الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة (18): حق العمل والضمان الاجتماعي في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

الحلقة (18): حق العمل والضمان الاجتماعي في النظام الأساسي للدولة والقوانين الدولية

العمل أمر مطلوب على كل فرد قادر لأجل أن يعيش وتستمر معه الحياة بكرامة وبُعدٍ عن المسألة ومِنّة العباد عليه ، وقد رغّبت الشريعة والقوانين الوضعية في السعي والعمل الجاد والمنتج في المجتمع ؛ لأجل توفير الرزق والمعيشة والبُعد عن التسوّل والرذيلة وقد وردت الكثير والعديد من النصوص الدالة على ذلك ، يقول الله تعالى : (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(التوبة/ 105). .
كما جاءت النصوص النبوية مؤكدة على طلب الرزق بالسعي للعمل والاجتهاد في ذلك ، والبُعد عن مسألة الناس وما قد يتعرض له السائل من صدّ وردّ من قبل المسؤول ، ومن تلك النصوص قوله-صلى الله عليه وسلم :(لأن يأخذ أحدكم حبله ، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره ، فيبيعها ، فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)، فهنا حث على السعي لطلب الرزق والعمل الخيّر للعيش الكريم البعيد عن مذلة المسألة. والشريعة الإسلامية وضمن سياستها في إدارة الدولة المسلمة كفلت حق العمل للإنسان متى كان قادرا عليه ، وإن لم يكن قادرا فرضت على الدولة الإنفاق على المعسرين من أجل حياتهم ومعيشتهم وسكنهم وكل مقومات الحياة حسب خططها المالية المتوفرة ، وأوجبت أخذ الحقوق المالية كالزكاة والصدقات وغيرها من المتمولين الميسرين لكي تؤدى للفقراء الضعفاء.
إن تفسير حق العمل وما يتفرع عنه عند البعض يفهم من عدة عناصر منها : “الحق في ممارسة عمل ما ، وحرية اختيار العمل ، وشروط عمل عادلة ومرضية بين العاملين وصاحب العمل ، والحق في أجر متساوٍ على العمل المتساوي ، والحق في الأجر وتحريم السخرة ، وتحديد ساعات العمل والحق في الاستراحة ، وحق الأحداث والنساء بميزات خاصة تلائم العمر والطبيعة ، وحق تكوين الجمعيات التي تعزز هذه الحقوق ، والحق في الضمان الاجتماعي عند العجز عن العمل ، وعدم تقييد هذه الحقوق إلا فيما يتصل بتكوين الجمعيات المعززة لها وبشرط مراعاة الأمن القومي والصالح العام للدولة” انظر: (نعمان الهيتي، حقوق الإنسان في المواثيق الدولية والدستورية والشريعة الإسلامية،) وقد جاءت التشريعات العمانية مؤكدة على تقرير حق العمل والضمان الاجتماعي للإنسان ، يتضح ذلك من خلال تتبع النصوص التشريعية المضمّنة في النظام الأساسي للدولة والقوانين الخاصة المنظمة والمكملة للدستور العماني فمن يطالع تلك النصوص الموضحة لبيان هذا الحق يصل إلى المعرفة الشاملة حول العمل وضوابطه ، وكذلك الضمان الاجتماعي للعاجزين عن العمل وما يتصل بشأن المستحقين له من فئات المجتمع في السلطنة أشارت المادة (12) من النظام الأساسي للدولة إلى حق العمل والطرق الكفيلة لحمايته ، من حيث الطريقة التنظيمية بين العامل ورب العمل، وكذلك الحرية في اختيار العمل وضرورة المساواة في توليها، والأجور التي تجب إثر القيام بالعمل، فقالت: “تسن الدولة القوانين التي تحمي العامل وصاحب العمل وتـنظم العلاقـة بينهما ولكل مواطن الحق في ممـارسة العمل الذي يختاره لنفسه في حدود القـانون ولا يجـوز فـرض أي عمل إجبـاري على أحد إلا بمقتضـى قانـون ولأداء خدمة عامة وبمقابل أجر عادل”.
