الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / يهود الولايات المتحدة والتَمَثّل والإندماج

يهود الولايات المتحدة والتَمَثّل والإندماج

علي بدوان

”ان الغطرسة “الاسرائيلية” أصبحت مثار نقد حاد وجدي عند قطاعات مهمة من الشعب الأميركي بما فيها بعض القطاعات اليهودية، وهو ما أشرت عليه الأحداث التي وقعت داخل الجماعة اليهودية الأميركية نفسها والذي جسدته واقعة التحولات داخل الشبيبة اليهودية، فالمنظمات اليهودية لم تَعُد تُعَبّر عن الأغلبية من قطاعات الشباب اليهود.”

يستطيع المراقب والمتابع لأحوال التجمعات اليهودية داخل الولايات المتحدة الأميركية أن يلحظ وجود تحول ما ولو كان بطيئاً داخل هذه الكتلة السكانية التي تشكل جزءاً أساسيًّا وفاعلاً من المجتمع الأميركي. والتحول المشار إليها هو تحول سياسي بالدرجة الأولى من حيث علاقة اليهود هناك مع “إسرائيل”، أو لجهة تراجع منسوب الهجرة الاستيطانية الكولونيالية اليهودية من الولايات المتحدة باتجاه فلسطين المحتلة.
إن أعداد اليهود في الولايات المتحدة، بقيت ثابتة بشكل تقريبي، وطرأ عليها انخفاض بسيط في بعض المناطق من الولايات الأميركية، أو في بعض دول أوروبا الغربية حيث يتواجد في المنطقتين ما يقارب (5,6) منهم نحو (490) ألفا في فرنسا، و(295) ألفا في بريطانيا ونحو (120) ألفا في ألمانيا. أما في استراليا ونيوزيلندا فقد طرأ ارتفاع في عدد اليهود حيث بلغ وفق إحصاءات الوكالة اليهودية المنشورة قبل فترة نحو (111) ألفا مقابل (70) ألفا في العام (1970). ومقابل الانخفاض في عدد اليهود الذين يعيشون في العالم، تضاعف عدد السكان اليهود في “إسرائيل” منذ العام 1970، التي باتت تضم نحو (43%) من إجمالي السكان اليهود في العالم.
وبالطبع فإن أحد أسباب انخفاض عدد يهود في الولايات المتحدة وأوروبا، يعود للهجرة التوسعية الاستيطانية إلى فلسطين المحتلة، ولكن هناك أسباباً قطعية جديدة بدأت تتحدد بالنسبة ليهود أوروبا والولايات المتحدة الذين لم يعودوا يرون بأن إسرائيل نقطة اجتذاب لهم، كذلك باقي يهود العالم، حيث برز على السطح وبقوة عامل الزيجات المختلطة والاندماج وهو ما يعرف بـ (التمثل والاندماج)، فقد بلغ معدل التمثل في الولايات المتحدة نحو (50%)، وفي غرب أوروبا نحو (45%)، وهو ما يمثل ازدياد ميل اليهود للاندماج في مجتمعاتهم الأصلية وفي المحيط الذي يعيشون فيه.
ومن هنا فإن (50%) من يهود الولايات المتحدة متزوجون زواجا مختلطاً، كما تشير المعطيات إلى أن (50%) من الشباب اليهودي في الولايات المتحدة لا يهمهم مصير إسرائيل، بينما نجد أن نسبة (20%) فقط من يهود دول الاتحاد السوفييتي السابق يحافظون على المضامين اليهودية.
وفي حقيقة الأمر، فإن الميل الشديد للزواج المختلط بين يهود الولايات المتحدة، أدى فيما أدى إليه إلى تراجع الشعور بالانتماء والأهمية بالنسبة “لإسرائيل” خصوصاً لدى الأجيال الشابة من اليهود، الأمر الذي اعتبره البعض مؤشراً على اضمحلال الجمهور اليهودي المؤيد والداعم لـ “إسرائيل” في الولايات المتحدة الأميركية.
ان المتتبع لشؤون المواطنين اليهود من أبناء ومواطني الولايات المتحدة يلحظ حصول تحولاً دراماتيكيًّا ولو محدوداً في مواقف اليهود الأميركيين من الدولة الصهيونية خصوصاً بعد الحرب العدوانية البشعة التي شنت على قطاع غزة أواخر العام 2008 وأوائل العام 2009، والتي استخدمت فيها “إسرائيل” قوة نارية ساحقة وغير متكافئة ضد مدنيين عزل في معظمهم. وهذا التحول له طابعه وبعده السياسي المباشر في الموقف من “إسرائيل”، كما له أبعاداً مهمة في عزوف تلك القطاعات اليهودية عن منطق الدعم الأعمى “لإسرائيل” وهو المنطق الذي اعتادت عليها طوال العقود الماضية من الصراع العربي والفلسطيني مع “إسرائيل”، وهو ما أدى إلى تراجع انسياب الهجرة الاستيطانية من قبل يهود الولايات المتحدة باتجاه فلسطين المحتلة، علماً بان يهود الولايات في حال قدومهم لفلسطين والاستيطان بها يحافظون على جنسيتهم الأميركية، وهو أمر يخفي وراءه حقيقة شعورهم الباطني، بأن استيطانهم في فلسطين غير شرعي ولا بد من زواله في نهاية المطاف.
