الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التقارب والوئام الإنساني

التقارب والوئام الإنساني

”لقد صارت دماء العرب والمسلمين ارخص شيء. فآلة الحرب تدور وتحصد الارواح وكل يوم الاعداد والارقام تتزايد وتتضاعف حتى صار مشهد الدم والقتل والتخريب والتشريد مألوفا ومعتادا. دون ان نجد عقلا وحكمة من الساسة والمسئولين للعمل الجاد من اجل وقف هذا النزيف المتواصل. بل ان الامر المؤسف ان هناك اطرافا عربية مسلمة تعمد الى اذكاء هذا النزيف وسكب مزيد من الوقود على النار لتأجيجها.”

تجرع العالم مرارة حروب كثيرة. كان آخر اكبرها الحربين العالميتين الاولى والثانية التي راح ضحيتها ملايين البشر ودمرت بلدانا بأكملها. ثم اجتاز مرحلة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة والتي كانت تمثل تهديدا كبيرا للأمن والسلم الدوليين. وبعد انقضاء تلك الحقبة والآلام والمعاناة التي واكبتها، كان الكثير من ابناء كوكبنا يأملون ان يسود السلام والوئام بين بني البشر. وعزز تلك الامال بالعيش في عالم افضل، عالم اكثر امنا وسلما، التطورات المتلاحقة التي يشهدها العالم من قبيل تطور تقنيات الاتصال والمعلومات التي قاربت بين بلدان العالم وجعلت الكوكب اشبه بقرية صغيرة، يعرف اقصاها ما يحدث لأدناها. وكان الامل ان السياسة الدولية سوف تقوم على العمل الجاد على تجنب الحروب والتعاون في مواجهة الامراض والاوبئة العابرة للقارات وليس البلدان فحسب والتصدي للفقر والجهل وسد الهوة بين الاغنياء والفقراء والتقارب الحضاري والاقتصادي والسياسي والتقني بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة والتي كان احد اسباب تخلفها هو استعمار تلك البلدان المتقدمة لها ونهبها مواردها وخيراتها والتي مثلت بدورها ركيزة النمو والتقدم الذي تشهده البلدان المتقدمة حاليا.
فضلا عن التحديات الكبيرة التي تواجه المعمورة بشكل عام. والتي يأتي في مقدمتها الظواهر الطبيعية من قبيل النينيو (ظاهرة مناخية عالمية، حيث يؤثر تغير الحرارة في أحد المحيطات على الجو بمنطقة أخرى بعيدة) والاحتباس الحراري وتآكل طبقة الاوزون وذوبان جليد المحيطات والتغير المناخي الذي صار له تأثير واقع على بلدان العالم بشكل يبدد ما كان لدى الكثيرين من الشكوك. وذلك من خلال ما تشهده كثير من مناطق العالم من اعاصير ورياح وامطار في اوقات غير متوقعة او غير معتادة بشكل يدفع إلى القول بأن قواعد الجغرافيا القديمة التي كنا ندرسها عن مناخ البلدان قد تغيرت بشكل كبير. فقد كان هناك قواعد ثابتة مثل ان بلدا ما او منطقة ما تتميز بمناخ حار جاف صيفا دافئ ممطر شتاء. وبات الان يمكن القول ان كثيرا من هذه القواعد لم تعد قائمة. وذلك اننا نشاهد عكس ذلك تماما فتجد خلال الصيف انخفاض في درجات الحرارة وامطار، وفي الشتاء ارتفاع في درجات الحرارة وعدم سقوط امطار. بل ان الكثير من المناطق في البلدان العربية باتت تعاني من جفاف جراء عدم سقوط الامطار. واذا جاءت امطار جاءت على شكل سيول مدمرة في اغلب الاحوال.
فكل ذلك وغيره يدفع إلى التكاتف وتضافر الجهود والمشاركة والتعاون اي الوئام في النهاية لمواجهة تلك الكوارث وهذه التحولات التي لا قبل لبلد او منطقة بمفردها على مواجهتها.
ومع ان هذا ما يقتضيه المنطق والعقل والفكر السليم، نجد عكس ذلك يحدث في تزايد وانتشار الصراعات والتوترات والحروب مثل التوتر في شبه الجزيرة الكورية والصراع في اوكرانيا ومناطق في افريقيا…الخ. مما دفع رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف إلى ان يعلن في مؤتمر الامن في ميونخ في 13 فبراير الجاري ان العالم دخل “الحرب الباردة” مع تزايد التوتر بين الشرق والغرب.