تشير المادة السابقة إلى مضامين عدة متعلقة بالعدالة وتكافؤ الفرص في كل المجالات الحياتية، كما تشير إلى القوانين التي تسن تقرير حق العمل والعلاقة الثنائية فيه بين العامل ورب العمل في السلطنة والتي من ضمنها قانون العمل الذي بيّن عدد ساعات العمل والأجور والعلاقة التعاقدية بين رب العمل والأسرة، والأعمال التي تخضع لنظامه ، حيث أشار إلى ذلك على سبيل المثال في الفصل الثاني منه بالمادة (2) وهناك قانون إصابات العمل والأمراض المهنية ، حيث نظّم الإصابات التي تستحق التعويض والأفراد الذين تشملهم أحكامه ومواده ، وغيرها مما يتصل بالعجز المهني وما يستحقه صاحبه من نسبة. وكذلك قانون الخدمة المدنية العماني الذي ينظم العلاقة التعاقدية للعمل في المؤسسات الحكومية ومن في حكمها حيث نظم في فصله الرابع الأساس الذي يتم عليه التعيين الصحيح للوظائف الشاغرة في القطاع العام للسلطنة ، معتبرا الوظيفة حقا مشروعا يتنافس عليه جميع المواطنين بلا استثناء أو محسوبية، حيث أشار إلى ذلك في المادة (13) من ذات الفصل وقد كان للسلطنة دور في مجال اهتمامها بالأعمال حيث انضمت إلى عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية الثمان المعنية بحقوق الإنسان ، مثل : الاتفاقيتان الخاصتان بإلغاء السخرة والعمل الإجباري رقما 29 و 105 والصادرتان عامي 1998، 2005م على التوالي ، وكذا الاتفاقيتان الخاصتان بمنع استخدام الأطفال والقاصرين رقما 82 و138 والصادرتان عامي 2001، 2005م ومن حيث حق الضمان الاجتماعي أشار النظام الأساسي إليه ، والواجب تجاه الأفراد المقتدرين نحو التكافل الاجتماعي مع إخوانهم العاجزين غير المقتدرين ، حيث تطرقت المادة (12) منه كذلك إلى بيان هذا الحق فقالت: “تكـفل الدولة للمواطن وأسرته المعونة في حـالة الطوارئ والمرض والعجـز والشيخـوخـة، وفقـا لنظـام الضمان الاجتماعي، وتعمل على تضامن المجتمع في تحمل الأعباء الناجمة عن الكوارث والمحن العامة”كما نُظِّمَ شأن الضمان الاجتماعي في السلطنة بموجب قانون خاص تناوله وتطرّق إلى جميع الأحكام المتصلة بالأفراد والإجراءات والأحوال والظروف التي يكون استحقاق هذا الضمان على أساسها، حيث أصدر المقنن العماني المرسوم السلطاني رقم (87/84) المتضمن صدور قانون الضمان الاجتماعي، وبيّن الحالات التي يجب فيها الضمان الاجتماعي للمواطن العماني من خلال المادة (2) كالأيتام، والأرامل، والمطلقات، والبنات غير المتزوجات، والعاجزين، ومن بلغ سن الشيخوخة، والمهجورات، وأسر المسجونين ويشترط أن يكون هؤلاء الأشخاص من المواطنين العمانيين وأسرهم فقط. كما تضافرت الجهود الدولية لحماية حق العمل والضمان الاجتماعي ، ومن ذلك ما قامت وتقوم به منظمة العمل الدولية من عقد الاتفاقيات الملزمة لكل دولة بخصوص مشروعية العمل ومكافحة البطالة وتحديد ساعات العمل والأجور، والحق في الأجر وتحريم السخرة ، وجواز التنظيم النقابي لتعزيز وحماية هذا الحق وجاء في الصفحة الإلكترونية لمنظمة العمل الدولية وجود ما يقارب من (188) اتفاقية و (199) صادرة عن هذه المنظمة حول هذا الحق وما يتفرع عنه كما جاء الإعلان العالمي مؤكدا على ذلك في المادة (23) ، وتابعه الإعلان الدولي ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في جزئه الثالث بالمواد (6) و (7) و (8) ، والميثاق العربي لحقوق الإنسان في مادته (34) كذلك القوانين العالمية قررت الحق في الضمان المعيشي والاجتماعي للأفراد ، حيث تطرّقت إلى ذلك العديد من الإعلانات والاتفاقيات والدساتير الدولية ، يتصدرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (22) وما بعدها، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (9) وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال…

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي
المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى