الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: هيكل .. سلم على عبد الناصر

باختصار: هيكل .. سلم على عبد الناصر

زهير ماجد

لا يمكن للعاطفة الا ان تكون سيدة الكلام عن رجل الكلام والبلاغة السياسية محمد حسنين هيكل .. ولأني مرتبط وجدانيا بمرحلته، بقربه من عبد الناصر، بالجلوس في اذنه وعلى القرب من فمه ليسمع همس الصوت الساحر، فقد كنت اغبطه، لقد عاش قرب سيد جيلنا، جيل القدر، حاملا في نفسه الحرة حياة استمرت معه حتى وفاته، فاض فيها وانتج من خلالها فكرا وتاريخا وعلما ومعرفة.
يكبرنا هيكل بسنوات، لكننا في النهاية جيله، اي نحن من ذاك القماش الذي حاكته مرحلة عبد الناصر وتنعمت منه انفاسنا، الى الحد الذي كنا له فكان لنا.
عندما رن هاتف هيكل اثر الهزيمة الكبرى 1967 ، ربما كان قد عرف ان ثمة حدثا ينتظر مصر هو في حجم تلك الهزيمة واكبر، وحين سمع صوت عبد الناصر الخافت، ايقن ما هو مختبئ في عقل سيده، وحين قابله ليسمع منه ما يجب ان يكتبه من بيان سيذاع على المصريين والعرب والعالم، رجف قلبه قبل ان ترجف يده وهو يصل إلى مقطع استقالة الرئيس وتنحيه عن الرئاسة وعودته إلى صفوف الجماهير كما طلب منه حرفيا.
لا نقول ان هيكل سبح في المجهول بعد غياب الراحل الكبير عبد الناصر، بقدر ما اراد ان يظل صحفيا كما اصر على ان يسمي نفسه دائما .. فقد رفض كلمة مؤرخ أو محلل أو باحث، تمسك بالكلمة الشجاعة حتى لحظات عمره، ورواها بمواقفه التي ظلت الفيصل في معرفة الصح في تاريخ مصر والمنطقة.
قد يكون لقاؤه بحسن نصرالله من آخر اللقاءات التي تمت حين جاءه إلى بيروت، باحثا عن اجوبة، وهو من كان مغرما دائما بالبحث عن كل جديد .. فلقد كان ساعيا دؤوبا ليقول “بصراحة” ما اعتمدت صراحته ان يقوله. وفي ذلك اللقاء مع نصرالله الذي احبه ساد حديث ودي للغاية رافقه كلام على الخرائط، انهاه هيكل بالقول انه التقى كل زعماء العالم تقريبا وجالسهم وعايشهم عن قرب، لكنه وجد بعضهم اصغر مما كانت هالته، واضاف يقول لنصرالله كل كلمات الاحترام والاكبار.
اعتقد ان هيكل لن يذهب إلى الصمت اذا اردنا ان نحتفل دائما بكتبه السبعين باللغة العربية وبالأحد عشر كتابا باللغة الأجنبية .. هو المتحدث الدائم الذي كان يحكم في المسائل الوطنية والقومية .. وكان ايضا المفكر المنتظر لمعرفة ما يجب معرفته .. مهما كان العارفون الا ان هيكل كان عارفا بشكل مختلف، فله اسلوبه الانيق المترابط الذي ظل رفيقه الابدي، وتلك الذاكرة التي نمت وظلت على نمو ولم تبخل عليه.
سوف يظل فراغ هيكل واضحا في عالمنا الصحفي، وسيظل التأريخ الصحفي ناقصا بدونه، فالمعرفة ليست فقط بأن تتطلع على المعلومات، بل كيف تحولها إلى مادة صادمة بأناقتها، وقد كان الراحل متمسكا بهذا الاسلوب، متقدما كثيرا على مفهوم الاثارة ولو انه كان يصدم القارئ بجملة من جمله في اطار التنظيم الهادئ لأفكاره.
ولأنه لن يصمت، فقد ينقل إلى راحلنا الاكبر عبد الناصر كل سلامنا، وشكوانا بفقدانه في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها امته وخصوصا قلب العروبة النابض كما سماها وهي سوريا .. فسلم على ناصر وابلغه حاجتنا الماسة إليه.

إلى الأعلى