كما استشرت وتضاعفت الصراعات والحروب في منطقتنا العربية والاسلامية من العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى ليبيا إلى افغانستان إلى باكستان إلى الصومال… الخ. بما حدا بالمستشارة الالمانية انجيلا ميركل إلى توجيه تلك الصرخة لعلها تصل اذان وعقول المسئولين في المنطقة: “الهند والصين عدد سكانهم حوالي مليارين ونصف مليار نسمة ولديهم 150 ربا و800 عقيدة مختلفة ويعيشون بسلام مع بعض. بينما المسلمون لديهم رب واحد ونبي واحد وكتاب واحد، لكن شوارعهم تلونت بالأحمر من دمائهم.. القاتل يصرخ الله أكبر والمقتول يصرخ الله اكبر”.
لقد صارت دماء العرب والمسلمين ارخص شيء. فآلة الحرب تدور وتحصد الارواح وكل يوم الاعداد والارقام تتزايد وتتضاعف حتى صار مشهد الدم والقتل والتخريب والتشريد مألوفا ومعتادا. دون ان نجد عقلا وحكمة من الساسة والمسئولين للعمل الجاد من اجل وقف هذا النزيف المتواصل. بل ان الامر المؤسف ان هناك اطرافا عربية مسلمة تعمد إلى اذكاء هذا النزيف وسكب مزيد من الوقود على النار لتأجيجها. مع ان هذه النار ومع زيادة اوارها ستصل حتما الى تلك الاطراف.
وفي ظل هذا المشهد الكئيب من القتل وسفك الدماء واذكاء الحروب هنا وهناك، تحاول السلطنة بقدر طاقتها ان ترفع صوتها إلى المتحاربين والمتقاتلين والمتصارعين ان تعالوا إلى كلمة سواء الا يقتل بعضنا بعض وان نكون اخوانا متحابين كما يأمرنا ديننا واخلاقنا العربية الاصيلة وكما يقتضيه العقل والحكمة والمصلحة المشتركة. وذلك من خلال الجهود الدبلوماسية التي تبذلها بغية تقريب وجهات النظر بين الفرقاء المتحاربين ولم الشمل والعمل بقدر المستطاع على اقناع الأطراف بوقف القتال والسماح للمساعدات الانسانية بالوصول إلى الجوعى من الابرياء المحاصرين ووقف الة الحرب حتى يمكن سماع صوت العقل والحكمة والسلام.
ويأتي ذلك من الخبرة التاريخية العريقة التي تتمتع بها السلطنة. والتي ترجع إلى تاريخها وعلاقاتها البحرية الممتدة لعقود طويلة. فقد عاشت عمان تاريخا زاهرا جعلها امبراطورية تمتد إلى شرق افريقيا وكان لحكامها علاقات اقتصادية وسياسية وتجارية مع حكام بلدان العالم. كما كان البحارة العمانيون يجوبون بحار ومحيطات العالم وبالتالي كان لهم علاقاتهم بأغلب بلدان العالم وخاصة البحرية منها. كما كانت ولا تزال علاقات السلطنة الودية مع جيرانها ومحيطها العربي والاسلامي بل وعلى مستوى العالم كافة.
ويبرز ذلك في حالة التعايش الفريدة بين ابنائها والتي تعد نموذجا يحتذى في هذا المجال. الامر الذي جنبها الصراعات والتحزبات والانشقاقات الداخلية والصراعات المذهبية او الطائفية او العرقية. وجعلها ترفل بنعمة الأمن والامان والحب والوئام التي تسود في كافة ربوعها.
وكجزء من اجل تصدير حالة الوئام التي تعيشها السلطنة إلى المنطقة والعالم، كان اقامة السلطنة اسبوع التقارب والوئام الانساني والتركيز على دور الاعلام في هذا الامر. وذلك انطلاقا من فكرة ان المشاكل والخلافات والصراعات لا تحل بالحروب بل بالحوار والاتفاق وبالعقل والحكمة وليس بالصواريخ والدبابات. وان للاعلام دورا كبيرا في هذا الامر. فهو بإمكانه تأجيج الصراعات والنفخ فيها لإذكائها. وبامكانه في نفس الوقت ان يكون منبرا لاعلاء صوت العقل والحكمة والبحث عن حلول سلمية للمشاكل والخلافات. أي البحث عن المشترك والبعد عن مظاهر الشقاق والخلاف بما يحقق في النهاية التقارب والوئام بين العرب والمسلمين وبني آدم قاطبة.

السيد عبد العليم
مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى