الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الجرأة في الإصلاحات الكبرى سيدي الرئيس

الجرأة في الإصلاحات الكبرى سيدي الرئيس

د.أحمد القديدي

“.. عندما تحملت بعض المسؤوليات الحزبية ما بعد الثورة كنت حريصا على الدعوة إلى استعادة ثقافة الدولة لمجتمعنا وترسيخ مؤسساتها وهذا هو الإصلاح الأول والأكبر لكني لاحظت أن إنتخاب رئيس جمهورية واختيار حكومة إئتلاف حزبي منذ سنة لم يبلغ بنا درجة إعادة تأسيس الدولة التونسية العريقة الراسخة فقام جدل طويل مثلا حول تعيين الولاة (المحافظين) بتقاسم الأحزاب المشاركة في الحكم….”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سمعت الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي يقول في كلمة التهاني بالسنة الجديدة أن سنة 2016 ستكون سنة الجرأة في تحقيق الإصلاحات الكبرى فأسعدني هذا الحرص من أعلى هرم السلطة في وطني على مواجهة الواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي المعقد بالجرأة الضرورية وهذه الجرأة هي الأداة التي يمكن أن ننقذ بها تونس من التردي على إثر ثورة شعبية مشروعة طالب خلالها الشباب بالتشغيل والكرامة والحرية. نحن نعيش في بلادنا حملة تشكيك في منطلقات تلك الثورة البيضاء و حملة تبييض الإستبداد بدعوى أنه الضامن للأمن بينما أدركت الشعوب اليوم أن الإرهاب هو الإبن الشرعي للإستبداد وأن ما كان يحسبه المواطن أمنا ما هو إلا صمت القبور وخوف المواطن من أجهزة القمع ومن الموت تحت التعذيب فالحرية (وهي المكسب الأول للثورة على الظلم) هي الضامنة للأمن الحقيقي القائم على حق الإنسان في الكرامة والتعبير والمشاركة في سن الخيارات وقدرته على المبادرة والرقي في مجتمع عادل متوازن سليم. أسعدني أن يتحدث الرئيس عن الجرأة لأن الجرأة هي التي افتقدناها منذ 14 يناير 2011 فتقلد المسؤوليات من هم في الأغلب غير مؤهلين لها لا لنقص في وطنيتهم بل أساسا لإفتقادهم ثقافة الدولة. وأنا عندما تحملت بعض المسؤوليات الحزبية ما بعد الثورة كنت حريصا على الدعوة إلى استعادة ثقافة الدولة لمجتمعنا و ترسيخ مؤسساتها وهذا هو الإصلاح الأول والأكبر لكني لاحظت أن إنتخاب رئيس جمهورية واختيار حكومة إئتلاف حزبي منذ سنة لم يبلغ بنا درجة إعادة تأسيس الدولة التونسية العريقة الراسخة فقام جدل طويل مثلا حول تعيين الولاة (المحافظين) بتقاسم الأحزاب المشاركة في الحكم لهذه المناصب وهو ما يتناقض أولا مع دستور البلاد و ثانيا مع منطق الدولة لأن الوالي ممثل لرئيس الدولة وهو الحامي لمصالح المجموعة فلا يعقل أن تكون غدا ولاية القيروان مثلا ندائية و ولاية القصرين نهضوية و ولاية سليانة أفاقية و هكذا دواليك! إن الوالي يختار في كل الدول المتقدمة في الديمقراطية على أساس عدم الإنتماء لأي حزب وبمعيار الكفاءة الإدارية و الترفع الأخلاقي لا غير. أما الأحزاب فلها دور ريادي في الولايات (المحافظات) من خلال المجالس الجهوية التي تقرر ما تراه صالحا لولاياتها عملا بمبدإ الإنتخاب الشعبي الجهوي لهذه المجالس فيبقى الوالي هو الحكم و المرجع وهو رمز الدولة و عنوان حيادها. أما الخلل الثاني الذي أساء لثقافة الدولة فهو الجدل الذي أثير في بلادنا حول تركيبة المحكمة الدستورية أو مجلس الدولة وعوضا عن أن يتشكل من شخصيات محترمة تحملت في الماضي مسؤوليات عليا وأصبحت بالفعل شخصيات حكيمة نائية بنفسها عن الفضاء السياسي الراهن و المتحول (أمثال أحمد بن صالح وأحمد المستيري
ومصطفى الفيلالي وغيرهم).. وكذلك من أساتذة في القانون الدستوري يتمتعون بالخبرة في دستورية القوانين و البعد عن الإنتماءات والحساسيات (أمثال قيس سعيد والصادق بلعيد وغيرهما) عوضا الدستورية عن قرارات جريئة من هذا الصنف سمعنا جدلا سلبيا بين الأحزاب حول تقاسم عضوية هذا الجهاز الدستوري الأساسي مما سيفقده محتواه و يلتف على مهامه السامية. إن أول الإصلاحات التي تستدعي الجرأة هي هذه سيدي الرئيس لأنك المتحمل لأمانة الدولة فوق الأحزاب و فوق تنافسها و حساباتها الإنتخابية الظرفية خاصة بعد ما شهده الوطن من شقاق طال حزب الأغلبية الذي أسسته أنت. أما الإصلاحات الكبرى الأخرى فهي تستدعي تشكيل لجان وطنية لمواجهتها واقتراح أقوم المسالك لتنفيذها وهي معروفة مثل إعادة الاعتبار للقطاع العام لمنع تغول رأس المال إذا ما توحش و إعادة الاعتبارللتوازن الأسري لمنع تفكك العائلة وإقرار العدل الضريبي والجبائي وترتيب أوضاع الجهات الحدودية بتصور إمكانية تنظيم فضاءات للتجارة الحرة الدافعة للضرائب وإعادة النظر كليا في قضية توريد السيارات بتحرير هذه القطاع وإثراء خزينة الدولة بضرائب عادلة تفرض على كل من يورد سيارة من الخارج لأن قانون (الإف سي إر) تجاوزه الزمن بعد نصف قرن وهو يرهن ثلث أعوان الديوانة لإدارته بدون أي مردود و أمامكم أيضا ضرورة ابتكار قانون الإستثمارات على أسس جديدة تجلب التنمية كما أن أهم إجراء هو تحويل وزارة أملاك الدولة إلى وزارة توزيع أملاك الدولة على الشباب المستعد لخدمة الأرض بكراس شروط تضمن تخصيب الملايين من الهكتارات المهملة باسم الدولة فالدولة ليست إقطاعية. و أنا أقترح أن تشكل لجنة برئاسة السيد منصور معلى لإنجاز مشروعه الحكيم لحل معضلة التشغيل و تشكيل لجنة برئاسة الأستاذ قيس سعيد لتنفيذ برنامجه حول تفعيل المصالحة مع رجال الأعمال لتحميلهم أمانة التنمية في جهاتنا المهمشة. لنجرب سيدي الرئيس أن نغير (لوجيسيال) التنمية والسياسات الإقتصادية و الإجتماعية في تونس لا الإكتفاء بتغيير الشاشة أو لوحة الحروف او الفأرة لأن كمبيوتر البلاد تعطل حسب نتائج سبر الأراء و حسب تحليل ورد أخيرا في مجلة (فوريني أفارز) الأمريكية وهي من أكثر المجلات السياسية عمقا و موضوعية. إنك مؤهل لهذا المصير المنتظر لإنقاذ بلادك وهي أمانة في رقبتك. وسبق أن قلت لك عندما شرفتني باستقبالك لي في مارس 2011 في قصر الحكومة بالقصبة أن هذه الأمانة الثقيلة لا يحملها إلا من توفرت فيه الجرأة و ذكرتك بالأية الكريمة و نزهتك عن أن تكون ظلوما جهولا لأنك من المعدن القوي الأصيل. (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا.)

إلى الأعلى