالة، وتكون جبهة واحدة، موحدة الموقف منها.. لجهة إعلاء مصلحة الشعب السوري فوق كل مصلحة،لأيٍّ من: أفراده، وأحزابه، وفئاته، وطوائفه، ومناطقه.. ووضع مصلحة سوريا الدولة، والوطن التاريخي للشعب السوري، بوصفها: جزءًا من أمتها العربية، وعالمها الإسلامي.. فوق مصالح الطامعين بها، والمتحاربين فيها وعليها، والعابثين بحاضرها ومستقبلها ومصيرها، والجاثمين فوق صدرها، والمستنزِفين لها، وللأمتين العربية والإسلامية، في الحروب القذرة الدائرة فيها.. وهي كلها حروب أشقت السوريين، ودمرت بلدهم، وأضرت بالمنطقة، وفتتتها.. ولم يستفد منها سوى الكيان العنصري، الصهيوني، الإرهابي، الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين.. ما لم يتم ذلك، فإنه لا حلول سياسية ناجعة وعادلة ودائمة، ولا حسم عسكريا في هذا البلد المبتلى، ولهذه المسألة/المأساة، التي أصبحت تهدّد الأمن والسلم الدوليين.. ولا نجاة من إمكانية توسُّع دائرة الصراع الدامي، والحرب/ الكارثة، في المنطقة كلها.. تلك الحرب التي تهدد بحرب أوسع، وأوسع، إذا ما استمرت، وتطورت.. وربما أصبحت حربًا عالمية، كما قال رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيدف، حيث جاء في حديث له مع صحيفة هاندلسبلات الألمانية، أمس الجمعة١٢،شباط/ فبراير٢٠١٦ (إن أي تدخل أجنبي بري في سوريا سيشعل” حربا عالمية جديدة”. إن “الهجمات البرية عادة ما تؤدي إلى تحول الوضع إلى حرب دائمة”. وشدد مدفيدف على ضرورة “إرغام جميع الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بدل التسبب باندلاع حرب عالمية جديدة. وأنه يجدر بالأميركيين، وشركائنا العرب، التفكير مليًّا، هل يريدون حربًا دائمة؟ وهل يعتقدون أن بوسعهم تحقيق انتصار سريع في هذه الحرب؟ إن أي شيء من هذا القبيل مستحيل، وخصوصًا في العالم العربي”). وأرى أنه لا بد من توسيع دائرة الرؤية، ومن ثم الرأي، فيما يتصل بتركيز الرئيس مدفيدف على “أن أي تدخل أجنبي بري”، لتصبح العبارة “إن أي تدخل أجنبي”، أي سواء أكان التدخل الأجنبي: بريًّا، أم جويًّا، أم بحريًّا، أم.. أم.. فإنه يتسبب بالحرب، وأرى أن يكون ذلك، لكي يستقيم الأمر، ويصبح أكثر موضوعية، وعلمية، وشمولًا. وسواء أكان قول الرئيس مدفيدف ينطوي على تحذير، أو تهديد، أو تنبيه بحكمة، إلى رؤية يمليها الحرص، وتستدعيها الحكمة، فإنه قول يجب التفكير به مليًّا، وأخذه على محمله الإنساني ـ العقلاني.
والله غالبٌ على أمره، وهو ولي التوفيق.

إلى الأعلى