الإثنين 29 أغسطس 2016 م - ٢٥ ذي القعدة ١٤٣٧ هـ
الرئيسية / آراء / الافتئات على روسيا بـ “امبرياليتها”!

الافتئات على روسيا بـ “امبرياليتها”!

د. فايز رشيد

“.. بمقارنة بسيطة ومفهومة بين الاتحاد السوفييتي (السابق) وامتداده الروسي الحالي من جهة، وبين أميركا وحلفائها من جهة أخرى، يمكن القول: إن أميركا تمتص ثروات الشعوب، وتستغل أسواقها للبضائع والمنتوجات الأميركية. أميركا بعد زوال الاستعمار المباشر تفرض هيمنتها السياسية من خلال النافذة الاقتصادية،على العديد من الدول المدينة للمؤسسات الاقتصادية،التي تشرف بالمعنى الفعلي عليها”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما أن انطلق الدور الروسي في سوريا، بطلب رسمي من الحكومة السورية، حتى علت الاصوات الناعقة عن “امبريالية” روسيا و”اطماعها التوسعية” في المنطقة، وغير ذلك من الاتهامات الحاقدة، التي سبّحت قبلا بحمد التدخل الاميركي – الغربي بغطاء خلفي صهيوني في سوريا، باعتباره “مساعدة إنسانية”، من أجل “إعلاء شأن الديموقراطية” في “البلد المنتهِك لحقوق الإنسان”، وكأن كل بلد تدخّل ويتدخّل في سوريا، هو اعرق من ديموقراطية وعدالة “جمهورية أفلاطون” الفاضلة، وأشد حرصا على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من سويسرا في زمننا!. وصل الأمر بمقدمة برامج في فضائية أحترمها، دعتني إلى أحد برامجها السياسية،منذ أيام، إلى الادعاء بوجود “تحالف استراتيجي” بين روسيا وإسرائيل! ووصل الامر بالضيف الآخر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة غربية! إلى القول” بأن العلاقة بين روسيا وإسرائيل، وبين بوتين ونتنياهو أعمق من شبيهتيهما مع أميركا وأوباما!… إلى هذا الحد، وصل الحقد بالبعض على روسيا!.
بداية حرّي التوضيح: بأن الامبريالية، مصطلح انتشر في منتصف القرن الماضي، في فترات من التاريخ، كانت العديد من الدول في المنطقة العربية،
وفي آسيا وأميركا اللاتينية تناضل من أجل نيل تحررها الوطني، و من أجل قضاياها العادلة في إنشاء الدول الوطنية والتحرر من الاستعمار، وكان المد الاشتراكي في العالم آنذاك أحد أسباب انتشار وشيوع هذا المصطلح، وإطلاقه على القوى الكبرى الرأسمالية على الصعيد العالمي، من أجل العمل ودفع الشعوب إلى مقاومتها. الامبريالية هي تعريب لمصطلح باللغة الإنجليزية يعني “التسلطية”، بحسب الترجمة الحرفية، وقد أصبحت الامبريالية مرادفا للدول الاستعمارية، والاستغلال الذي يتم من قبل الدول الكبرى على الدول الصغيرة
والفقيرة بطبيعة الحال. نعم، محاولات استغلال الشعوب الفقيرة لتحقيق مصالح الدول الاستعمارية الكبرى.
لقد بدأت الامبريالية الجديدة في العالم عندما بدأت الدول الأوروبية الكبرى بالعمل فيما عرف بالاستعمار، وقد بدأت في السيطرة على أراضي دول أوروبية أخرى، وكان ذلك في منتصف القرن التاسع عشر، وقد أطلق مصطلح الدول الاستعمارية أو الامبريالية على بريطانيا وفرنسا في البدء لكونهما الدولتان اللتان بدأتا في استعمار الأراضي الجديدة في كل من إفريقيا و آسيا، من أجل السيطرة على المواد الخام و الموارد الموجودة في تلك الأراضي، وتوسيع خطوط وطرق تجارتيهما، وقد ترافق ظهور الامبريالية تاريخيا مع الثورة الصناعية في أوروبا وحمّى التصنيع، التي سادت أوروبا الغربية آلآنذاك، مما دفع الحكومات إلى البحث عن أراضي جديدة للتسويق والحصول على المواد الخام.
