الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لا باردة ولا ساخنة!

لا باردة ولا ساخنة!

د. أحمد مصطفي

”ربما كان لدى مدفيديف مبرر في إطار التنافس الروسي الغربي للإشارة إلى الحرب الباردة، خاصة وروسيا لم تهضم بعد انهيار حلف وارسو بينما حلف الناتو يتوسع نفوذا. لكن لا يتصور أن من يتحدثون بالعربية عن حرب باردة يقصدون روسيا والغرب، ولا الحديث عن حرب بالوكالة يعني أن القوتين الإقليميتين المتنافستين في سوريا (إيران والسعودية) تتصارعان بالنيابة عن قوى كبرى.”

لم يكن تصريح رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف عن “حرب باردة” في سوريا بالمرة الأولى التي يستخدم فيها المصطلح لوصف ما يجري في هذا البلد العربي الممزق بنيران مختلفة. لكن أن يأتي الوصف على لسان مسؤول كبير بدولة كبيرة فهذا هو الجديد، حتى وان كان في سياق انتقاده التدخل الغربي في سوريا على أنه قد يصل إلى حد “الحرب الباردة”. ومنذ التدخل العسكري الروسي في سوريا بقوة العام الماضي، وكثير من المحللين والمعلقين يستخدم هذا التعبير لوصف الحرب في سوريا حتى إن كارثة داعش والتنظيمات الإرهابية تكاد تختفي أحيانا ويتركز الاهتمام الإعلامي بصراع القوى على الأرض السورية. واستخدم آخرون “الحرب بالوكالة” في وصف ما يجري على أنه صراع بين قوتين تقوم به جماعات وقوات على أرض سوريا.
ربما كان لدى مدفيديف مبرر في إطار التنافس الروسي الغربي للإشارة إلى الحرب الباردة، خاصة وروسيا لم تهضم بعد انهيار حلف وارسو بينما حلف الناتو يتوسع نفوذا. لكن لا يتصور أن من يتحدثون بالعربية عن حرب باردة يقصدون روسيا والغرب، ولا الحديث عن حرب بالوكالة يعني أن القوتين الاقليميتين المتنافستين في سوريا (إيران والسعودية) تتصارعان بالنيابة عن قوى كبرى. بل الواقع أن القوة الكبرى الرئيسية في العالم، الولايات المتحدة، ليست معنية كثيرا بالصراع في سوريا في اطار “فك الارتباط” الذي تعتمده منذ سنوات. وإذا كانت السعودية ترتبط بعلاقات قوية مع أميركا، فإن إيران وروسيا ليستا بالحليفتين بالقدر الذي يجعل احداهما تقاتل بالوكالة عن الأخرى. أما أن تشير الحرب الباردة إلى تنافس سعودي إيراني، فهذا ممكن لكن لأن “الوكالة” هنا جماعات وقوات فإنها لا تعتبر حربا باردة، بل ساخنة نسبيا (بالنسبة لحجم القوى المتنافسة ووكلائها).
لكن هذا الافتراض الأخير لا يصمد كثيرا أمام واقع الحال في سوريا، التي تتنازع كيانها، وسلامة أراضيها ودماء شعبها وأرواحه، قوى متعددة تتقاطع مصالح بعضها أحيانا وتتنافر أحيان أخرى إنما تجمع كلها على قتل الشعب السوري وتمزيق بلده وتشريد الملايين منه لاجئين في الخارج ونازحين في الداخل. فربما كان الطرف الإقليمي الأكثر تأثيرا والذي لعب ويلعب الدور الأكبر في هذه الحرب المدمرة هو تركيا. ففضلا عما لتركيا من مطامع في سوريا، هناك المشكلة الكردية التي تخشاها تركيا وتتعامل معها بقسوة دموية. حتى ما يتصوره بعض السذج، الذين يستهلكون دعايات إعلامية محكمة، من أن القيادة التركية إنما تدعم “المجاهدين رافعي لواء الدين” في وجه نظام سوري قمعي ليس إلا انتهازية مؤقتة لتحقيق مطامح أخرى. ولربما لو تمكنت أنقرة من تحقيق مطامعها لكانت أول من يعمل على التخلص من هؤلاء المقاتلين الذي تساعدهم وتفتح لهم حدودها ليعيثوا فسادا ووحشية في العراق وسوريا.
كل هؤلاء المقاتلين والمتدخلين في سوريا إنما يفعلون ما يفعلون بدعوى أنهم يحسنون صنعا، وأنهم لا يسعون سوى إلى “حرية الشعب السوري ومساعدته على بناء حياة حرة كريمة بكل أطيافه وعلى كامل أراضيه”!!! وربما كان هذا الشعار هو آخر هم كل الأطراف المتحاربة في سوريا وكل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في هذه الحرب الأهلية. وما يجري في سوريا، وإن كان حربا، فلا هي باردة ولا هي ساخنة ـ إنما هي صراع ممتد لا يتوقف ولا يشتعل أكثر يبقي على البلاد ممزقة والشعب منكوب في وضع اسوأ مما عليه الحال في ليبيا والعراق مثلا.
لقد وصل الصراع في وعلى سوريا، بكل تعقيداته وتعدد أطرافه، حدا لم يعد ممكن معه تصور أي حل يعيدها بلدا ويعيد شعبها إلى أرضهم وبيوتهم. لا تسوية ولا توافقات القوى الدولية أو الإقليمية على حلول وسط أصبحت بإمكانها وقف منحى الانهيار في هذا البلد. تحولت سوريا للأسف إلى بؤرة من الصراع الممتد منخفض الكثافة في شكله الفج، الذي يبرد أحيانا ويسخن أحيانا لكنه يظل لا بارد ولا ساخن. ولن يكون أمام كل القوى الفاعلة في هذا الصراع، والإقليمية منها بخاصة، سوى أن تعمل على مواجهة “انسكاب” هذا الصراع نحوها بشكل أو بآخر. وهنا، مرة أخرى، ربما تكون تركيا أكبر المتضررين من هذا الصراع ليس لاشتراكها في الحدود مع سوريا فحسب بل كذلك لعلاقاتها المعقدة والمريبة بالجماعات الإرهابية وأطراف الصراع الإقليمية والدولية.

إلى الأعلى