الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مصاحبة الصالحين نجاة من الفتن

مصاحبة الصالحين نجاة من الفتن

أخي القارئ الكريم: شاءت إرادة الله تعالى أن يجعل في داخل الإنسان نزوعاً إلى مخالطة الآخرين والعيش معهم، فجعله تعالى اجتماعياً بطبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده منعزلاً عن الآخرين، ولو استطاع ذلك فرداً واحداً لما استطاع سائر الناس أن يتابعوه على ذلك.
هذا في أمور الدنيا وحوائجها، فضلاً عن أمور الدين والشريعة، إذ من فرائض الإسلام وأحكامه ما لا يمكن تأديته إلا بالمخالطة مع الناس وتعاونهم, كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين, وتشييع الجنائز وعيادة المريض, وتعلّم أمور الدين وتعليمها.
وإذا كان الأمر كذلك: فإن من واجب العاقل أن يعرف من يصاحب, فيختار لذلك صحبة طيبة, صالحة تذكّره بالله تعالى إذا نسي، وتقوّم اعوجاجه إذا اعوج وتنصح له إذا استنصحها.
إنها العلاقة التي تقوم على أساس الحب في الله, والبغض في الله, فالمسلم لا يحب الشخص إلا لطاعته لربه ومسارعته لمرضاته، ولا يبغضه إلا لعصيانه ومخالفته أمر ربه، وكلما اشتدت محبة المسلم لربه اشتدت محبته لأحباب الله تعالى ويضمن بذلك الفوز بالجنة والنجاة من النار إن شاء الله تعالى.
وما دام المسلم يُحب في الله, ويبغض في الله, فمن البديهي أنه يختار للصحبة والرفقة أناسا مطيعين لله, قائمين بحقوق العبودية له، وهو في نفس الوقت يرفض مصاحبة العصاة والفُسّاق المعرضين عن الله تعالى والمستهترين بدينهم وخُلقهم،
قال تعالى:(فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) وإن أخوف ما يخافه المرء: صحبة غير مؤمنة تبعده عن ذكر الله تعالى وتُبعده عن الطريق المستقيم، فلا بد إذا من التنبيه على أهمية اختيار الصاحب المؤمن، قال تعالى:(ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً, يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً , لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً)، وقال تعالى:(الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(المرءُ على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي الابتعاد عن البيئة الموبوءة الفاسدة، كي نضمن النجاة في هذا العصر التي كثرت فيه الفتن وكثُر فيه قُرناء السوء ـ
نسأل الله السلامة، قال (صلى الله عليه وسلم):(لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)، ولا نجد أبلغ في التعبير وأدق في التصوير من قوله تعالى في تصوير أثر البيئة في تربية الطفل وتنشئته (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذين خبُث لا يخرج إلا نكداً)، وشتان بين رفقة السوء ورفقة الخير, فيما تأتي به كل واحدة منهما، وقد شبّه النبي (صلى الله عليه وسلم) الصاحب الخير ببائع المسك، والصاحب الشرير بنافخ الكير، فقال:(مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك (يعطيك) أو تشتري منه أو تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة).
فما أجدرنا أن نبحث لأنفسنا عن صحبة مؤمنة صالحة, ليكتسب كل واحد منها ما يُنمي شخصيته ويقوّمها من الإيمان المشرق والعلم النافع والأدب السامي والخلق القويم والرفيع، ولتكن هذه الصحبة ملازمة لكل الأحوال والأطوار، صُحبة طيبة في الحي أو البلد، وصحبة طيبة في المدرسة, وفي العمل وفي المسجد, وفي الرحلات والأسفار، وإذا كان الولد شديد التأثر بالبيئة التي حوله وبالرفقة الصالحة أو السيئة، فإنا نقول: إن البنت أيضاً أشد تأثرا بذلك لما جُبلت عليه من عاطفة فياضة وبما تتأثر به من أمنيات ومغريات, وبما تنساق إليه من فتنة المدنية الحديثة, وزينة الحياة الدنيا ومظاهرها الخادعة, ولأجل هذا وجب علينا أن نهتم أكثر بالبنات من الذكور , فنوجههن إلى الطريق المستقيم ونحرص على متابعة أخبارهن في المدرسة وفي كل مكان يذهبن إليه.
وإذا ما تهيأ لأولئك الأولاد جميعا من الذكور والإناث ملاحظة واعية مستمرة من الوالدين, وتربية قويمة لأخلاقهم، وصحبته طيبة صالحة مؤمنة، لعل هذا يكون سبيلا للنجاة من النار، قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً, وقودها الناس والحجارة).
فنسأل الله تعالى أن يوفّق شباب المسلمين إلى الطريق المستقيم, وأن يوفّقهم إلى مصاحبة الأخيار, فهذا له أثر طيب في سلوكياتهم اليومية مما ينتج عن ذلك جيل من الصالحين، ونسأل الله تعالى التوفيق للجميع .. اللهم آمين. والحمد لله رب العالمين.

إلى الأعلى