الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ريتشارد فولك والكفاح المسلح…والسلطة!

ريتشارد فولك والكفاح المسلح…والسلطة!

د. فايز رشيد

”ريتشارد فولك ليس فلسطينيا ولاعربيا, هو مجرد مبعوث للأمم المتحدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان في فلسطين. هذا الرجل ذو الضمير, يقول الحقائق مجردة كما هي, دون لسان صهيوني, اعتبره الكيان عدوا “للسامية” رغم أن اليهود, مثلما أكدنا سابقا, لا يمتون للسامية بصلة, لا من قريب أو بعيد!! الكيان لم يُبق وصفا سيئا إلا وألصقه بفولك, على طريقة شايلوك.”

النقد للسلطة الفلسطينية لا ينبع من الهواية في توجيه الانتقاد لها, وإنما في مجمل السياسات التي تنتهجها تنفيذا لاتفاقيات أوسلو المشؤومة, التي لم يقصد منها الكيان سوى أن تكون السلطة وكيلا أمنيا لاحتلاله. إسرائيل لا تعترف بأي من الحقوق الفلسطينية, وهي ممعنة في استيطان الأرض الفلسطينية ومصادرتها. موغلة في اقتراف المجازر والإعدامات الميدانية بحق شعبنا بمختلف فئاته العمرية. ماضية في تهويد القدس ومنطقتها! تعلن جهارا أن لا دولة فلسطينية ستقام بين النهر والبحر غير دولة إسرائيل. السلطة الموقرة رغم كل هذا الوضوح الصهيوني , تؤكد مرارا من خلال رئيسها: أن لا استراتيجية لها غير استراتيجية المفاوضات مع إسرائيل! رغم أن الكيان قد يطيل مفاوضات العبث واللا جدوى خمسين سنة قادمة, مثلما سبق وأن وعد شامير على هامش مؤتمر مدريد! لا بل يتفاخر رئيس جهاز أمني فلسطيني بأن جهازه (المخابرات الفلسطينية) أحبطت ما يزيد على 200 عملية ضد الكيان, ويوافقه رئيسه! أليس الأمر يدعو إلى المسخرة المرة؟ بالله عليكم كيف يمكن لكاتب فلسطيني أو عربي أن يضبط أعصابه أمام هذه المسرحية التراجيدية البالغة القسوة؟.
ريتشارد فولك ليس فلسطينيا ولاعربيا, هو مجرد مبعوث للأمم المتحدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان في فلسطين. هذا الرجل ذو الضمير, يقول الحقائق مجردة كما هي, دون لسان صهيوني, اعتبره الكيان عدوا “للسامية” رغم أن اليهود, مثلما أكدنا سابقا, لا يمتون للسامية بصلة, لا من قريب أو بعيد!! الكيان لم يُبق وصفا سيئا إلا وألصقه بفولك, على طريقة شايلوك. لنستمع لما يقول في مقالة له كتبها تحت عنوان “الإشكاليات المعقدة لمسألة التمثيل الفلسطيني” (3 فبراير 2016 “ذا بالستاين كرونيكل). جدير ذكره أنه عمل كمقرر خاص للأمم المتحدة لشؤون فلسطين المحتلة، بين العامين 2008 و2010. فولك يقول:
“توقعت تماماً مواجهة معارضة تشهيرية لعملي من إسرائيل والصهاينة المتشددين. لكن ما فاجأني في ذلك الوقت كانت الجهود الحثيثة التي بذلتها السلطة الفلسطينية لتقويض دوري في مجلس حقوق الإنسان في جنيف. وقد مارس ممثلها ضغوطاً مختلفة لتشجيع استقالتي، وقام بتحركات غير متوقعة للطعن في تقاريري. في ذلك الوقت، تشكل لدي الانطباع بأن السلطة الفلسطينية كانت أكثر اهتماماً بالصراع الداخلي في داخل الحركة الفلسطينية, منها في الاهتمام بتوجيه نقد جدي للطبائع المسيئة, التي ينطوي عليها الاحتلال. وبينما كنت أبذل قصارى جهودي نيابة عن الأمم المتحدة للإبلاغ بأمانة عن الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية, وفق القانون الدولي الإنساني ومعاهدات حقوق الإنسان”! ويستطرد قائلا “أصابتني الحيرة في البداية، ثم شرعت في التساؤل عما إذا كان الشعب الفلسطيني ممثَّلاً بشكل مناسب على المسرح العالمي”. تصوروا أن يصل هذا المبعوث الاممي إلى هذا الحد من الصراحة, ففي الوقت الذي كان يتوجب على السلطة مباركة جهوده, نراها وقد طعنته في الظهر! يتذكر الكثيرون تهكم غولدا مائير الشهير: “من هم الفلسطينيون؟”….. يذكرنا فولك بالتساؤل هذا, في إشارة إلى استحالة قبول الكيان بالحقوق الفلسطينية ما لم يجر إجباره على ذلك”. ويستطرد في مقالته متابعا: “من بين العقبات العديدة التي تواجه الشعب الفلسطيني، ثمة غياب أي خط واضح للتمثيل، بل وحتى قيادة سياسية تحظى باحترام واسع النطاق، على الأقل منذ وفاة ياسر عرفات في العام 2004. ومن منظور الأمم المتحدة، فضلاً عن الدبلوماسية بين الحكومات، فإن هذه القضية المتعلقة بالتمثيل الفلسطيني تعامل على أنها ليست مشكلة أصلاً. فالأمم المتحدة تقبل بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، على الرغم من أن واقع الحكم الفلسطيني قد آل إلى السلطة الفلسطينية منذ تم تأسيس دبلوماسية أوسلو في العام 1993. وهناك انقسام مماثل قائم بين الشكلية القانونية وبين السلطة الفعلية في الدبلوماسية الدولية، على الرغم من أن معظم الـ130 حكومة أعلنت اعترافها بمنظمة التحرير لفلسطينية، وليس بفلسطين، وعلى الرغم من أن دور السلطة الفلسطينية يصبح أكثر هامشية باطراد في تشكيل السياسة الفلسطينية الوطنية والدولية في السنوات الأخيرة. ومنذ منحت الجمعية العامة اعترافها بإقامة دولة فلسطينية في العام 2012، تم حسم مسألة التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة في إطار الأمم المتحدة (بمنطوق القرار 67/19، 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012).
وحول السلطة التي يرأسها عباس يقول فولك: إنها منشغلة بشكل أساسي بالضفة الغربية وبأهميتها السياسية الخاصة، كما أنها بدت متحالفة بشكل غريب مع إسرائيل فيما يتعلق بمصير غزة، وحتى مصير 5 إلى 7 ملايين لاجئ فلسطيني منتشرين في كل أنحاء العالم. وعلى العكس من ذلك، تُفهم منظمة التحرير الفلسطينية، على الأقل في تكوينها الذي كانت عليه إلى أن تولت دبلوماسية أوسلو زمام الأمور – وكذلك في الممارسة العملية – في إطار دورها باعتبارها الممثل للفلسطينيين القادمين من طيف متفارق من الانتماءات السياسية، وسواء كانوا يعيشون تحت الاحتلال أو كلاجئين أو منفيين – أي كشعب مقتلع، بدلاً من تمثيل منطقة تخضع لاحتلال استبدادي وقمعي”.
وحول فشل أوسلو يكتب فولك: “كان من بين عيوب عملية أوسلو، تأكيدها على وهم, أنه يمكن تحقيق سلام مستدام ببساطة عن طريق التفاوض, وإنهاء احتلال الضفة الغربية، وربما غزة والقدس الشرقية. ثم سيُنظر إلى بقايا الأراضي التي ستُترك بعد الانسحاب الإسرائيلي على أنها فلسطين، كدولة شبه سيادية في داخل تلك الحدود التعسفية. لكن هذا الحل القائم على فكرة “الدولتين” والذي يتمتع بالإجماع الدولي، وحتى بعد موافقة منظمة التحرير عليه في العام 1988 وعلى الرغم من الحوافز الإقليمية التي منحتها مبادرة السلام العربية لإسرائيل في العام 2002، تم قتله فعليًّا بمزيج من رفضوية الدبلوماسية الإسرائيلية، وعنادها الذي لا هوادة فيه. هذا الرفض الإسرائيلي لخيار الدولتين، الذي شكل في ذاته من وجهة النظر الفلسطينية مجرد نسخة الحد الأدنى من السلام على أكثر تقدير، تجلى على مدى السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من خلال زيادة سكان المستوطنات، وتأسيس بنية تحتية هائلة من الطرق الالتفافية المقصورة على استخدام المستوطنين، ومن خلال بناء جدار فصل هائل يمر عميقاً في داخل فلسطين المحتلة. ومع ذلك، فإن أكثر من 20 عاماً من المفاوضات في هذا الإطار خدمت إسرائيل جيداً، وكذلك فعل الوهم المقيم بأن التسوية الوحيدة القابلة للتطبيق هي تنفيذ حل الدولتين”.
يتوجه فولك إلى السلطة. متسائلا: “مع ذلك، ثمة المزيد من الأسباب الإضافية لمساءلة تمثيل السلطة الفلسطينية للشعب الفلسطيني في الوضع الحالي. وربما يكون الأكثر أساسية من بين كل هذه الأسباب هو الدرجة التي قبلت بها السلطة الفلسطينية بلعب دور توفير الأمن بالتوافق مع السياسة الإسرائيلية في داخل تلك الأجزاء من الضفة الغربية التي تقع تحت سيطرتها، والتي تشمل المدن الرئيسية. وبذلك، يكون من غير المفاجئ أن تقوم رام الله بقمع العديد من أنشطة المقاومة اللا عنفية للفلسطينيين، بما في ذلك التظاهرات التي تدعم شعبها المحاصر في غزة. وكذلك، تقوم السلطة الفلسطينية باعتقال المناضلين الفلسطينيين، وهي متهمة بممارسة التعذيب في حق الكثيرين من أولئك المعتقلين في سجونها، من دون توجيه تهمة في كثير من الأحيان. كما مالت السلطة الفلسطينية باستمرار في اتجاه الجانب الإسرائيلي كلما ظهرت قضايا تتعلق بغزة. وربما كانت ذروة هذا السلوك التعاوني قد تجلت في الجهود التي بذلتها السلطة الفلسطينية لتأجيل النظر في أدلة تقرير غولدستون المفصلة على إجرام إسرائيل, في سياق هجومها في العامين 2008-2009 (عملية الرصاص المصبوب) على غزة”.
يخلص فولك في السؤال عما يُقتضى عمله إلى القول: “لقد أوضحت القيادة الإسرائيلية بما لا يقبل الشك أنها لن تسمح أبداً بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وتتمتع بسيادة حقيقية.
أعتقد أن هناك في أوساط فلسطينيي الشتات تقديرا متزايدا بأنه لا السلطة الفلسطينية ولا حماس قادرتان على الاضطلاع بمثل هذا التمثيل. الفلسطينيون بحاجة إلى وجود قادة حازمين وغير مستعدين لتقديم تنازلات، المطلوب: برنامج لتحقيق سلام مستدام، والذي يكون وفياً لتطلعات كل الشعب الفلسطيني، والذي لا يتم اختراقه بتمويلات المانحين، أو بالضوابط الإسرائيلية، أو المواقف التعاونية، أو الأولويات الجيوسياسية. وينبغي أن تتحمل القيادة بجدية مسؤولية تمثيل الشعب الفلسطيني بطرق تمتد لتشمل اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، والأقلية المكونة من 1.6 مليون نسمة ممن يعيشون في إسرائيل، وكذلك أولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال منذ العام 1967″.
أبعد هذا يكون كلاما؟ أقسم: لولا دبلوماسية فولك ومنصبه في الامم المتحدة, لخاطب الفلسطينيين قائلا: لن تستطيعوا نيل حقوقكم إلا بالكفاح المسلح. شكرا فولك.

إلى الأعلى