الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإعلام السياسي وطيران الفيلة

الإعلام السياسي وطيران الفيلة

عادل سعد

”يحضرني أنني خضت في بحث عن القوى المؤثرة في الحدث العراقي، واستنتجت ـ وبلا شك ـ أن القوى المؤثرة في هذا الحدث هي المكونات ذات الصبغة الطائفية ضمن ما تسعى إليه قيادات هذه المكونات من استقطاب وجمع شمل حصصي، في حين أن الرأي العام المنتمي لها له رؤية مخالفة، لكنه لا يستطيع مواجهة ذلك التسلط.”

هل يمكن أن يكون لدينا في العالم العربي وسائل إعلام تنشق عن عصا الطاعة التي تمسكها الآن أغلب الوسائل الإعلامية، لكي تختص بنشر الظواهر والأحداث الإيجابية التي حققها أو يمكن أن يحققها العرب، يبدو المقترح غريبا إلى حد ما إذا أخذنا بحقيقة أن مسؤولية الإعلام تكمن في نقل الواقع كما هو ضمن أسبقيات الحدث بحيادية تامة؛ لكي يتاح للمتلقي الفرز بين المعلومات، وبالتالي التأسيس لقناعة ما في هذا الموضوع أو ذاك.
إني أرى في دعوتي هذه حاجة ضرورية تغطي متطلبات الواقع الذي نصبو إليه، للتخفيف من سطوة إعلامية تمثلها أحداث الدم والتشكيك والمواربة، والنزعات الخصوصية وادعاء المفهومية المطلقة، والانغلاق على حيثيات بدائية تستمد حضورها من أصوليات مقيتة، وليست من متطلبات بناء الدولة المدنية الحديثة التي تستلزم التأسيس على ما هو إيجابي في الحياة العامة التي لا يخلو منها بلد عربي واحد بما فيها بلدان تتصدرها الآن الخروقات الأمنية الكبيرة، والاحتكام إلى السلاح ونزعة التشهير والخنادق المتخاصمة، منها العراق وسوريا وليبيا واليمن وبنسبة أقل لبنان وبلدان عربية أخرى، تهتز فيها صورة الاستقرار والسلام الاجتماعي بين حين وآخر.
أستطيع أن أؤكد من خلال وثائق ووقائع ميدانية لا لبس فيها أن دائرة المتطلعين للسلام والأخوة، والإصرار على حل الخصومات سلميا ليست ضيقة، لكنها لا تمتلك الوسائل الإعلامية اللازمة في التأثير على الواقع، وبناء قاعدة معلومات عنها تكون مصدر للحياة اليومية.
يحضرني أنني خضت في بحث عن القوى المؤثرة في الحدث العراقي، واستنتجت ـ وبلا شك ـ أن القوى المؤثرة في هذا الحدث هي المكونات ذات الصبغة الطائفية ضمن ما تسعى إليه قيادات هذه المكونات من استقطاب وجمع شمل حصصي، في حين أن الرأي العام المنتمي لها له رؤية مخالفة، لكنه لا يستطيع مواجهة ذلك التسلط.
وأزعم أيضا أنني من المتابعين للشؤون الليبية والسورية وغيرها، وقد توصلت إلى قناعات بأن المطالبين بالحوار واعتماد الحل الوطني الذي يصون خيارات الوحدة لهذين البلدين ليست قليلة، ولكنها محاصرة بديماغوجية إعلامية تسعى للتأثير على حساب الحقيقة.
من الشهادات الأخرى تأسيسا على ما أقول به إنني كنت متواجدا على مقربة من حادث تفجير بسيارة مفخخة حصل في أحد أحياء بغداد بعد دقائق من حصوله، واستفهمت ميدانيا، وتبين لي أن ما حصل لم يسفر إلا عن ثلاثة جرحى، وعند متابعتي للحدث إعلاميا كانت المعلومات التي روجت لها الفضائيات تخالف ما حدث بالفعل، حيث قالت إن التفجير تسبب بعشرات القتلى والجرحى، وإن سيارات الإسعاف ظلت تنقل الضحايا لفترة طويلة.
إن نخبا ثقافية وإعلامية عربية يعول عليها تسممت بالإحباط نتيجة مواظبتها على الإصغاء للضخ الإعلامي اليومي المروج لحالة انسداد أفق الحلول للمعضلات التي نعاني منها، فكيف إذا كان المتلقي إنسانا محدود الوعي والفهم لما يجري.
إن النهش والمغالاة والتبشير بالمخاطر صارت منهجا مستفحلا في الوجبات المعرفية التي يتلقاها المواطن العربي عبر وسائل الإعلام، وهذا يختلف في جوهره من إمكانية تناول الواقع الذي نعيشه بالمزيد من الموضوعية حتى لو كان الحادث تفجيرا أو غارة جوية على مستشفى أو دار أيتام!
إن أغلب المراسلين الإعلاميين مصابون بمرض رواية (الفيلة التي تطير) إرضاء لرأس وسيلة الإعلام السياسي، وهكذا تكون المشكلة الإعلامية قد انتشرت في أكثر من رأس واحد، الوضع الذي يجعلنا تحت مخاطر الكذب العام، وهذا هو أحد رؤوس المشكلة السياسية التي نعاني منها عربيا.

إلى الأعلى