الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: (جنسنة) عمليات حفظ السلام .. لماذا؟

في الحدث: (جنسنة) عمليات حفظ السلام .. لماذا؟

طارق أشقر

فجرت الأمم المتحدة أمس الأربعاء مرة أخرى قضية التجاوزات الأخلاقية لبعض الجنود العاملين تحت شعارها في قوات حفظ السلام الذين ترددت اتهامات ومزاعم بارتكابهم اعتداءات جنسية ضد الأطفال في جمهورية افريقيا الوسطى، حيث دعت المنظمة إلى اجراء تحقيق عاجل وموسع في هذا الأمر في ظرف عشرة أيام فقط.
وكانت الأمم المتحدة قد أكدت ورود تسعة وستين بلاغاً عن جرائم اعتداءات جنسية ارتكبتها قوات حفظ السلام التابعة لها في مواقع مختلفة في العالم خلال عام 2015 بينها، اثنان وعشرون حالة في جمهورية افريقيا الوسطى، مما دفع بأمينها العام بان كي مون إلى التصريح في قمة الاتحاد الأفريقي باديس ابابا الشهر الماضي بقوله “ان الامم المتحدة تشعر بالخجل والفزع من استغلال قوات حفظ السلام للضعفاء”.
ان اولئك الضعفاء بجمهورية افريقيا الوسطى الذين استغلهم جنود حفظ السلام من (جنسيات مختلفة)، هم في الواقع ضحايا صراع قبلي على السلطة والثروة في تلك الدولة الحبيسة في وسط افريقيا والتي تحدها مجموعة دول هي تشاد والكونجو والكاميرون وجنوب السودان، حيث يدور صراع كامن بين اكبر قبيلتين فيها هما قبيلة (رونغا) وقبيلة (انديلي) اللتان تعتبران المكون الأساسي للتركيبة الديموجرافية التي يفوق عددها الاربعة ملايين نسمة و17% منهم مسلمون.
وقد أضعف استقرار قاطني تلك المنطقة الكثير من العوامل الجيوسياسية التي ابتليت بها جمهورية افريقيا الوسطى بحكم موقعها الجغرافي في منطقة ملتهبة، فأصبحت مرتعا للكثير من الجماعات المسلحة الزاحفين إليها من دول الجوار الإفريقي مثل مسلحي جيش الرب الاوغندي، مع وجود بعض عناصر المعارضة المسلحة من دولة جنوب السودان، واعداد كبيرة من الثوار التشاديين، بالإضافة إلى تواجد جماعات مسلحة من شمال مالي … كل هذا التواجد المتمرد إلى جانب الصراع على السلطة بالدولة ادى إلى ارسال الامم المتحدة لقوات لحفظ السلام هناك، غير انه سلام كما يبدو منقوصا وغير محفوظاً فاستبدل الحروب العسكرية القاتلة في الحال إلى حروب نفسية مدمرة سببها الممارسات غير الأخلاقية (لبعض) الجنود الأممين المنفلتين، مما يؤدي بالضرورة إلى تقتيل نفسي بطيء ومدمر للاطفال المحليين هناك.
كيفما كان الواقع السياسي او الديموجرافي او العسكري لجمهورية افريقيا الوسطى او غيرها من المواقع التي تحتاج إلى تدخل قوات حفظ سلام تابعة للمنظمة الدولية، يبقى السؤال الأهم هو لماذا (جنسنة) العمليات الإنسانية الأممية، بمعنى ما الداعي للانحراف بالأهداف الانسانية لعمليات حفظ السلام الأممية والانزلاق بها نحو الاعتداءات الجنسية غير الأخلاقية ضد الأطفال والنساء؟ .
ان خطورة هذا النوع من السلوك تكمن في انه سلوك مشوه لأعظم دور انساني تقوم به المنظمة الاممية الا وهو اغاثة ودعم المهددين بالحروب ومساعدتهم على الاستمتاع بحق الحياة، وليس الاستمتاع بهم واستغلالهم. حيث يبدو ان الامانة العامة للمنظمة استدركت هذه الخطورة فحددت سقفا زمنيا عاجلا للتحقيق في هذه القضية الأخلاقية المخجلة.
وبما ان الصراعات بين مجموعات المصالح المتعارضة في مختلف بقاع الكرة الأرضية ليس لها نهائيات منظورة، ولأهمية وجود قوات حفظ السلام والحاجة لها من وقت لآخر، يكون الأجدر بالمنظمة الدولية اعادة النظر في كيفية تكوين تلك القوات التي يتم تجميعها حاليا وفق الحاجة وممن (تبرع) ومن ثقافات مختلفة، حيث ينبغي على الأمم المتحدة البحث بجدية في امكانية اعداد فلسفة تربوية اخلاقية واضحة تدخلها ضمن عمليات تدريبية كلما تم تكوين قوات للتدخل في اي طارئ من الطوارئ لكي تلزم بها تلك القوات التي تكون في العادة قوات مؤقتة لصعوبة ان يكون للمنظمة قوات نظامية دائمة قائمة على اسس تربوية ممنهجة.

إلى الأعلى