الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وأخيرا صَدَق تنبؤ آينشتاين وعَثَر العلماء على “موجات الجاذبية”!

وأخيرا صَدَق تنبؤ آينشتاين وعَثَر العلماء على “موجات الجاذبية”!

جواد البشيتي

”انحناء الفضاء” يُفسِّر، على خير وجه، حركة الأجسام التي ما كان ممكنًا تفسيرها، من قَبْل، إلا إذا افتَرَضْنا وجود قوى خارجية (قوى دَفْعٍ أو سَحْبٍ) تؤثِّر في الجسم بما يُخْرِجه عن الاستقامة في خطِّ سَيْره، أو يَزيد، أو يقلِّل، سرعته؛ فالجسم الذي يظل يسير بالسرعة نفسها، وفي خطٍّ (أو مسارٍ) مستقيم، هو الذي لا يخضع لتأثير قوى خارجية.”

بعد 100 عام على تنبؤ نظرية “النسبية العامة” لآينشتاين بوجود “موجات الجاذبية” عَثَر العلماء على هذه الموجات؛ وهذا من أعظم الاكتشافات في العلم الحديث.
هل “الجاذبية” Gravitation “قوَّة” Force؟
نيوتن أكَّد أنَّها “قوَّة”؛ أمَّا آينشتاين فنفى؛ وفي هذا يكمن أوَّل فَرْقٍ جوهري بين نظريتي نيوتن وآينشتاين في “الجاذبية”.
لكنَّ إجابة نيوتن لم تُجِب (ولم تتضمَّن ما يسمح بالإجابة) عن السؤال الذي وَلَدَتْه، وهو “كيف يمكن أنْ يؤثِّر جسم ما (الشمس مثلًا) عن بُعْدٍ بجسمٍ آخر (كوكب الأرض مثلًا)؟”
وهذا الاستعصاء في الإجابة جَعَل “قوَّة” نيوتن، أي الجاذبية بصفة كونها “قوَّة”، مبهمة غامضة.
أمْران آمَنَ بهما نيوتن، فقَادَه هذا الإيمان إلى فَهْم “الجاذبية” على أنَّها “قوَّة”، ولو ظلَّت مبهمة غامضة؛ وهذان الأمْران هما: “القصور الذاتي” Inertia، والانبساط (الاستواء) المُطْلَق للفضاء، أو الفراغ (فنيوتن لم يخطر بباله قط أنَّ الفضاء نفسه يمكن أنْ ينحني ويتقوَّس).
لقد نَظَر نيوتن في حركة أو سَيْر الأجسام (كواكب ونجوم..) في الفضاء، الذي لا يُمْكِنه، بحسب وجهة نظره، إلا أنْ يكون، ويظل، منبسطًا مستويًا، فَوَجَد أنَّ الجسم (كوكب أو نجم..) لا يسير في الاتِّجاه نفسه، أي لا يسير في خطٍّ (أو مسارٍ) مستقيم؛ إنَّه يسير في خطٍّ مُنْحَنٍ (أو دائري، أو بيضاوي). وإنَّه، أيضًا، يسير بسرعةٍ مختلفةٍ متغيِّرةٍ غير ثابتةٍ؛ فكيف لهذا الجسم (قال نيوتن متسائلًا) الذي يسير في فضاءٍ منبسطٍ (دائمًا) أنْ يُغيِّر اتِّجاه سَيْرِه (أي أنْ ينحني مساره) وسرعته، زيادةً أو نقصانًا، وهو بخاصية جوهرية ثابتة هي خاصية “القصور الذاتي”؟
لا جواب عن هذا السؤال، يوافِق طريقة تفكير نيوتن، إلا “القوَّة (الخارجية)”؛ فالجسم السائر في فضاءٍ منبسطٍ (دائمًا، على ما تصوَّر نيوتن وافْتَرَض) لا يُمْكِنه (بسبب “قصوره الذاتي”) أنْ يغيِّر اتِّجاه سيره (المستقيم) أو أنْ يَزيد، أو يُنْقِص، سرعته، إلا إذا أثَّرت به “قوَّة (خارجية)”؛ وهذه “القوَّة” لا يمكن إلا أنْ تكون “قوَّة” الجاذبية، التي هي قوَّة شدٍّ متبادَل بين جسمين (أو أكثر).