هذا الأمر الذي دفع بمفجر الثورة الروسية إلى القول: بأن الامبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، ذلك أنه رأى في تلك الفترة: أن الحتمية التاريخية لتطور النظام الرأسمالي العالمي هو: أن يزيد الإنتاج عن احتياجات البشر الأساسية،
ويؤدي تراكم الثروات في يد القلة الرأسمالية، إلى وجود عدم توازن بين دول المراكز و دول الأطراف، فضلا عن الفجوة بين المدن الصناعية والمدن الزراعية داخل الدولة الواحدة، لذا سوف تتجه الرأسمالية إلى الاستعمار العسكري للحصول على الموارد الرخيصة الموجودة في الدول الفقيرة أو دول الأطراف، وتقوم بتصنيعها و إعادة تصديرها إلى تلك الدول مرة أخرى، في شكل منتجات وتستفيد من الأرباح.
تخلّد زعيم الثورة، لأنه قام بثورة فكرية نوعية على المناخ الفكري السائد في أوساط اشتراكية اخرى، ذلك أن قادة تلك الأوساط قرأوا الاشتراكية قراءة مختلفة كل الاختلاف عن القراءات الحقيقية العلمية. هؤلاء من أمثال بليخانوف وكاوتسكي ومارتوف وبيرنشتاين وغيرهم. هؤلاء ابتذلوا النظرية، وجعلوها في خدمة البورجوازية،بشكل لا يختلف عن فهم حزب البورجوازية الروسية، الحزب الذي فشل في قيادة البورجوازية لتحقيق ثورتها، بيرنشتاين أخذ يؤمن بالاشتراكية عن طريق التطور، وفي العام 1880 نشر مقالة ” مزدحمة بأفكار البورجوازية” وُبخ عليها. أما كاوتسكي وبليخانوف فقد انتصرا للديموقراطية البورجوازية،الأمر الذي لم يميزهما عن بيرنشتاين، وحرّما على الفقراء استلام السلطة إلا من خلال البرلمان.
لقد نشأت الامبريالية باعتبارها تطورا واستمرارا مباشرا لما فُطرت عليه الرأسمالية بوجه عام، ولكن الرأسمالية لم تصبح امبريالية رأسمالية إلاّ عندما بلغت في تطورها الاقتصادي والسياسي درجة معينة، عالية جدا، عندما تحولت بعض خصائصها إلى نقيضها، عندما تكونت وظهرت عليها،سمات مرحلة انتقالية إلى نظام اقتصادي اجتماعي أعلى، الأمر الذي أدى من الناحية الاقتصادية، إلى حلول الاحتكارات محل المزاحمة الحرة،فأدى إلى ظهور الاحنكارات وتمركز راسالمال المالي والصناعي في أيدى قلة من البشر وبعض كبرى البنوك والشركات، الكارتيلات، السينديكات والتروستات والرأسمال المندمج فيها والتي تتصرف بمئات المليارات.
جدير ذكره: أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أكد قريبا، في تصريحات له: ان ليس لروسيا طموحات امبريالية، ولن تتعدى على سيادة مطلق بلد آخر. وقال بوتين خلال اجتماع فى “نادي فالاداي” بمنتجع سوتشى المطل على البحر الاسود: ان” روسيا هى التى بدأت انهاء الاتحاد السوفيتى السابق. ولولا روسيا لاستمر الاتحاد السوفيتى قائما… ولا رغبة لدينا أو دافع للتعدي على سيادة أحد. ونقلت وكالة أنباء (انترفاكس) عن بوتين قوله انه ” مهما كان الذي يقولونه، الا اننا ليس لدينا طموحات امبريالية، ولن تكون لدينا أبدا. وحذر بوتين من انه من غير المسموح لاحد فى العالم باتخاذ قرارات أحادية. وقال إنه “يجب ان نتفق على قواعد اللعبة. ولا تستطيع أي دولة بمفردها، ان تحل جميع المشاكل الدولية ودون مساعدة من شركاء قادرين”. وردا على سؤال حول السبب فى فشل روسيا فى إقامة علاقات مستقرة مع الغرب، تساءل بوتين: ولماذا لم يقم الغرب علاقات مستقرة مع روسيا؟ مضيفا ان ” هذا مسار ذا اتجاهين”. وقال: ان اى علاقة يجب ان تقوم على المساواة والاحترام المتبادل. كما انتقد الرئيس بوتين، أوربا لعدم اتخاذها سياسة خارجية مستقلة، وقال أن روسيا لا تستطيع ان تقيم، ولن تحافظ على مثل هذه العلاقة.
وبمقارنة بسيطة ومفهومة بين الاتحاد السوفييتي (السابق) وامتداده الروسي الحالي من جهة، وبين أميركا وحلفائها من جهة أخرى، يمكن القول: أن أميركا تمتص ثروات الشعوب، وتستغل أسواقها للبضائع والمنتوجات الأميركية. أميركا بعد زوال الاستعمار المباشر تفرض هيمنتها السياسية من خلال النافذة الاقتصادية،على العديد من الدول المدينة للمؤسسات الاقتصادية،التي تشرف بالمعنى الفعلي عليها، كـ البنك الدولي وغيره.الشركات الاحتكارية التصنيعية العسكرية الاميركية تفرض على دول كثيرة، شراء أسلحتها بمئات المليارات من الدولارات سنويا.الدول النامية واوروبا مجال خصب للشركات الأميركية. ومجال أرحب للقواعد العسكرية الاميركية، وأيدي مباشرة لتنفيذ الاعتداءات العسكرية الأميركية – الغربية – الصهيونية على العديد من الدول في مختلف مناطق العالم. حجم الاموال العربية في البنوك الأميركية تبلغ 4.3 تريليون دولار موضوعة كسندات في الخزينة الأميركية (أي لا يمكن سحب أي مبلغ منها إلا بقرار من البيت الأبيض). العراق سيشتري سلاحا من أميركا بقيمة 113 مليار دولار في العام 2016.الاستثمارات العربية في أميركا للعام 2015 وفقا لمؤسسة “راند” بلغ680 مليار دولار. ما جنته شركتان عملاقتان عسكريتان أميركيتان (هاليبرتن و كيلوغ براون وروت) من الوطن العربي في عام 2014 من أرباح بلغ 214 مليار دولار!.
بينما.. الاتحاد السوفييتي كان عونا تسليحيا، تصنيعيا، تعليميا، صحيا، اقتصاديا،عسكريا وسياسيا لنهج الحرية والتحرر والانعتاق من التبعية للامبريالية الأميركية والغربية والصهيونية، بلا مقابل، فأثناء حرب التحرير الفيتنامية وصباح كل يوم، كان الاتحاد السوفييتي يتكلف 5 ملايين دولار تسليحا ومساعدة لجبهة التحرير الفيتنامية. كان الاتحاد يسلح الدول بديون تمتد إلى مئة سنة، ودون فوائد وبتسديد ميسّر، كان يتم في غالبيته بتصدير بضائع البلدان للاسواق السوفياتية. الاتحاد السوفياتي كما روسيا حاليا هي عون سياسي للدول في مواجهة غطرسة الولايات المتحدة: قارنو بين عدد القواعد العسكرية الأميركية في الوطن العربي وبين قاعدتين روسيتين فقط في سوريا، إحداها (الثانية) جرى إنشاؤها بعد الطلب السوري من روسيا بالتدخل. ديون روسيا الخارجية للعام 2015 تبلغ 515 مليار دولار، منها 40 مليارا على مصر. في عام 2006 وقعت روسيا وسوريا اتفاقا تم بموجبه، إلغاء 13.3 مليار دولار كديون قديمة على سوريا.عندما طلب السادات سحب الخبراء السوفييت من مصر، انسحبوا خلال يومين فقط! يا ترى لو طلبت دولة ما انسحاب الخبراء والعسكريين الأميركيين من أراضيها، فهل ستنسحب أم تقوم باستبدال النظام؟ سؤال أطرحه عليكم أيها القرّاء الأحباء،
بالله عليكم ماذا جناه الاتحاد السوفياتي سابقا، وتجنيه روسيا اليوم، من العرب، غير التنكر للجميل؟ ووصفها بأقذع الأوصاف؟.

إلى الأعلى