الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / يبيعون الهواء في برطمانات

يبيعون الهواء في برطمانات

أفاد مراسل إحدى القنوات العربية الناطقة باللغة الانجليزية من المملكة المتحدة ، بأن أسرة بريطانية في مقاطعة دوست جنوب غرب انجلترا ، تخصصت مؤخراً في جمع الهواء النقي من أعلى سفوح المناطق الجبلية في مواقع مختلفة بالمملكة المتحدة، ثم تعبئه في برطمانات لبيعه خارج البلاد بالصين مقابل ثمانين دولارا للعبوة الواحدة، موضحاً بأنهم باعوا حتى الآن أكثر من مائة عبوة، ويصنفون عبواتهم حسب الموقع الجغرافي الذي جمعوا منه الهواء سواء من يوركشاير أو سومرست أو دوست في الجنوب الغربي من البلاد، بل يطلقون على برطماناتهم صفة المنتجات الأصلية العالية الجودة كونها معبأة في الهواء الطلق.
بقراءة عابرة لهذا الخبر يمكن الوقوف على عدد من الدلالات، أولها أنها خطوة تشير إلى ارتفاع مستوى الوعي بأهمية البيئة النظيفة وضرورة البحث عن الهواء النقي لاستنشاقه في الصين، رغم أنه وعي جاء متأخراً بعد انطلاقة اقتصادية تميزت بتسارع مستويات النمو الاقتصادي لدرجة وضعت الصين في مصاف الدول ذات الاقتصاديات العالمية الكبرى، ألا أنها في الوقت نفسه بدأت تتأثر بالتداعيات السلبية لذلك التسارع في النمو الصناعي الملوث للبيئة بالصين.
وبالنتيجة، يمكن استخلاص رسالة هامة مفادها بأن التطلع لتحقيق مستويات عالية من التطور الاقتصادي في أي بقعة من الكرة الأرضية ينبغي أن يأخذ بفلسفة التنمية المستدامة التي تراعي حق أجيال المستقبل في الموارد بما فيها مكونات البيئة الطبيعية والحفاظ عليها وحمايتها من التلوث … لذلك يمكن القول بأن المنطقة العربية مازالت أمامها فرصة الحفاظ على اكسجينها الطبيعي، وذلك في حال كتب لها النجاح في النمو بمستوى التسارع الصيني الذي سرعان ما أحدث تحولا طبقيا واضحا في النسيج الاجتماعي الذي كان اشتراكيا قحاً فأسهمت الصناعة في توسيع قاعدة الطبقة الغنية فيه أي كما يسميها الاشتراكيون بالبرجوازية القادرة على شراء الهواء المعلب في البرطمانات.
أما الدلالة الثانية من مبادرة بيع الهواء في برطمانات، فهي كما تبدو بأنها مبادرة تؤكد على مواكبة العقلية التجارية الغربية لأحدث احتياجات ومتطلبات الإنسان المتطورة بحكم التطور الاقتصادي والاجتماعي المصاحب له في مختلف أنحاء العالم ، وذلك دون الانكفاء على التخصص في بيع سلعة محددة لامناص من تراجع أهميتها في السوق سواء كانت سلعة تكنولوجية مصنعة أو ميكانيكية أو استهلاكية أو مواد خام أولية وغيرها.
أما الدلالة الثالثة والأهم، فهي أن بروز هكذا مبادرة في أوروبا التي يفترض أنها موطن الصناعات الثقيلة التي بالضرورة أن هواء طبقاتها الجوية وبسبب انبعاثاته المصانة ليس افضل نقاء من الطبقات الجوية لأي مكان في المنطقة العربية أو الإفريقية ، فإن مجرد النجاح في تسويق الهواء المعلب في أوروبا لا يعني أقل من عجز العقلية العربية والإفريقية في الاستفادة من ما تحظى به بيئاتها الطبيعية من الكثير من الإمكانيات والفرص الكامنة.
وعليه فإن لم تتمكن المنطقة العربية والإفريقية ذات البيئة الطبيعية البكر من بيع الهواء المعلب في البرطمانات، فلماذا لا تنجح بامتياز في تسويق أعالي الجبال والمسطحات الخضراء والخيران والغابات وضفاف الأنهار وشواطئ البحار كإسطوانات أكسجين طبيعية غير محددة المساحات وغير محكمة القفل وغير قابلة للانفجار لأي سبب من الأسباب، لتتمكن بذلك من جلب الآلاف إن لم يكونوا الملايين من السياح من الصين وأوروبا وأميركا وغيرها من البلدان المتأثرة سلبا بالتطور الصناعي الذي أضر ببيئاتها وقلل من معدلات الأكسجين في طبقاتها الجوية ، بل وهدد من طبقة الأوزون بالكرة الأرضية على وجه العموم .

طارق أشقر كاتب صحفي سوداني

إلى الأعلى