إنَّ الشمس (مثلًا) هي التي بـ”يَدِها الخفية، غير المرئية”، أي “قوَّة” جاذبيتها، تَجْعَل جسمًا (كان يسير في خطٍّ مستقيم) يدور حولها، وتَجْعَل سرعته (التي كانت ثابتة) تزيد، أو تَنْقُص. لكن، ما هي “القوَّة” Force؟
قبل نيوتن، عُرِفَت، وعُرِّفَت، “القوَّة”؛ ولقد تواضَع القائلون بوجود “القوَّة” على أنَّها شيء يستحيل أنْ يؤثِّر عن بُعْد؛ فلا “قوِّة” تؤثِّر، أو يُمْكِنها أنْ تؤثِّر، إلاَّ بـ”الاتِّصال”، أو “الملامَسَة”.
وهذا ما نراه جليًّا واضحًا في مثال كرة ساكنة، ثابتة في مكانها، فتضربها بيدكَ، فتشرع تتحرَّك؛ فلو لم تضربها، وتمسها، بيدكَ لَمَا كان لهذه “القوَّة”، التي تمثِّلها يدكَ إذ ضَرَبَت ولامست الكرة، أنْ تؤثِّر بـ”الكرة الساكنة” على هذا النحو المخصوص، أي أنْ تحرِّكها؛ وهذه الفكرة، فكرة “التأثير بالاتِّصال (أو الملامَسَة)”، مَنَعت، زمنًا طويلًا، تطوير مفهوم “القوَّة”.
إنَّنا الآن في زمن فيزيائي يسمح لنا بغَرْس مفهوم “القوَّة” في تُرْبة “المادية”، والنأي به، من ثمَّ، عن الأوهام المثالية والميتافيزيقية.
“القوَّة” إنَّما هي “تعريفًا، أو في بعضٍ من “تعريفها (الفيزيائي)”، “التأثير” الذي تَحْمِله، أو تنقله، جسيمات (كالجسيم المسمَّى “فوتون”) تُدْعى “الجسيمات الحاملة، أو الناقلة، للقوى”. و”الجسيم الحامل للقوَّة”، والذي ينبغي له أنْ يكون “عديم الكتلة (كتلة السكون Rest Mass)”، ويسير، من ثمَّ، بسرعة الضوء، ينطلق من جسم، أو جسيم، فيسير في الفضاء، أو الفراغ، فيَضْرِب، أو يصيب، جسمًا، أو جسيمًا، آخر، “مُفْرِغًا فيه حمولته”، أي “التأثير”، فيتأثَّر (يختلف، ويتغيَّر) الجسم، أو الجسيم، المضروب، أو المصاب، على نحو مخصوص.
“القوَّة”، في مفهومها “الجسيمي” هذا، لم تَظْهَر في تفكير نيوتن، ولا حتى (على ما أَزْعُم) في تفكير آينشتاين.
لقد نَبَذَ آينشتاين تمامًا (في نظريته “النسبية العامة”) فكرة الجاذبية بصفة كونها “قوَّة (مبهمة غامضة) تؤثِّر عن بُعْد”، مفسِّرًا “الجاذبية” على أنَّها “مُنْتَج لانحناء (أو تقوُّس) الفضاء”؛ فإنَّ عبقرية آينشتاين (في “النسبية العامة”) تكمن في اكتشافه أنَّ الفضاء “شيء قابل للانحناء (والانبساط)”، وكأنَّه شيء مصنوع من “مطَّاط”.
أمَّا سبب هذا “الانحناء (أو التقوُّس)” فهو “كتلة” الجسم (النجم أو الكوكب..). وينبغي لنا أنْ نتذكَّر (ونحن نَذْكُر “الكتلة”) مبدأ “التكافؤ (التساوي)” بين “الكتلة” و”الطاقة”، على ما بسطه وشرحه آينشتاين أيضًا.
