الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مقتل “ريجيني” .. بين المؤامرة والارتباك

مقتل “ريجيني” .. بين المؤامرة والارتباك

محمد عبد الصادق

” .. كانت إيطاليا من الدول الأوروبية القليلة التي سارعت بالاعتراف بنظام السيسي ولم تستجب للدعوات الأوروبية للتريث في إقامة علاقات مع النظام الجديد بداعي انتهاكه لحقوق الإنسان وعدم تلبيته للمعايير الأوروبية في حرية التعبير والتظاهر, وجمعت رئيس الوزراء الإيطالي بالسيسي علاقة قوية وكانت إيطاليا أول دولة أوروبية يزورها السيسي عقب توليه الحكم,”

لم تكد الحكومة المصرية تبرأ من تداعيات حادث سقوط الطائرة الروسية التي سقطت فوق سيناء عقب إقلاعها من مطار شرم الشيخ وراح ضحيته 222 سائحاً روسياً وتسبب في توقف حركة السياحة الروسية والعالمية إلى مصر, بعد إبلاغ الحكومة البريطانية موسكو بوجود معلومات استخباراتية عن اختراق تنظيم “داعش” للإجراءات الأمنية بمطار شرم الشيخ ونجاحه في زرع قنبلة داخل الطائرة المنكوبة مما تسبب في تفجيرها بمجرد إقلاعها ـ حتى جاء حادث مقتل الشاب الإيطالي خوليو ريجيني ليضع الحكومة والنظام الحاكم في مصر في ورطة أمام الرأي العام الأوروبي والدولي لم يستطع الخروج من تداعياتها حتى الآن.
ولم تشفع العلاقة المتينة بين السيسي ورئيس الوزراء الإيطالي ماثيو رينزي في نزع فتيل أزمة مقتل ريجيني ولا خففت من حدة الاحتقان والعطب الذي أصاب العلاقات الجيدة بين البلدين, ووصل الأمر بالرئيس الإيطالي للاستنجاد بالرئيس الأميركي باراك أوباما ليمارس الضغط على مصر من أجل التعاون في التحقيقات وعدم التستر على القاتل ومحاسبة الجهة التي تقف وراء الحادث.
هذا الموقف سبق تكراره مع روسيا عقب حادث الطائرة, فلم يتردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توجيه اللوم للجانب المصري واتهامه بالتقصير في حماية المطارات, ورفض الاستماع لوجهة النظر المصرية التي تحدثت عن عطل فني بالطائرة كان وراء سقوطها, وصمم على وقف تسيير الرحلات الروسية لجميع المطارات المصرية, بل وصل الأمر لمنع استقبال الطائرات المصرية في المطارات الروسية, ورغم المحاولات المصرية الحثيثة لنفي تهمة التقصير في إجراءات الأمن و السلامة بالمطارات ,لازال الجانب الروسي يطالب بمزيد من الإجراءات ولم يسمح للسياح الروس بالعودة لمصر حتى الآن.
لا يمكن أن نستبعد فرضية المؤامرة فيما تتعرض له مصر من أزمات ؛ منذ اندلاع ثورة 25 يناير, ولا يمكن إغفال الجهات والدول والجماعات المتربصة بمصر وشعبها, منذ سقوط حكم الإخوان في 30 يونيو2013م, فليس من المصادفة أن تكون هاتان الحادثتان “الروسية والإيطالية” ضد رعايا دولتين لهما علاقات متميزة مع النظام المصري الجديد, فروسيا/ بوتين وقفت بكل ثقلها خلف السيسي ودعمته سياسياً وعسكرياً واقتصادياً عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي الذي لم يرتح بوتين لوجوده هو وجماعته على كرسي الحكم في مصر, وكان أول المعترفين بالسيسي ونظامه ولم يلتفت للدعوات المتعددة لنعت ماحدث بالانقلاب ضد رئيس شرعي منتخب, بل اعترف بشرعية ثورة 30 يونيو واستقبل السيسي في الكرملين وهو لم يزل وزيرا للدفاع استقبال الملوك والرؤساء, وفتح أبواب الترسانة العسكرية الروسية للجيش المصري للتزود بأحدث الأسلحة عندما فرضت واشنطن حظراً على توريد السلاح وقطع الغيار للجيش المصري عقب الإطاحة بالإخوان, ومازال بوتين يدعم مصر في المجال الاقتصادي بعد موافقته على إنشاء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء بمنطقة الضبعة وتحمل الجانب الروسي تكاليف البناء على أن يحصل عليها من تشغيل المحطة وتوليد وبيع الكهرباء , دون تحمل الجانب المصري أية أعباء.
