الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التبرع بالأعضاء فـي المجامع الفقهية «3 ـ 4»

التبرع بالأعضاء فـي المجامع الفقهية «3 ـ 4»

الإيثار.. مفهومه ومجاله:
وقال الباحث حول هذا الجانب: لقد عرف الزركشي الإيثار بأن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه. وعكسه الأثرة وهي استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه، ويندرج موضوع التبرع تحت عنوان أكبر يعرف بالإيثار، وهو من الخلال الحميدة التي دعا إليها الإسلام، وحثّ عليها القرآن والسنّة في أكثر من دليل، والإيثار يكون في كل عزيز على النفس، ولكنه يقصد به الإيثار بالمال تحديداً، لأن الأصل فيه البذل والعطاء والتسامح، مصداقاً لحديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(رحم الله رجلا سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)، وقد ضبط جمهور الفقهاء الإيثار بالمال بأن يكون في حدود المستطاع، فلا يترك المرء نفسه بلا مال، ثم يغدو عالة يتكفف الناس، وثمة رأي بجواز التبرع بكل المال مع الكراهة إذا كانت لدى المتبرع قدرة على تحمل الفقر، وعدم لجوء إلى طلب رفد الناس وعونهم، ويستند هذا الرأي على حالة رد النبي (صلى الله عليه وسلم) صدقة رجل تصدق بجميع ماله، وقال معقباً:(يأتي أحدكم إلى جميع ما يملك فيتصدق به، ثم يقعد يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى).
موضحاً بأن وجه الحرمة أو الكراهة في هذه الحال صون الإنسان نفسه عن التعرض للذل والهوان، سواء في حال الحياة أو الممات، والحفاظ على مقام التكريم الذي رفعه الله إليه، وأما الإيثار بالنفس فالأصل عدم جوازه، إلا في مواضع محدودة، مثل جهاد الأعداء في الدفاع عن حرمات الإسلام، وأما إيثار الإنسان غيره بما يؤدي إلى ضرر في بدنه، أو تلف لنفسه، ففيه تفصيل، وقد أورد الشاطبي طائفة من الأحاديث الواردة في الإيثار وبيان حدوده، وعلق عليها بقوله:(وتحصّل أن الإيثار هنا مبنِيّ على إسقاط الحظوظ العاجلة، فتحَمُّل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه، إذا لم يُخِلّ بمقصد شرعي فإن أخلّ بمقصد شرعي فلا يعدّ ذلك إسقاطا للحظ ولا هو محمود شرعاً)، (لا خلاف في استحباب الإيثار وإن أدى إلى هلاك المؤثر وهو من شيم الصالحين فإذا اضطر وانتهى إلى المخمصة ومعه ما يسد جوعته، وفي رفقته مضطر فآثره بالطعام فهو حسن. وكذا القول في سائر الإيثارات التي يتدارك بها المهج)، ونص الفقهاء (أنه لا يصح الإيثار في القربات، لأنها حق الله وليست حقا للعبد، فمن دخل عليه وقت الصلاة ومعه ما يكفيه لطهارته وهناك من يحتاجه للطهارة لم يجز له الإيثار. والفرق بينهما أن الحق في الطهارة حق لله فلا يسوغ فيه الإيثار، والحق في حال المخمصة حقه في نفسه).
والاتفاق حاصل على أن اقتطاع هذا العضو منه إن غلب على الظن تسببه للموت ـ أو بتعبير أصح: إن لم تتحقق الطمأنينة التامة بأن ذلك لن يؤثر على استقرار حياته وسلامتها ـ لم يجز منه الإقدام على ذلك، كما لا يجوز لأحد أن يكرهه على هذا التنازل، ولا يجوز للطبيب الجراحي أن يقبل على تنفيذه.
وعلة الحرمة واضحة، وهي أن الإنسان لا يملك الإيثار في نطاق حقوق الله عز وجل، وأصل الحياة حق لله، فليس للإنسان الذي يتمتع بها أن يهبها أو يؤثر بها أحدا غيره، وهذا هو الأساس في تحريم الانتحار. وتقرر في هذا المقام ضوابط عدة، منها»أنه يحرم على الإنسان أن يعرض شيئاً من جسده للضرر والفساد، رغبة في الضرر ذاته.. وأن كل ما ثبت للإنسان حق التصرف فيه، كان له حق الإيثار به.
ويؤسس البوطي لتسويغ الإيثار في التبرع بالأعضاء، أنه من الخلق النبيل المتمثل في ترك المؤثر حظ نفسه رعاية لحظ غيره، اعتمادا على يقينه بالله، وأملاً في مرضاته والعوض الذي سيكرمه الله به. فهو، وإن كان في الظاهر مضرة وفساداً، إلا أنه منطو على مصلحة هامة في طريق بناء الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، ولا ريب أنها أجلّ بكثير من حجم المفسدة التي قد تنجم عنه.
ويخلص إلى الحكم الشرعي في المسألة: «أن للإنسان أن يتنازل عن أيّ من أجزاء جسده أو دمه لإنسان آخر ذي حياة محترمة مشرف على الهلاك، قرر طبيبان عدلان أن زرع ذلك العضو أو الجزء في جسده ينقذه من الهلاك ويمتعه بحياة سليمة، وأن اقتطاعه من جسم الأول لا يسبب هلاكه، بل يظل متمتعا بحياة مستقرة سليمة.