إنَّ الفضاء حَوْل (أو في جوار) كتلة نجم (مثلًا) ينحني (كانحناء سطح كرة) فـ”يُرْغَم” الجسم السائر فيه (والذي لا يَمْلِك إلاَّ أنْ يَتْبَع “المسار”) على السير في مسارٍ مُنْحَنٍ (بما يتناسب مع درجة أو شدة انحناء الفضاء نفسه). وهذا السَّيْر المنحني هو، من وجهة نظر الجسم نفسه، سَيْرٌ في مسارٍ مستقيم؛ لأنَّه سَيْرٌ في مسارٍ يمثِّل “المسافة الأقصر بين نقطتين”؛ وهكذا أخْرَج آينشتاين “القوَّة (المبهمة الغامضة التي تؤثِّر عن بُعْد)” من مفهوم “الجاذبية”.
إنَّ الجسم (مع بقائه محتفظًا بخاصية “القصور الذاتي”) يتسارَع، وينبغي له أنْ يتسارع، في الفضاء المنحني، من غير أنْ يتعرَّض لتأثير “قوى خارجية”، نعزو إليها هذا التسارُع.
الجسم في الفضاء المنحني ظلَّ محتفظًا بخاصية “القصور الذاتي”، وظلَّ حُرًّا من تأثير القوى الخارجية، وظلَّ يَتْبَع مسارًا هو “المسافة الأقصر بين نقطتين”؛ ومع ذلك، أصبح “متسارِعًا”، سرعته تزيد، أو تَنْقُص، واتِّجاه سيره يتغيَّر. هذا الجسم (المحتفِظ بخاصية “القصور الذاتي”، والذي لا يخضع لتأثير قوى خارجية) ظلَّ يسير في “خطٍّ مستقيم”، أي يَتْبَع مساره المستقيم؛ لكنَّ “المستقيم” نفسه انحنى بانحناء الفضاء، وإنْ ظلَّ يمثِّل “المسافة (المنحنية) الأقصر بين نقطتين”.
تخيَّل أنَّكَ في فضاء خالٍ من “المادة”، بعيد عن حقول الجاذبية، غير متأثِّر بها، ويخلو تمامًا، في الوقت نفسه، من كل قوَّة يمكن أنْ تؤثِّر بحركة الأجسام فيه.
في هذا الفضاء دَفَعْتَ بيدكَ كرة. هذه الكرة تظل تسير فيه بالسرعة نفسها، وفي الاتِّجاه نفسه، أي في خطٍّ مستقيم استقامة خطٍّ مرسوم على ورقة.
هذه الكرة تحتفظ بخاصية “القصور الذاتي”، فلا تستطيع من تلقاء نفسها أنْ تغيِّر حركتها، مقدارًا أو اتِّجاهًا؛ وهذه الكرة تقاوِم، في الوقت نفسه، كل تغيير في حركتها (تحاوِله قوَّة خارجية إذا ما وُجِدَت).
هذه الكرة منقادة لمسار حركتها، تتبعه في استمرار، ولا تستطيع الانحراف عنه؛ وهي، في مسارها هذا، إنَّما تسير دائمًا في الخط الذي يمثِّل المسافة الأقصر بين نقطتين.
الكرة نفسها نَقَلْتَها الآن إلى الفضاء الآخر، أي إلى فضاء خاضع لتأثير حقول الجاذبية؛ لكنه يخلو تمامًا من القوى الخارجية التي يمكن أنْ تؤثِّر في حركة الأجسام فيه. وهذه الحقول، ولجهة تأثيرها في حركة الأجسام، ليست بـ”قوَّة (خارجية)”.
الكرة تتحرَّك هنا في مسارٍ منحنٍ، أو دائري، أو بيضاوي.
ومع ذلك، هي تسير دائمًا (هنا) في خطٍّ يمثِّل المسافة الأقصر بين نقطتين؛ إنَّها منقادة لهذا المسار، تتبعه في استمرار. وهذا السير، من وجهة نظرها، هو سير في خطٍّ مستقيم؛ لكن سير الكرة في مسارٍ دائري (هو مسار مستقيم من وجهة نظرها) هو سير متغيِّر الاتِّجاه دائمًا؛ وهو، من ثمَّ، سيرٌ يجعلها “متسارِعة”.