وكانت إيطاليا من الدول الأوروبية القليلة التي سارعت بالاعتراف بنظام السيسي ولم تستجب للدعوات الأوروبية للتريث في إقامة علاقات مع النظام الجديد بحجة انتهاكه لحقوق الإنسان وعدم تلبيته للمعايير الأوروبية في حرية التعبير والتظاهر, وجمعت رئيس الوزراء الإيطالي بالسيسي علاقة قوية وكانت إيطاليا أول دولة أوروبية يزورها السيسي عقب توليه الحكم , وتفهمت إيطاليا دوافع مصر في تقييد بعض الحريات بسبب الوضع الأمني الملتهب وتربص الجماعات الإرهابية التي انطلقت من عقالها عقب سقوط الإخوان وأعلنت الحرب على الشرطة والجيش المصري, ملصقين بهما تهمة محاربة وإسقاط المشروع الإسلامي الوليد الذي بدأ أولى خطواته على يد محمد مرسي والإخوان بعد اعتلائهم السلطة عقب سقوط مبارك في 25 يناير.
فرضية المؤامرة لاتنفي التخبط والارتباك عن الحكومة والنظام الحاكم في مصر, الذي يصر على تكرار أخطائه وعدم الاستفادة من الدروس السابقة, ووقف عاجزاً عن إدارة الأزمات المتلاحقة, ففي أزمة سقوط الطائرة الروسية سارعت الحكومة المصرية بإلصاق التهمة بالعطل الفني وأصرت على إنكار وجود القنبلة وصممت على أن المطارات المصرية يستحيل اختراقها, ثم مع تصاعد الأزمة وإعلان الجانب الروسي وجود آثار انفجار القنبلة على أمتعة الركاب, بدأ الجانب المصري في تقديم التنازلات فسمح للمراقبين الروس بتفتيش ومراجعة إجراءات الأمن في المطارات المصرية ؛ على أمل رفع الحظر الروسي الذي مازال مستمراً حتى الآن ويكبد مصر خسائر بالمليارات , فضلاً عن فقدان آلاف العاملين لوظائفهم في المدن والمزارات السياحية.
نفس الأمر تكرر في أزمة “ريجيني” الذي عثر على جثته بداية الشهر الجاري ملقاة على جانب أحد الطرق الرئيسية شبه عارية وعليها آثار تعذيب شديد, عقب الإبلاغ عن اختفائه يوم 25 يناير الماضي , فقبل التحقق من أسباب اختفائه وملابسات مقتله, أعلنت السلطات المصرية أن وفاته نتيجة حادث سير, وعندما تصاعدت الأزمة وتسرب تقرير الطب الشرعي الذي يؤكد مقتل ريجيني نتيجة تعرضه للعنف والتعذيب تراجع الجانب المصري وسمح للمحققين الإيطاليين بالقدوم إلى القاهرة والمشاركة في التحقيقات والتحري عن أسباب القتل والجهة المسؤولة عن وقوع الحادث, وسط حملة إعلامية شرسة للإعلام الإيطالي ضد مصر ونظامها الحاكم, اُتهمت خلالها الشرطة المصرية باختطاف الشاب وتعذيبه حتى لفظ أنفاسه ومن ثم إلقاءه على قارعة الطريق.
وما زاد الطين بلة تنظيم معارضين للنظام في مصر لوقفة أمام السفارة الإيطالية بالقاهرة وسط عدسات المصورين ومندوبي وسائل الإعلام الإيطالية الذين حضروا إلى مصر لتغطية الحادث ـ وهم حاملين الورود والشموع ولافتات مكتوباً عليها “جوليا مننا واتقتل زينا”, واشتبك بعضهم في حوارات مع الصحفيين الإيطاليين ووجه دعوة للإيطاليين لعدم زيارة مصر لعجز النظام الحاكم عن توفير الأمن والسلامة وحسن المعاملة للمصريين والأجانب, هذه الدعوة غير المسؤولة التي تنم عن قصور في الحس الوطني والتباس شديد في رؤية الشباب الذي لم يفرق بين نظام يعارضه ويحاول إلحاق الأذى به وبين وطن يئن بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نتجت من عزوف السائحين عن زيارة مصر لأن من سيدفع ثمن هذا التشويه هو الشعب المصري.

إلى الأعلى