الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / دول أوروبا تفرض توازنا بين أنواع الضرائب المختلفة وسياسات أوروبية لإقناع الشعوب بالتوجهات الضريبية

دول أوروبا تفرض توازنا بين أنواع الضرائب المختلفة وسياسات أوروبية لإقناع الشعوب بالتوجهات الضريبية

القاهرة ـ من حسام محمود:
جاء انخفاض أسعار النفط عالميا بمردودات أوروبية عديدة بسبب تزايد العرض الناجم عن عوامل اقتصادية وسياسية ترتبط بمنطقة الخليج وروسيا والإنتاج الأميركي لكن هذا الانخفاض يعود أيضا إلى تباطؤ الطلب نتيجة الأزمة الاقتصادية والاعتبارات البيئية إضافة إلى ارتفاع العبء الضريبي المفروض على استهلاك المنتجات النفطية خاصة بأوروبا. ولم يقد انهيار سعر الخام إلى هبوط مهم لسعر الاستهلاك النهائي بسبب ارتفاع الضرائب المفروضة على المنتجات النفطية فقد أصبح المستهلك الأوروبي يدفع ضرائب قدرها أربعة أضعاف ما يدفعه لشراء النفط من الدول المصدرة. ولا يوجد في الاتحاد الأوروبي نظام ضريبي موحد يسري على استهلاك المنتجات النفطية فكل بلد يتبنى نظاما مناسبا له. ولكن في جميع دول أوروبا يخضع استهلاك المنتجات النفطية للضريبة النوعية والضريبة على القيمة المضافة وتوجد في غالبية دول الاتحاد ضريبة ثالثة على الكربون.

ضرائب أوروبا

تفرض الضريبة النوعية بمبلغ معين يختلف حسب المنتجات النفطية وحسب سياسة الطاقة المتبعة وتسري على وقود السيارات بشتى أنواعه ضريبة أشد من تلك التي تفرض على الوقود المنزلي المخصص للتدفئة. وفي غالبية الدول الأوروبية يخضع البنزين لضريبة نوعية تفوق تلك التي تفرض على زيت الغاز. بينما تتبع بريطانيا سياسة مختلفة لأنها تفرض ضريبة نوعية على زيت الغاز أشد من الضريبة النوعية على البنزين. وأدى هذا الاختلاف الضريبي إلى تباين كبير في أسعار الاستهلاك. وتعد الضريبة النوعية أهم ضريبة على المنتجات النفطية حيث تتراوح بين 70 و80% من مجموع الضرائب المفروضة على الاستهلاك النفطي وبالتالي باتت الميزانيات العامة تعتمد عليها اعتمادا أساسيا في تمويل نفقاتها.

ففي الميزانية الفرنسية قدرت حصيلة الضريبة النوعية بمبلغ 15.6 مليار يورو أي 6.6% من الإيرادات الكلية للدولة ويغطي هذا المبلغ نصف اعتمادات وزارة الدفاع. وتتجه الضريبة النوعية في جميع الدول الأوروبية نحو الارتفاع بسبب العجز المالي المزمن وهي لا تفرض على سعر النفط الخام بل يحدد لها مبلغ سنوي عند تحضير ميزانية الدولة فلا توجد علاقة بين هذه الضريبة وسعر الخام.
وطبقت بعض الدول الأوروبية التعويم الضريبي على استهلاك المنتجات النفطية لكنها سرعان ما تخلت عنه بعد فترة وجيزة ويتجلى هذا النظام في رفع مبلغ الضريبة النوعية عندما يهبط سعر النفط الخام وبالعكس ينخفض مبلغها عندما يرتفع سعر الخام. وتهدف هذه الآلية إلى تحقيق نوع من الاستقرار في أسعار الاستهلاك النهائي كما أنها توازن بين مصالح المستهلكين ومصالح مالية الدولة فقد تفقد ميزانية الدولة قسطا من الإيرادات في السنة التي يرتفع فيها سعر الخام لكنها تحصل على إيرادات أكبر في السنة التي ينخفض فيها سعره. وكان هذا النظام منسجما تماما مع فترة تسعينيات القرن المنصرم حيث كانت أسعار الخام ترتفع في سنة وتهبط في أخرى لذلك قررت بعض الدول تعويم الضريبة النوعية مثل فرنسا عام 2000 لكن تبين أن هذا النظام لم يعد يخدم مالية الدولة لأن أسعار النفط باتت حينئذ ترتفع باستمرار الأمر الذي يتطلب تخفيض مبلغ الضريبة فاختل ذلك التوازن لذلك استغنت عنه فرنسا بعد تطبيقه لفترة تقل عن عشرين شهرا.

العبء الضريبي

على خلاف الضريبة النوعية تفرض الضريبة على القيمة المضافة بسعر نسبي موحد على جميع المنتجات النفطية كما تتسم أسعارها بالتقارب في جميع البلدان الأوروبية وذلك نتيجة الجهود المبذولة منذ عشرات السنين في سبيل تنسيق السياسات المالية. ففي بلجيكا وإسبانيا وهولندا تفرض هذه الضريبة على استهلاك المنتجات النفطية بسعر 21% وفي فرنسا وبريطانيا وبلغاريا بسعر 20% . ويبدو أن أسعار هذه الضريبة المفروضة على المنتجات النفطية هي أعلى الأسعار المطبقة على القيم المضافة فهي تعامل النفط معاملة السلع المضرة بالصحة كالكحول والسجائر والسلع الكمالية كالمجوهرات والعطور.

كما أن اسم هذه الضريبة لا يتسق مع المسمى لأنها لا تسري فقط على القيمة المضافة بل كذلك على مبلغ الضريبة النوعية ومبلغ ضريبة الكربون وهذا يتناقض مع قواعد العدالة الضريبية التي تستوجب عدم فرض ضريبة على الضريبة كما يفسر ذلك ارتفاع مبالغها باطراد رغم ثبات أسعارها النسبية في أوروبا . لكن من الناحية النظرية تهدف هذه الضريبة إلى حث الأفراد والشركات على الحد من استهلاك الوقود الأحفوري بتطوير التقنية وتنمية الطاقة المتجددة وتسعى إلى ايجاد عادات استهلاكية جديدة. وفي دول أوروبية ترصد حصيلة ضريبة الكربون لأوجه إنفاق محددة سلفا ففي السويد تخصص إيرادات ضريبة الكربون للتخفيف من ثقل الضرائب على المرتبات وعلى الشركات التي تعاني من المنافسة الأجنبية . وفي فنلندا يرصد قسط منها لتنمية الطاقة المتجددة. وتعتبر سويسرا رائدة في هذا المجال حيث يتم توزيع ثلثي حصيلة ضريبة الكربون على الأفراد والشركات ويستخدم قسطها الثالث كإعانات تمنح للأشخاص الذين يرغبون في تحديث أبنيتهم لتنسجم مع معايير الحد من هدر الطاقة والبيئة. والواقع أن ضريبة الكربون في جميع الدول الأوروبية الكبرى وسيلة لزيادة إيراداتها العامة فلو كان الهدف الحقيقي ايجاد عادات جديدة لتخلت عنها الدولة حال اكتساب هذه العادات. فبفعل الاستهلاك اليومي للمنتجات النفطية تتولد عادات جديدة خلال فترة وجيزة قد لا تتجاوز سنة لكن هذه الضريبة مطبقة في دول أوروبية منذ نحو عشر سنوات ورغم تولد العادات الجديدة ترتفع أسعارها سنويا.
ولا تختلف ضريبة الكربون عن الضريبة النوعية من حيث تأثيرها على أسعار الاستهلاك النهائي لكن الفرق بينهما يكاد ينحصر في العامل السياسي فتحت تأثير التلوث والاحتباس الحراري وأجهزة الإعلام تجد ضرائب الكربون تأييدا شعبيا لها وتفهما لدى المواطنين في حين تواجه الضريبة النوعية تذمرا شعبيا خاصة إذا حاولت الحكومة زيادة مبلغها لذلك تفضل حكومات أوروبا رفع أسعار ضريبة الكربون بدلا من زيادة الضريبة النوعية.

إلى الأعلى