ومقدار سرعتها يتغيَّر هو أيضًا في هذا الفضاء، الذي يخلو من القوى الخارجية، والذي يتأثَّر بجاذبية ليست بـ”قوَّة” كالتي تصوَّرها أو افترضها نيوتن.
الحركة ضمن هذا الفضاء هي حركة متسارعة؛ إنَّها متسارعة مع أنَّ الجاذبية ليست بـ”قوَّة” كالتي تصوَّرها أو افترضها نيوتن، ومع أنَّ هذا الفضاء يخلو من “القوى”، ومع أنَّ الجسم المتسارع ظل محتفظًا بخاصية “القصور الذاتي.
الفضاء ينحني؛ وحيث ينحني الفضاء أو المكان (وبما يتناسب مع درجة أو شدة انحنائه) ينحني “المسار”، وينحني “الزمان”، أي “يتمدَّد”، أو “يبطؤ”.
“انحناء الفضاء” يُفسِّر، على خير وجه، حركة الأجسام التي ما كان ممكنًا تفسيرها، من قَبْل، إلا إذا افتَرَضْنا وجود قوى خارجية (قوى دَفْعٍ أو سَحْبٍ) تؤثِّر في الجسم بما يُخْرِجه عن الاستقامة في خطِّ سَيْره، أو يَزيد، أو يقلِّل، سرعته؛ فالجسم الذي يظل يسير بالسرعة نفسها، وفي خطٍّ (أو مسارٍ) مستقيم، هو الذي لا يخضع لتأثير قوى خارجية.
هذا “الانحناء”، ولجهة تأثيره في حركة الجسم، إنَّما يعني، ولو نظريًّا، أنْ يسير الجسم في مسارٍ مستقيمٍ حتى يعود (أو ليعود) إلى النقطة التي منها بدأ سَيْره؛ فالجسم، ومن وجهة نظره، سار في الفضاء في خطٍّ مستقيم، لا ريب في استقامته؛ فكانت العاقبة النهائية أنْ عاد، أخيرًا، إلى النقطة التي منها بدأ سَيْره.
كوكب الأرض يدور في مدارٍ حَوْل الشمس، التي تسبَّبَت كتلتها في انحناء الفضاء الذي تتموضع فيه، والذي فيه يسير كوكب الأرض، دائرًا حَوْل الشمس.
وهذا السَّيْر لكوكب الأرض إنَّما يشبه أنْ تسير في خطِّ الاستواء في خطٍّ مستقيم، من وجهة نظرك، فتَصِل، في آخر المطاف، إلى النقطة التي منها بدأْتَ السَّيْر، دائرًا حَوْل مركز الكرة الأرضية.
ضَعْ إنسانًا مكان كوكب الأرض في دورانه حَوْل الشمس؛ ثمَّ اسْأَلَه عن “رأيه (الموضوعي)” في حركته، فيجيبكَ قائلًا إنَّ حركته (أيْ انتقاله من نقطة إلى نقطة، أو من موضع إلى موضع، في الفضاء) ليست متأتية من قوَّة خارجية ما، تدفعه، أو تسحبه، وإنَّه لمتأكِّد تمامًا أنَّه يسير في مسارٍ مستقيمٍ تمامًا؛ أمَّا لو سأَلْتَ مراقبًا خارجيًّا بعيدًا، يراقِب حركة هذا الإنسان من خارج المجموعة الشمسية، لأجابكَ قائلًا إنَّه يدور حَوْل الشمس، ولا يسير في خطٍّ مستقيم.
أنْ تسير في خطٍّ مستقيمٍ، من وجهة نظرك، وفي فضاءٍ منبسطٍ مستوٍ، من وجهة نظرك، لتعود (ولو نظريًّا) إلى النقطة التي منها بدأْتَ السَّيْر؛ فهذا إنَّما هو معنى “انحناء الفضاء”، أو “معناه الحركي”.
الجسم، ولجهة صلته بمساره، إنَّما هو “المنقاد” و”التَّابِع” دائمًا؛ إنَّه، أوَّلًا، لا يخضع، في حركته، لقوى خارجية، وإنَّه، من ثمَّ، يَتْبَع مساره، الذي هو مستقيم، من وجهة نظره. إنَّه مسارٌ مُنْحَنٍ، من وجهة نظر مراقِب ما؛ لكنَّ انحناءه، ومهما اشتدَّ، لا يتعارَض مع كَوْنِه “المسافة الأقصر بين نقطتين”.
مكان كوكب الأرض (في دورانه حَوْل الشمس) ضَعْ حُجْرة صغيرة مُغْلَقَة تمامًا، وفيها مراقِب لا يرى شيئًا من العالَم الخارجي؛ لأنْ لا نوافِذ في حُجْرته.
لو قُلْتَ لهذا المراقِب إنَّه مع حجرته موجود في فضاءٍ خالِصٍ من حقول ومصادِر الجاذبية، يسير بسرعة ثابتة، وفي خطٍّ مستقيمٍ، ولا يخضع، من ثمَّ، لتأثير قوى خارجية، لَمَا وَجَدَ لديه من سبب يدعوه إلى عدم تصديق قولكَ.
ولو شَرَعَت حجرته تسقط سقوطًا حُرًّا نحو سطح الأرض لظلَّ مُعْتَقِدًا أنَّه مع حجرته ما زال موجودًا في ذاك الفضاء، ويسير بسرعة ثابتة (مع أنَّ سرعته تزداد في أثناء سقوطه الحر) وفي خطٍّ مستقيمٍ.
لِنَجْعَلْ المراقب نفسه في حُجْرَة شفَّافة، ولنَفْتَرِض أنّه كان في خارج المجموعة الشمسية، في فضاءٍ خالصٍ من الجاذبية، يسير بسرعة ثابتة، وفي مسارٍ مستقيمٍ، ولا يخضع، من ثمَّ، لتأثير قوى خارجية.
ولنَفْتَرِضْ أنَّ رحلة هذه الحجرة ستنتهي إمَّا بدورانها في مدارٍ ما حَوْل الشمس، وإمَّا بسقوطها إلى الشمس.
المراقِب في داخلها سيظل دائمًا متأكِّدًا أنَّ حجرته تسير في خطٍّ مستقيم؛ لكنَّه سيَجِد أنَّ سرعة حجرته تزداد.
لقد انتقل هذا المراقب، أو سافر، في المكان، أيْ في الفضاء؛ كان في فضاءٍ خالصٍ من الجاذبية، فأصبح يسير في فضاءٍ مُنْحَنٍ، أي ضمن حقل الجاذبية الشمسية.
وثمَّة أمْرٌ لا يُدْرِكه هذا المراقِب، ألا وهو أنَّ انتقاله (أو سفره) في المكان هو أيضًا انتقال (أو سفر في الزمان). إنَّه لا يُدْرِك أنَّ الزمن عنده قد تغيَّر؛ فكل ما لديه إنَّما يؤكِّد له أنَّ الزمن (عنده) يسير كالمعتاد، وأنَّ كل حادِثٍ عنده يَسْتَغْرِق حدوثه الوقت نفسه؛ لكنَّ مراقِبًا خارجيًّا بعيدًا (يراقبه من خارج المجموعة الشمسية، ومن نقطة ما في فضاء منبسطٍ مستوٍ) يرى أنَّ الزمن في تلك الحجرة يتباطأ مع كل اقتراب لها من كتلة الشمس.
لكنَّ “النسبية العامة” لآينشتاين، والتي أطاحت جاذبية نيوتن بصفة كونها “قوَّة مبهمة غامضة تعمل وتؤثِّر عن بُعْد”، لم تُجِب (بما يكفي من الوضوح) عن السؤال “كيف؟”، أي كيف تُنْتِج “الكتلة (ككتلة الشمس)” انحناءً في الفضاء الذي تستقرُّ فيه؟
وإجابة هذا السؤال تصبح من الأهمية بمكان إذا ما تواضَعْنا على أمْرين مهمين، الأوَّل، هو أنَّ الجاذبية تأثير ينتقل (في الفضاء) بسرعة تَعْدِل سرعة الضوء، أي بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية؛ والثاني، هو أنَّ الجاذبية تنتقل على هيئة موجات؛ فإنَّ “الكتلة” تشبه حجرًا ألْقَيْتَه في بِرْكةٍ، فتموَّجت البِرْكَة من حيث وَقَع الحجر.