ثم يعرج إلى مسألة فرعية، ليست الحاجة فيها ضرورية من إنقاذ لحياة المستفيد، وإنما هي استبدال طرف أو عضو سليم عامل، بعضو تالف من جسده؟ وذلك كأن يؤثر الرجل صاحبه بعينه، فتؤخذ منه وتزرع في مكان العين التالفة من وجه صاحبه؟.
مقتضى القواعد والأدلة التي اعتمدنا عليها في الحكم بجواز الحالة الأولى، أن تجوز هذه الحالة الثانية أيضا، ولقد أمعنت النظر والتفكير، فلم أجد في هذه الحالة الثانية أي فارق عن الأولى يستدعي الحكم بالحظر. والله أعلم.
ومها يكن، فإن جواز الإقدام على هذا الأمر منوط بالضرورة، سواء كانت ضرورة إنقاذ حياة، أو ضرورة إحياء عضو تالف. ولكي نزيد بيان هذه الضرورة ضبطا، نذكر بالمحترزات التالية:
ـ لا يجوز التنازل، إن ثبت أن عضوا اصطناعيا يمكن أن يقوم مقام العضو الطبيعي في إنقاذ حياة المريض، أو كان احتياجه إلى ذلك العضو غير ضروري، أو كانت استفادته منه شكلية.
ـ لا يجوز التنازل، إن كان على وجه الإهدار والإتلاف، كأن يمكن غيره من إتلاف أحد من أعضائه أو من إلحاق أي ضرر بجسمه، دون أي ضرورة تستلزم ذلك.
ـ لا يجوز التنازل، إن كان لمصلحة ذي حياة غير محترمة، كمرتد أصر على الردة واستوجب القتل، أو زان محصن قضى القاضي في حقه بالرجم. وسبب حرمة الإيثار في هذه الحالات الثلاث أنّ تَحَمّل المؤْثِر للمضرّة مُخِلّ في كل منها بالمقصود الشرعي. فلا يعدّ التنازل فيها إسقاطا للحظ الشخصي في سبيل الغير، على نحو ما تم تأصيله للمعنى الفقهي في الإيثار.
وبملاحظة هذه المحترزات يزول وهم التناقض الذي قد يتصوره القارئ لكلام الشاطبي، إذ عاد بعد أن أصل قاعدة الإيثار وأيدها بالأدلة المختلفة، فأوضح أن حق العبد وإن كان ثابتا له في حياته وكمال جسمه وبقاء ماله في يده، فإنه لا يجوز له أن يسلط يد الغير عليه بالإتلاف أو الإضرار.
حرمة جسد الإنسان:
يقول الباحث في هذا الجانب: لقد كرّم الله الإنسان وسواه، وخلقه في أحسن تقويم. وجهزه بجسم عجيب، ولا يزال العلم يكشف كل يوم جديد أسراره، مما يؤكد كل حين قدرة الخالق العظيم، وجعل الله لكل جزء من البدن وظيفة، فليس ثمة أعضاء زائدة أو غير مفيدة، فاجتمع في الإنسان حسن التقويم، ودقة الصنع، وكمال الأداء، وقد تضافرت أدلة الشريعة القاطعة على تأكيد حرمة جسد الإنسان، وعصمة دمه وتحريم الاعتداء عليه بأي نوع من أنواع العدوان.
مؤكداً بأن البحوث التي عالجت الموضوع أجمعت على القول:(إن تنويه الإسلام بقدسية الإنسان وكرامته، ورعاية الشريعة الإسلامية لذلك في سائر الأحكام، حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها باحث أو فقيه، ومن ثم فإن رعاية الكرامة الإنسانية داخلة دخولا أوليا في المقاصد أو المصالح التي هي محور الشرع الإسلامي الحنيف)، والآيات والأحاديث وفيرة في تجريم هذا العدوان، سواء بإتلاف النفس كاملة، وهو القتل، أو الإيذاء الجسدي، بمختلف صوره ودرجاته.
وأشار الباحث الى ان الشرع قرر عقوبات رادعة على العدوان على البدن، وعلى تعطيل حواس الإنسان، سواء أكان ذلك اختياريا من العبد نفسه، أم وقع عدوانا من غيره، أم تَمَّ تواطؤا واتفاقا بينهما، وكذلك الخطأ في الأبدان مضمون، يستوجب تعويض الضرر الواقع على الأبدان، بدءًا بالجرح اليسير وانتهاء بقتل الخطأ، كما حرم الإسلام تعطيل العقل وفرض فيه حدًّا، عقوبة على هذا التعطيل، وحظر المساس بشرف الإنسان وعرضه، وشرع حدّ القذف على من رمى أحداً بالفاحشة، وفي أحكام الحرب في الإسلام حددت إباحة القتل بخصوص المحاربين، دون النساء والرهبان والصبيان، وأهل العهد والأمان. كما أجيز دفع الصائل بما أمكن، ولو أدى إلى قتله دفعا للعدوان.
وقال: وتأكيداً لحرمة جسد الإنسان عمد الاجتهاد إلى بيان مدى عناية الإسلام بالإنسان معافى سليماً، بل قويّاً قادراً على أداء وظيفة الخلافة على أكمل الوجوه، وفي هذا نصوص وفيرة تحث على الحفاظ على الصحة وتناول الطيبات، واجتناب الخبائث المضرة بالإنسان، في بدنه أو عقله أو نفسه، وتفادي كل ما يضعف البدن أو يؤثر على وظائفه الحيوية، بل إن الشرع نهى عن الانقطاع وإرهاق البدن بالمبالغة في العبادة، مثل وصال الصيام، وصيام الدهر، وأما التعامل مع بدن الإنسان لمداواة نفسه، فيجوز له أن ينتفع ببعض أجزاء نفسه في حالة الضرورة، أو في حالة تصحيح أو تعويض ما نقص أو تشوه من أعضائه، رجوعاً به إلى حالته المعتادة، وذلك بشرط ألا يكون خطر القطع أعلى من خطر البقاء على ما هو عليه، منعًا من تعريض النفس للتهلكة.
.. البقية في الاسبوع القادم.

إلى الأعلى