الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عمل لكل خريج

عمل لكل خريج

السيد عبد العليم

”يمثل التعليم لكثير من الأسر مشروعا استثماريا فهي تستثمر في ابنائها من خلال الانفاق عليهم ومساعدتهم في تعليمهم ورعايتهم كالزرع، حتى يتخرج الابن أو البنت ويحصل على عمل مناسب، ويأتي اكله الطيب. اما ان يحدث بعد الاهتمام والرعاية الأسرية والانفاق وبذل كل غال ورخيص على الابن او البنت في مراحل التعليم حتى يتخرج، ثم لا يجد فرصة عمل، فإن المشهد يكون كئيبا…”

تعمل وزارة التعليم العالي جاهدة على ان يحصل كل خريج في مؤسسات التعليم العالي، الحكومي والخاص، على فرصة عمل في سوق العمل المتطور بشكل سريع ومتلاحق. وذلك من خلال تكليف تلك المؤسسات بتدريس التخصصات التي يحتاجها بالفعل سوق العمل واستحداث البرامج التي تلبيها. أي ربط مخرجات التعليم بسوق العمل.
وهذا امر بالغ الأهمية لأنه يصب في مصلحة كل الأطراف. وذلك لأن حصول الخريج على فرصة عمل مناسبة، تمثل انطلاقة له إلى المستقبل بروح من التفاؤل والأمل. ومن ثم يستكمل مسيرة حياته بشكل نافع له ولأسرته التي عقدت امالا كبيرة في ان يتخرج ويحصل على فرصة عمل يعول بها نفسه ويحقق من ورائها طموحاته واماله المستقبلية.
كما يمثل التعليم لكثير من الأسر مشروعا استثماريا فهي تستثمر في ابنائها من خلال الإنفاق عليهم ومساعدتهم في تعليمهم ورعايتهم كالزرع، حتى يتخرج الابن أو البنت ويحصل على عمل مناسب، ويأتي اكله الطيب. اما ان يحدث بعد الاهتمام والرعاية الاسرية والانفاق وبذل كل غال ورخيص على الابن او البنت في مراحل التعليم حتى يتخرج، ثم لا يجد فرصة عمل، فإن المشهد يكون كئيبا بالنسبة للطالب الذي افنى سنوات طويلة من عمره في التعليم والتحصيل متطلعا لتلك اللحظة التي تتكلل فيها جهوده بحصوله على عمل مناسب. وعندما لا يجد عملا بعد كل ذلك يشعر بالإحباط الشديد. وذلك لأن الرعاية الاسرية المالية وغيرها تكون قد توقفت عنه. وان لم تتوقف، يكون هو بذاته قد عزف عنها لأنه يشعر بأن عليه الاعتماد على نفسه وألا يستمر عبئا. وان يكون عنصرا ايجابيا وليس سلبيا في الاسرة. وقد يدفعه الإحباط من عدم تحصيل عمل إلى النظرة السلبية إلى المجتمع والدولة ككل. ويرى انها قد ظلمته وهضمت حقه في الحصول على العمل المناسب، مما يجعله في حالة نفسية غير طبيعية قد تجعله فريسة لاي افكار او سلوكيات غير سوية. فكما يقال فإن الفراغ قاتل لاسيما لمن هم في سن الشباب حيث الطاقة والحيوية والرغبة في العمل والعطاء. وعلى صعيد الاسرة تكون هي الاخرى محبطة لان عطاءها واستثمارها في ابنائها قد ذهب سدى.
وعلى صعيد الدولة، تكون تلك فرصة ضائعة من خلال ما انفقته على الطالب او الطالبة عبر سنوات تعليمه المختلفة دون ان تستفيد منه، وصار في النهاية طاقة معطلة أو مهدرة لم يستفد منها الوطن. وفي النهاية ينضم إلى فئة الباحثين عن عمل لسنوات ويحصل على اعانة حكومية بلا فائدة للدولة،لا سيما في ظل تردي الايرادات المالية جراء الانخفاض الكبير في اسعار النفط.
وحرصا على الاستفادة من العملية التعليمية وتوظيف مخرجاتها في الوجه الصحيحة بما يخدم مصلحة كل الاطراف، كان هذا التوجه والاهتمام من وزارة التعليم العالي في اشتراطها على جميع المؤسسات التعليمية تقديم دراسة حول احتياجات سوق العمل من البرامج واثبات الحاجة الفعلية لها. وذلك بغية مواكبة احتياجات سوق العمل من التخصصات المطلوبة، من خلال اعلان الوزارة عن طرح تخصصات جديدة في مؤسسات التعليم العالي سواء الحكومية او الخاصة تكون على مستوى التحديات المتسارعة في عالم يبحث عن الجديد في التخصصات التي يحتاجها سوق العمل. والذي دائما ما تضع الجهات المختصة نصب اعينها خلال طرحها لهذه التخصصات المواءمة بين العرض والطلب في سوق العمل من خلال دراسة ما يحتاجه من مخرجات تساهم في التنمية الشاملة في السلطنة.
