الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أسوار العفاف قبس من سورة النور

أسوار العفاف قبس من سورة النور

سورة النور هي رسالة من رشفة عسل من تدبر آياتها ، وقبسة من أنوارها فهي سورة الطهر والعفة والفضيلة تغسل قلوب المؤمنين والمؤمنات غسلا ، فما تبقي فيها دنسا فشيدت منها أسوارا نورانية شاهقة وكتاب (أسوار العفاف قبس من سورة النور) تناول فيه المؤلف أسوار العفاف عما جاءت به سورة النور الكتاب من تأليف: عصام بن صالح العويد ويقع في (87) صفحة وصدر عن مكتبة دار الحضارة للنشر والتوزيع .
في بداية هذا الإصدار تطرق المؤلف في السور الأول من هذا الإصدار إلى أن بيضة العفة لن يحميها من لعاب الوالغين فيها إلا حزم حازم، وتنكيل بالغ في الدنيا قبل الأخرى.

وأشار في السور الثاني عبر هذا الكتاب عن حفظ الفروج لا يكون إلا بحفظ الجوارح قائلا: البصر والسمع واللسان والقلب والأيدي والعورة والرجل والرأس من قوله (خُمُرِهِنَّ) والنحر والصدر من قوله تعالى:(جُيُوبِهِنَّ) هذه تسع جوارح نصت عليها سورة النور العرض في سورة النور كقلب المدينة الحصان، لن تتسلل إليها الأيدي الخائنة إلا بغدرة خوان من داخلها ، فإن غدرت جارحة ثلم في جدار العفاف ثلمة ، وتحريم مس يد المرأة الأجنبية ما ورد في الحديث فعن معقل بن يسار أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) ـ رواه الطبراني والبيهقي وكذلك على حرمة الخلوة بها وعلى حرمة كشف المرأة لوجهها إذا خيف عليها من الفتنة وعلى حرمة تعطرها بما يجد الرجال رائحته منها وقد قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (النور ـ 21)، وفي الصحيحين:(فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه) وقاعدة سد الذريعة في سورة النور ظاهرة جداً:(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ).

وتناول المؤلف في السور الثالث اسلوب الإقناع بتعليل الأحكام وفي السور الرابع تحدث عن العفة في حقيقتها قلبية وجدانية فمن أسس التربية التي جاءت بها سور النور للمجتمع تربية الأجيال على محبة الطهر وبغض الفاحشة تأمل اللفظ (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) و(وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) بل يؤكد معناها بالنص على ضدها (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) فلا بد من أحد الوصفين إما خبيث أو طيب ومن طهر نفسه فهو الطيب والناس في هذا يتفاوتون فمنهم المحصن وهو من حصن نفسه منها ، وإن نازعته شهوته، وفوقه الغافل وهو من لم تدر الفاحشة بخاطره أصلا ولما كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد حازت أعلى المرتبتين قال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، وفي القوم اناس جريرتهم الكبرى فقط نشر الفاحشة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) فغرس محبة العفاف سور عظيم من أعظم أسوار الفضيلة ولذا أمتن الله على المؤمنين بقوله:(وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ) وأثنى عليهم بقوله:(وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)، وقوله:(وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة ـ 222)، ودعا به (صلى الله عليه وسلم) لأمته (اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه).

وعرّج المؤلف في السور الخامس إلى العلم الحقيقي بمراقبة الله ختم الله آيات سورة النور بقوله تعالى (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) وقد هنا للتحقيق أي يعلم علما محققا بما أنتم عليه وختم السورة بكلمة ( عليم ) له من الدلالة ما لا يخفى في أهمية هذا السور العظيم وهو سور المراقبة وهذا المراقبة تتحقق في قلب المؤمن من خلال طريقين عظيمين الطريق الأول بكثرة التدبر في آيات الوعد والوعيد ولذا لما قال تعالى:(قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ) أتبعها مباشرة بقوله:(وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) فهذا التدبر يورث القلب خوفا وطمعا ومن كان هذا حاله راقب أقواله وأفعاله فيوم القيامة والحساب وتطاير الصحف والجنة والنار وسائل لا يجوز أن تغيب عن عقل وسمع وبصر المربي ليستعملها في كل مراحل تربيته الطريقة الثانية لزيادة الإيمان تكرار التفكر في الآيات الكونية وقد أكدت سورة النور هذا المعنى في آياتها:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)، فلا بد للمؤمن من طول الفكرة وقد جمع بين هذين الطريقين بأوجز عبارة الحسن البصري فقال: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر ، وبالتفكر على التذكر ، ويناطقون القلوب حتى نطقت. وفي ختام هذا الكتاب اختم المؤلف تحت عنوان باب التوبة مفتوح لهذه الأبواب باب مفتوح لا يغلق دلت عليه ودعت إليه سورة النور لكنه لا يدخل معه إلا التائبون فقد أكدت السورة على أن مصاريع أبواب الأوبة إلى الله مشرعة ، حتى بعد المعاصي العظام والموبقات الجسام ، مالم تطو صفحة دنياك ، وتشرع في صفحة آخرتك، ففي كبيرة القذف (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وفي موبقة الإفك (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وحتى في الإكراء على البغاء (وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وختام سورة العفاف (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) إن رفعت شعلة النور للناس وكشفت لهم عن معانيها ، وهديتهم إلى سبيلها، وربيتهم على آدابها، وأدخلهم في حصونها فأبوا بعد ذلك إلا الانغماس في أتون الفواحش والعيش في ظلمات الرذائل، فلا عليك ولا تبخع نفسك أسفا عليهم فلله الحكمة البالغة، وقد قال الله تعالى:(وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).

إلى الأعلى