و”موجة الجاذبية” الأقرب إلى “المركز”، أي إلى كتلة النجم مثلًا، هي الفضاء الأكثر انحناءً، و”موجتها الأبعد (حتى الآن)” هي الفضاء الأقل انحناءً.
في إجابة هذا السؤال قد تشتد لدينا الحاجة إلى استعادة شيء من مفهوم “القوَّة”.
وهذا إنَّما يعني أنْ نفهم “الجاذبية” على أنَّها “قوَّة (أو تأثير)” يُحْمَل، أو يُنْقَل، على “متن” جسيمٍ ما، عديم الكتلة، ويسير بسرعة الضوء، وأنْ نَعْزو، من ثمَّ، انحناء الفضاء (وتموُّجه) إلى هذا الجسيم؛ ولقد افْتَرَض فيزيائيون وجوده، وسمُّوه “غرافيتون” Graviton.
تخيَّل أنَّكَ الآن موجود في فضاءٍ منبسطٍ مستوٍ، وبغتةً، ظهر “نجم” على مقربة منك. أنتَ الآن تَبْعُد عن هذا النجم الذي ظهر 900 ألف كيلومتر.
إنَّكَ لن تتأثَّر بجاذبيته (أي بموجة جاذبيته) إلاَّ بعد 3 ثوانٍ.
من ذلك النجم انطلقت (وظلَّت تنطلق) سيولٌ من الجسيمات الحاملة للجاذبية والتي تسير بسرعة الضوء، فشرع الفضاء ينحني (ويتموَّج) بدءًا من “المركز”، أي من كتلة النجم.
حتى وصول تلك الجسيمات إليك كان الفضاء عندك منبسطًا مستويًا؛ فلمَّا وصلت إليه انحنى وتقوَّس، متَّخِذًا شكل “موجة”. الآن، والآن فحسب، تتأثَّر بالجاذبية، أي بهذا المنحنى الفضائي؛ ولا بدَّ لكل جسم يقع في “محيط الدائرة” نفسه، أي في محيط الموجة، من أنْ يتأثَّر مثلك بالجاذبية.
هذه الموجة هي الآن، والآن فحسب، الموجة الأبعد عن المركز؛ لكنَّها لن تظل الأبعد بعد ثانيةٍ واحدةٍ؛ فالجسيمات الحاملة للجاذبية تظل تسير بعيدًا عن “المركز” أو “المَصْدَر”، منتِجَةً مزيدًا من التموُّج في الفضاء؛ والموجة الأبعد حتى الآن هي “الأضعف” و”الأقل انحناءً”.
بهذا التصوُّر، قد نتخطَّى التناقض بين نظريتي نيوتن وآينشتاين، فنَفْهَم “الجاذبية” على أنَّها “مُنْتَج لانحناء الفضاء” الذي تسبَّبت به “الكتلة” عَبْر “جسيمات طاقة الجاذبية” المنطلقة منها، في استمرار، وفي كل اتِّجاه. هذه الجسيمات إنَّما تؤثِّر مباشَرَةً بـ”الفضاء (فتَجْعَلَه ينحني)”، وليس بالجسم الموجود، أو السائر، في هذا الفضاء؛ فإنَّ حركة هذا الجسم تتأثَّر مباشَرَةً بانحناء الفضاء.
لكنَّ هذا التصوُّر لن يكتمل ويصح منطقًا إلاَّ إذا تخطَّينا التناقض بينه وبين نظرية “الثقب الأسود”.
إذا أقَمْنا ومَدَدْنا جسرًا بين “النسبية العامة” و”القوَّة” بمفهومها “الجسيمي”، فكيف لنا أنْ نظل نفهم “الثقب الأسود” على أنَّه “الجاذبية التي لشدتها لا يفلت من قبضتها حتى الضوء”، ولا يفلت من قبضتها، من ثمَّ، حتى “الجسيم (الافتراضي) الحامل لهذه القوَّة”؟!
إذا كان جسيم الجاذبية لا يستطيع الإفلات من “الثقب الأسود” فكيف لجسمٍ ما أنْ يتأثَّر بجاذبية هذا “الثقب”؟!
وكيف لـ”الثقب” أنْ “يتبخَّر”، فاقِدًا مادته، إذا ما كان الضوء نفسه لا يستطيع الإفلات من قبضة جاذبيته؟!
نيوتن وآينشتاين اتَّفقا على أنَّ لكل جسمٍ (لكل كوكب أو نجم..) سرعة إفلات (أو هروب) من قبضة جاذبيته تتناسب و”كتلة” هذا الجسم؛ مع أنَّ سرعة الإفلات من “سطحه” يجب أنْ تتناسب، أيضًا، مع “كثافة” هذا الجسم، أي مع “نصف قطره”؛ فسرعة الإفلات من الجاذبية عند سطح الأرض، والتي هي الآن نحو 25 ألف ميل في الساعة، يمكن أنْ تزداد إذا ما رُكِّزت كتلة الأرض نفسها في حيِّز أو حجم أصغر، أي إذا ما انكمش وتقلَّص طول نصف قطر الكرة الأرضية (مع ثبات كتلتها).
نظرية نيوتن في الجاذبية سمحت لبعض الفيزيائيين بافتراض أو تخيُّل وجود جسمٍ (نجم مثلًا) هائل الكتلة، تفوق سرعة الإفلات من الجاذبية عند سطحه سرعة الضوء، فلا يستطيع، من ثمَّ، الضوء نفسه مغادرته إلى الفضاء الخارجي.
آينشتاين قال هو أيضًا بوجود جسمٍ لا يستطيع حتى الضوء الإفلات من قبضة جاذبيته الهائلة؛ لكنَّه اعتبر أنَّ الجَمْع بين “نجمٍ” وبين “سرعة إفلات تَعْدِل، أو تَفُوق، سرعة الضوء” هو ضَرْبٌ من المستحيل.
لقد فكَّر آينشتاين مليًّا في أمْر هذا “النجم الافتراضي (التخيُّلي)”؛ ثمَّ تساءل (على ما أتوقَّع وأفْتَرِض) قائلًا: نجمٌ بهذه الجاذبية الشديدة، هل يبقى “سطحه” في مكانه؟
وهل لهذا “السطح” أنْ يظل بعيدًا (هذا البُعْد) عن “مركز” النجم؟
مع وجود هذه الجاذبية القوية لا شيء يظل باقيًا (ماكثًا، مستقرًّا) في مكانه أو موضعه؛ فكل شيء ينبغي له (في هذه الحال من الجاذبية الشديدة) أنْ “يتحرَّك وينتقل نحو الداخل”. حتى “سطح” النجم ينبغي له أنْ يفعل ذلك. في هذه الحال (من الجاذبية الشديدة المانعة للضوء من الإفلات) ينبغي لـ”الانهيار” أنْ يستمر (أنْ لا يتوقَّف).
و”النتيجة النهائية” لهذا “الانهيار (المستمر، المتعاظِم، المتسارِع) هي زوال النجم نفسه، ونشوء “منطقة (حقل) في الفضاء تنبثق منها جاذبية هائلة”؛ وهذه “المنطقة” هي ما يسمَّى “الثقب الأسود”.
إنَّ ما يدفع إلى “الانهيار (انهيار “السطح” وكل شيء)” هو نفسه (لجهة شدته وقوته) ما يمنع الضوء من الإفلات (من “السطح”).
لقد عَرَفْنا بفضل هاوكينج، ونظريته المسمَّاة “إشعاع هاوكينج”، أنَّ “الثقب الأسود” قابِلٌ لـ”التبخُّر”، الذي رأى فيه نتيجة تترتَّب حتمًا على التفاعل بين “الجاذبية الهائلة” لـ”الثقب” و”الجسيمات الافتراضية” Virtual Particles التي تنبثق من “الفضاء الفارغ” Empty Space في “ضواحيه”.
و”التبخُّر” ليس كـ”الانفجار” الذي مال إلى الأخذ بفرضيته جون آرتشيبولدويلر، والذي تعرَّضت له “البيضة الكونية”، فخَرَج (على يديِّ هذه “القابلة القانونية”، أي “الانفجار الكبير”) الكون إلى الوجود (على افتراض وجود وجودٍ قبل هذا “الانفجار”).

إلى الأعلى