ان الغطرسة “الإسرائيلية” أصبحت مثار نقد حاد وجدي عند قطاعات مهمة من الشعب الأميركي بما فيها بعض القطاعات اليهودية، وهو ما أشرت عليه الأحداث التي وقعت داخل الجماعة اليهودية الأميركية نفسها والذي جسدته واقعة التحولات داخل الشبيبة اليهودية، فالمنظمات اليهودية لم تَعُد تُعَبّر عن الأغلبية من قطاعات الشباب اليهود. وبالطبع فإن القول إياه لا يعني البتة بأن هناك تحولاً أو انقلاباً جذرياً في مواقف يهود الولايات المتحدة من “إسرائيل”.
فمنذ السبعينيات من القرن العشرين، حدث تحول مهم في أداء تلك المنظمات وتوجهها الأيديولوجي، ففي الوقت الذي ظل فيه اليهود الأميركيون من أكثر الجماعات الأميركية ليبرالية، أي على يسار الساحة السياسية، انجرفت أغلب تلك المنظمات بشكل مُطّرد نحو اليمين، بل صارت مع الوقت بوقاً لليمين “الإسرائيلي” تُدافع عن سياساته التي يَرفضها أغلب اليهود الأميركيين، والهوة التي تفصل المنظمات الصهيونية عن بعض قطاعات اليهود الأميركيين العاديين تبدو أكثر وضوحاً في حالة الشباب. فقد أثبتت الدراسات المختلفة أن شباب اليهود أكثر استقلالية في مواقفهم وأكثر جرأة في التعبير عن مواقفهم غير المبالية بالدولة العبرية الصهيونية.
ان ما ذهبنا اليه يأتي في سياقات تحليلية لتوضيح حقيقة واقعية، مفادها بأن يهود الولايات المتحدة ليسوا كتلة جامعة مانعة، وأن الحراكات والتحولات بدأت تدب بين جموعهم وان ما زالت تسير ببطء.
وعلى هذا الأساس، فإن قطاعات من الشبان اليهود الأميركيين باتت تشعر اليوم أكثر فأكثر باللا مبالاة حيال بلد كان في قلب “الهوية اليهودية” طوال العقود الماضية، وقد بلغت احتجاجاتهم على “إسرائيل” وسياساتها، ذروتها مع انعقاد المؤتمر الوطني الأول للوبي الإسرائيلي الإصلاحي “جي ستريت” في أواخر تشرين الأول/اكتوبر 2009. وهي التي أضحت في مواجهة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية المسماة بـ (أيباك). ومن هنا فإن “جي ستريت” تبدو الآن وكأنها ثورة مخملية في أوساط اليهود الأميركيين، بالرغم من استمرار “الايباك” في نشاطها المعتاد داخل أروقة مواقع القرار والنفوذ في الولايات المتحدة.
وبالنتيجة، ان قوة الجذب “الإسرائيلية الصهيونية” تتراجع لدى قطاعات الشباب اليهود في الولايات المتحدة، وهو ما يمكن ملاحظته أساساً من تراجع مركز الولايات المتحدة عن كونها خزاناً للطاقة الكامنة للهجرة اليهودية إلى فلسطين، فقد جاء منها في العام (2007) على سبيل المثال نحو (2,600) يهوديًّا فقط، كذلك فإن المستودع الروسي أخذ بالنضوب منذ عدة سنوات، فيهود الاتحاد السوفييتي سابقا، والذين اعتبروا كمصدر كامن كبير لتعزيز الانقلاب والتحول الديمغرافي على أرض فلسطين التاريخية، كفوا عن الهجرة، ليصل من هذا المصدر نحو (6,600) يهودي فقط إلى إسرائيل عام (2007) على سبيل المثال، حيث ترى الوكالة اليهودية أن هناك أسباباً إضافية لما سبق وأن تمت الإشارة اليه أعلاه خصوصاً بالنسبة لقطاعات الشباب اليهود، ومن تلك الأسباب الإضافية، وجود الحياة المريحة التي يعيشها غالبية اليهود في الخارج دافعاً لهذه المواقف حيث إن (90%) من اليهود في العالم يعيشون في بلاد مستواهم المعيشي فيها أعلى من المستوى المعيشي في إسرائيل، مثل الولايات المتحدة ومن ثم فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية. بل وأضحت إسرائيل من وجهة نظر بعض القطاعات اليهودية الثرية في العالم، دولة من الخطر العيش فيها ووجودها موضع شك، بينما يعتبرها البعض الآخر من اليهود، بلاد لجوء لحين الضائقة، فزالت عند قطاعات من اليهود الصفة التي كانت ترى “إسرائيل” نفسها فيها، وتستند إليها في تحشيد اليهود وراءها كموطن السلامة اليهودية أو “أرض الميعاد”.

إلى الأعلى