فعلى صعيد كليات العلوم التطبيقية، فسوف تطرح خلال العام الدراسي القادم عدة تخصصات في برنامج ادارة الاعمال الدولية مثل ادارة سلاسل الامداد والتسويق والتأمين والبنوك والخدمات المصرفية، كما يجري دراسة طرح تخصصين جديدين في برنامج الهندسة: هندسة النقل وهندسة اللوجستيك.
وعلى صعيد الجامعات والكليات الخاصة، فقد قامت مؤسسات التعليم العالي الخاصة مؤخرا بطرح تخصصات إنسانية وعلمية متنوعة منها التخصصات الإدارية والتربوية والهندسية والصحية والعملية وما يخص تقنية المعلومات وتخصصات الآداب. وشهدت السنوات الأخيرة ظهور تخصصات جديدة تخدم سوق العمل المحلي. وتم هذا العام طرح تخصصات فريدة منها: بكالوريوس العلوم في العلاج الوظيفي وبكالوريوس العلوم في علاج النطق وبكالوريوس إدارة الفعاليات وبكالوريوس التسويق السياحي. كما بدأت هذا العام الجامعات الخاصة طرح برنامج دبلوم التأهيل التربوي في التخصصات التالية: التربية الإسلامية، واللغة العربية، والعلوم (الرياضيات، الكيمياء، الفيزياء، الأحياء)، واللغة الإنجليزية.
وبالطبع فإن اختيار وطرح تخصصات جديدة يتم عبر معايير واعتبارات تضعها وزارة التعليم العالي. فعلى صعيد كليات العلوم التطبيقية، ثمة إجراءات يتم القيام به من قبل الجهة المعنية في الوزارة تتمثل في اجراء مراسلات رسمية مع مختلف القطاعات الحكومية والخاصة المرتبطة بالتخصص المقترح طرحه. وعقد اجتماعات مع المختصين من تلك القطاعات الذين من المتوقع استيعابهم لمخرجات ذلك التخصص. وتفادي ازدواجية طرح التخصصات في المؤسسات الأكاديمية. واستحداث تخصصات دراسية تحمل ميزة تنافسية تعكس الاستراتيجية العامة لكليات العلوم التطبيقية والسياسات المعتمدة وفق الخطة الاستراتيجية من حيث آليات طرح وتطوير التخصصات الدراسية.
وعلى صعيد سوق العمل المتغير، عادة ما يكون هناك تخصصات اكتفى منها السوق. وبالتالي لم يعد هناك حاجة للمزيد منها وعدم توفر فرص عمل لخريجيها. وهنا تقوم الوزارة بتوجيه الجامعات والكليات الخاصة التي تدرس تلك التخصصات بوقف مثل هذه البرامج.
وبالنسبة لكليات العلوم التطبيقية، ففي حال زيادة عدد المخرجات في تخصص ما وعدم استيعابهم بشكل كبير في سوق العمل يتم تدريجيا تقليل عدد الطلاب الذين يتم استيعابهم في هذه التخصصات. ثم ان هذه الكليات تعمل ـ كما يرى القائمون عليها ـ على ان يكتسب الطالب المهارات العملية التي تجعله مؤهلاً في أي قطاع مهني بغض النظر عن تخصصه ايمانا بأن المهارات والقدرات العملية التي يكتسبها هي ما تمنحه فرصا أكبر في قطاع سوق العمل على أمل أن تتكيف آليات التوظيف في المؤسسات وفق مهارات الطالب وقدراته العملية وألا تقتصر على مسمى تخصصه فقط. فهناك حالات كثيرة يبرع فيها الخريج في تخصصات ومجالات ربما تختلف عن مسمى تخصصه. ومن ثم تكون الحاجة هنا إلى تقييم الخريج على اساس ما يجيده وليس فقط على ما يحمله من شهادة.
في الواقع فإن هذه رؤية عملية من قبل الوزارة تبصر واقع سوق العمل ومستقبل الطالب وتوقعات الاسرة ومصلحة البلد من خلال ضبط ايقاع التفاعل بين كل تلك العناصر بما يخدم المصلحة العامة في النهاية. وان كان الأهم في ذلك هو المتابعة الجادة والمتواصلة في تحقيق وتنفيذ ذلك. إذ ليس العبرة بطرح أفكار ورؤى وخطط، بل الأهم هو التنفيذ والمتابعة والرقابة المستمرة.
كما يجب ان يتم تكثيف الاهتمام بالابحاث العلمية والعملية التي يقوم بها الطلبة مثل مشاريع التخرج وغيرها. وكذلك ابحاث الدراسات العليا وان تكون ابحاث مشروعات تخدم البلد بالفعل. وان يتم الاهتمام بها من خلال تبني الابحاث الجيدة والاختراعات والابتكارات والسعي الحقيقي إلى الاستفادة منها. والا يقتصر الامر على الحصول على الدرجات والتقديرات ثم تطوى وتحبس في الادراج. وذلك كي تعم الفائدة ويكون غدا أكثر إشراقاً.

إلى الأعلى