الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / آدم ـ عليه السلام (2)

آدم ـ عليه السلام (2)

قوله تعالى:(قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول، وذلك عام في جميع الملائكة، لأن قوله:(لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا:(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية، فبيّن الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييباً لقلوبهم:(إِنِّي أَعْلَمُ) وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه، وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء، وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العزة، فجاء قولهم:(أَتَجْعَلُ فِيهَا) على جهة الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ قاله أحمد بن يحيى ثعلب، وقال ابن زيد وغيره.
إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً: الاستخلاف والعصيان، وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقاً أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى:(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) أهو الذي أعلمهم أم غيره، وهذا قول حسن، رواه عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله:(أتجعل فيها من يفسد فيها) قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فلذلك قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا)، وفي الكلام حذف على مذهبه، والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا، فقالوا: أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره؟ والقول الأول أيضا حسن جداً، لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء، وما بين القولين حسن، فتأمله. وقد قيل: إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله:(كيف تركتم عبادي) ـ على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره ـ
إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: أتجعل فيها، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم:(إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ).
قوله:(مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) (من) في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه (فيها)، (يفسد) على اللفظ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى، وفي التنزيل:(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) (الأنعام ـ 25) على اللفظ، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ) على المعنى، (ويسفك) عطف عليه، ويجوز فيه الوجهان، وروى أسيد عن الأعرج أنه قرأ:(ويسفك الدماء) بالنصب، يجعله جواب الاستفهام بالواو كما قال:
ألم أك جاركم وتكون بيني

وبينكم المودة والإخاء
والسفك: الصب، سفكت الدم أسفكه سفكاً: صببته، وكذلك الدمع، حكاه ابن فارس والجوهري، والسفاك: السفاح، وهو القادر على الكلام، قال المهدوي: ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره، وواحد الدماء دم، محذوف اللام، وقيل: أصله دمي، وقيل: دمي، ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه، والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل، قال الشاعر:
فلو أنا على حجرٍ ذبحنا

جرى الدميان بالخبر اليقين
قوله تعالى:(ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أي: ننزهك عما لا يليق بصفاتك، والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
أقول لما جاءني فخره

سبحان من علقمة الفاخر
أي: براءة من علقمة، وروى طلحة بن عبيدالله قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن تفسير سبحان الله فقال:(هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء)، وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب، قال الله تعالى:(إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً) (المزمل ـ 7) فالمسبِّح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء.
مسألة: واختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة ، فقال ابن مسعود وابن عباس: تسبيحهم صلاتهم، ومنه قول الله تعالى:(فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (الصافات ـ 143) أي: المصلين، وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان الله، على عرفه في اللغة، وهو الصحيح لما رواه أبو ذر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل: أي الكلام أفضل؟ قال:(ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده)، أخرجه مسلم. وعن عبدالرحمن بن قرط أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليلة أسري به سمع تسبيحاً في السموات العلا: سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى، ذكره البيهقي.
قوله تعالى:(بِحَمْدِكَ) أي: وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، والحمد: الثناء، وقد تقدم، ويحتمل أن يكون قولهم:(بحمدك) اعتراضاً بين الكلامين، كأنهم قالوا: ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك .. والله أعلم.
قوله تعالى:(وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي: نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون، قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما. وقال الضحاك وغيره: المعنى نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، وقال قوم منهم قتادة: (نقدس لك) معناه: وبناء (قدس) كيفما تصرف فإن معناه التطهير، ومنه قوله تعالى:(ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ) (المائدة ـ 21) أي: المطهرة، وقال:(الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) (الحشر ـ 23) يعني: الطاهر، ومثله:(بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) (طه ـ 12)، وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي: يتطهر، ومنه قيل للسطل: قَدَس، لأنه يتوضأ فيه ويتطهر، ومنه القادوس، وفي الحديث:(لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها) . يريد (لا طهرها الله)، أخرجه ابن ماجه في سننه، فالقدس: الطهر من غير خلاف، وقال الشاعر:
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا

كما شبرق الولدان ثوب المقدس
أي: المطهر، فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب، والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى