الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / الموت يغيب الـ «جورنالجي» محمد حسنين هيكل
الموت يغيب الـ «جورنالجي» محمد حسنين هيكل

الموت يغيب الـ «جورنالجي» محمد حسنين هيكل

- أثرى المكتبة العربية بنحو 40 كتابا وترجم معظمها إلى نحو 30 لغة
- ترأس رئاسة تحرير صحيفة الأهرام لمده 17 عاما وكان صاحب عمود «بصراحة» الشهير
- ساهم فـي صياغة السياسة فـي مصر منذ عهد الملك فاروق

القاهرة ــ «الوطن» ــ وكالات:

■■غيب الموت أمس الصحفي والمفكر المصري الكبير محمد حسنين هيكل عن 93 عاما أمضى75 منها صحافيا وفيا لمهنته وزملائه، مطورا حضوره المهني حتى دخل كل غرف القرارات وحاز ثقة أهم رجالات الدولة في مصر ودنيا العرب والعالم. وكان قادرا على جذب المعلومة إليه بدل أن يبحث عنها. وكان هيكل نقل إلى المشفى قبل ثلاثة أسابيع لتلقي العلاج بعد تعرضه لأزمة صحية حادة وبقي فيها إلى حين إعلان وفاته. ■■

وولد محمد حسنين هيكل في23 سبتمبر عام 1923م في القاهرة وتلقى تعليمه بمراحله المتصلة في مصر وعرف عنه شغفه بالصحافة منذ صغره ولذا اتجه مبكرا الى دراسة وممارسة الصحافة. والتحق هيكل في عام 1943م بجريدة «الإيجبشيان جازيت» كمحرر تحت التمرين في قسم الحوادث ثم في القسم البرلماني وبعدها اختاره رئيس تحرير «الإيجيبشيان جازيت» لكي يشارك في تغطية بعض معارك الحرب العالمية الثانية في مراحلها المتأخرة والكتابة عنها برؤية مصرية. وعين هيكل عام 1945م كمحرر بمجلة «آخر ساعة» التي انتقل معها عندما انتقلت ملكيتها إلى جريدة أخبار اليوم خلال الفترة (1946م -1950م). ووقع اختيار مؤسسة «أخبار اليوم» على هيكل ليعمل مراسلا لها في اطار سعيها لأن تنقل وراء الأحداث من الشرق الأوسط إلى البلقان وإفريقيا والشرق الأقصى حتى كوريا واستمر في هذه المهمة حتى استقر في مصر عام 1951 حيث تولي منصب رئيس تحرير مجلة «آخر ساعة» ومدير تحرير «أخبار اليوم» واتصل عن قرب بمجريات السياسة المصرية. كما ترأس هيكل رئاسة تحرير صحيفة الأهرام لمده 17عاما وكتب هيكل عموده الأسبوعي الشهير «بصراحة» عام 1957م واستمر في كتابته حتى عام 1994م.

وكان هيكل يفضل أن يطلق عليه لقب «الجورنالجي» ففي رد له على الصحفيين خلال حضوره أحد المعارض التشكيلية بالقاهرة : « أنا مش أكبر صحافي ولا حاجة، أنا جورنالجي أحب أروي قصص وحكايات ما فيهاش زيادة ولا كذب».
وكان هيكل أشبه بالمتحدث الرسمي باسم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر نظرا لقربه الوثيق به والصداقة التي كانت تربطهما ولذا كان طبيعيا بان ينفرد بالاخبار الخاصة بمؤسسة الرئاسة. وأنشأ هيكل ابان رئاسته لمؤسسة الأهرام مجموعة المراكز المتخصصة التابعة للمؤسسة كمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية ومركز الدراسات الصحفية ومركز توثيق تاريخ مصر المعاصر، كما تولى هيكل منصب وزير الإرشاد القومي عام 1970م لكنه اختلف مع الرائيس الراحل أنور السادات حول التعامل مع النتائج السياسية لحرب أكتوبر حتى وصل الأمر إلي حد اعتقاله ضمن اعتقالات سبتمبر 1981م. وأفرج عن هيكل ضمن من أفرج عنهم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في بداية حكمه في محاولة لتدشين مرحلة جديدة. وسجل هيكل رؤيته للأحداث التي مر بها العالم العربي في عدة حلقات اذاعتها قناة الجزيرة الفضائية كما كتب مقالات من صحف العالم الشهيرة كالصنداى تايمز البريطانية.
ويعتبر هيكل من المساهمين بقوة في توثيق تاريخ مصر الحديث ومنح العديد من الجوائز وأطلقت عليه العديد من الألقاب ولكنه كان يفضل لقب الصحفي وكانت كتابته تنضح بروح القومية العربية حيث وثق عصر صعود المشروع القومي العربي وأحداث حرب تشرين التحريرية والأحداث والتقلبات السياسية الضخمة في المنطقة والعالم. وهيكل متزوج ولديه ثلاثة أولاد وهو يمثل حالة فريدة من نوعها يصعب أن تتكرر وقد ساهم في صياغة السياسة في مصر منذ عهد الملك فاروق حتى الآن، كما كان يعد الصديق الأقرب للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي مثل وجوده إلى جواره علامة فارقة للرئيس وللأستاذ، فكان كاتب خطاباته وكاتم أسراره وظله في أسفاره وتنقلاته، وعاش معه ثورة الضباط الأحرار بكل تطوراتها، إلى أن استقر الأمر لعبد الناصر، فكان لهيكل نصائح ثمينة قدمها للرئيس الجديد.
قدم هيكل للمكتبة العربية نحو 40 كتابا، ترجم معظمها إلى نحو 30 لغة، من أبرزها: «خريف الغضب» و»عودة آية الله» و»الطريق إلى رمضان» و»أوهام القوة والنصر» و»أبو الهول والقوميسير». بالإضافة إلى مجموعة «حرب الثلاثين سنة» و»المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل». وظل هيكل حتى النفس الأخير يقدم النصائح للزعماء والقادة العرب والمصريين، وظل حتى وقت قريب يقوم بزيارات خاصة إلى الزعماء والقادة العرب يعامل فيها كالقادة والملوك. وإضافة إلى كل ما تقدم، كان هيكل يمثل وكالة أنباء متكاملة المعالم، حيث ظل متابعا حتى الرمق الأخير لكافة المستجدات. وكما كان فريدا في إبداعه، كان فريدا في إعلانه اعتزال الكتابة المنتظمة وهو في أوج مجده عام 2003م، وذلك بعد أن أتم عامه الثمانين وأثار ضجة كبيره بمقاله الوداعي ذي الجزئين، إلا أنه عاد إلى جريدة «الأهرام» وعموده الأسبوعي “بصراحة” في أعقاب ثورة 25 يناير، التي أطاحت نظامَ مبارك.
ونعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببالغ الحزن والأسى الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، وتقدم الرئيس المصري بخالص التعازي والمواساة لأسرته وذويه وكافة تلاميذه ومحبيه من أبناء الوطن وخارجه. وجاء في بيان للرئاسة المصرية اليوم ، أن مصر فقدت اليوم عَلَما صحفيا قديرا، أثرى الصحافة المصرية والعربية بكتاباته وتحليلاته السياسية التي تناولت فترات ممتدة من تاريخ مصر والأمة العربية، فكان شاهدا على أحداث ومحطات تاريخية هامة في التاريخ المعاصر، فضلا عن إسهاماته العديدة من خلال الكثير من المؤلفات التي تناولت العديد من الأزمات والأحداث التي مرت بها مصر ومنطقة الشرق الأوسط.

من جانبه نعى نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية هيكل ، ونوه بالدور البارز الذي قام به الفقيد الراحل سواء من خلال مسؤولياته الحكومية في الدولة المصرية، أو على الصعيد الفكري، وإسهاماته الكبرى في الحياة العربية المعاصرة التي امتدت لما يقارب الثمانية عقود، وما قام به من جهود متصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي للانتصار لقضايا الأمة العربية.

إلى الأعلى