الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أردوغان على المحك

أردوغان على المحك

”صحيح أن حزب العدالة والتنمية لا يزال يحظى بتأييد نسبة كبيرة من الأتراك خاصة في مناطق الريف، لقناعة الأتراك المتدينين البسطاء بأن الحزب “يرفع راية الإسلام”. وإن كان بعض من ذلك اهتز الآن إثر فضيحة قضية الفساد المالي التي اتهم فيها عدد من قيادات حزب أردوغان ومنهم ثلاثة وزراء طالت الفضائح أبناءهم، ولم يسلم منها بلال نجل أردوغان.”
ــــــــــــــــــــ
في احدى خطب حملات حزبه الانتخابية هذا الأسبوع قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إنه سيستقيل إذا خسر حزبه الانتخابات المحلية التي تجرى نهاية الشهر الحالي. وربما لا يكون ذلك خيارا أمام أردوغان بقدر ما يصبح ضرورة لعدة اسباب، أولها وأهمها أن خسارة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية ستعني بالضرورة خسارته الانتخابات العامة في تركيا نهاية العام. فهناك قاعدة في تركيا، ربما تختلف عن غيرها من كثير من الدول الديموقراطية وغير الديموقراطية منها، وهي أن من يكسب الانتخابات المحلية يكسب الانتخابات العامة. أضف إلى ذلك ان اغلب قيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه أردوغان بدأت مشوارها السياسي عبر المحليات والبلديات، وبالتالي يعتبر الحزب معركة المحليات ساحة قوته الأساسية فإذا خسرها ـ أو حتى لم يحقق فيها نجاحا ملحوظا ـ يعني ذلك أن شعبيته في تراجع.
صحيح أن حزب العدالة والتنمية لا يزال يحظى بتأييد نسبة كبيرة من الأتراك خاصة في مناطق الريف، لقناعة الأتراك المتدينين البسطاء بأن الحزب “يرفع راية الإسلام”. وإن كان بعض من ذلك اهتز الآن إثر فضيحة قضية الفساد المالي التي اتهم فيها عدد من قيادات حزب أردوغان ومنهم ثلاثة وزراء طالت الفضائح أبناءهم، ولم يسلم منها بلال نجل أردوغان. وربما ما زاد من الأثر السلبي لفضائح الفساد المالي تلك رد فعل أردوغان على قضايا الفساد بلغو حديث يكيل الاتهامات لمعارضين دون “تواضع الاعتراف بأن هناك مشكلة”. فقد اتهم أردوغان حليفه السابق الذي انقلب ضده، رجل الدين فتح الله غولن ووسع من طريقة الانكار باتهام قوى دولية بالتآمر عليه وعلى حكومته. لكن الأتراك الذين شاهدوا صور التلفزيون لمبالغ الدولارات في منزل أحد المتهمين لم يقنعهم حديث المؤامرة تماما.
كان رد فعل أردوغان وحكومته هو التغول على الشرطة والقضاء لأنها كشفت فضيحة الفساد المالي وتحقق فيها، وفتح صراعا مع مؤسستين مهمتين في تركيا في وقت تتصاعد المظاهرات ضده وضد حكومته. وبدا أردوغان وكأنه يحذو حذو الإخوان في مصر في موقفهم من القضاء تحديدا، ولم يكن مستغربا أيضا أن يتهم أردوغان قضاة بأنهم يستهدفونه وحزبه لصالح غريمه غولن. والواقع أن أردوغان لديه مشكلة مع قوى الأمن في بلاده منذ فترة، وخاصة منذ بدأت شوكة الجماعات المتشددة تقوى في الحرب في سوريا. ولم تلق نصيحة قيادات أمنية لأردوغان بأن تسهيل تركيا دخول المقاتلين الأجانب إلى سوريا ربما ينقلب على الداخل التركي. وتلك القيادات الأمنية لم تكن تنصح بهدف سياسي، ولا يهمها كثيرا الموقف من أطراف الحرب الداخلية السورية بقدر ما هي معنية بحماية الأمن الداخلي التركي من “عناصر إرهابية”.
ربما تكون كل تلك المشاكل، حتى بما فيها قضايا الفساد المالي، أقل هونا من العامل السياسي الذي ربما يكلف حزب العدالة والتنمية ثمنا في الانتخابات ـ المحلية والعامة. فالورقة الرابحة لأردوغان وحزبه قد تكون أيضا الورقة التي تكلفهم قدرا كبيرا من الأغلبية الشعبية والتصويتية، ألا وهي الاقتصاد. فمنذ تولى أردوغان الحكم عام 2002 والاقتصاد التركي يشهد نموا غير مسبوق أخرجه من فترة تراجع سابقة وعبر به الأزمة المالية العالمية قبل نحو ست سنوات. وخلال فترة العقد أو يزيد هذه تحسن وضع المواطن التركي ـ في المتوسط العام طبعا ـ بمقدار النصف تقريبا. إلا أنه منذ عام 2007 لم تعد تلك “المعجزة” الاقتصادية التركية مبهرة كما كانت في البداية. ولم يعد كثير من الأتراك، خاصة في الحضر، على نفس القدر من التفاؤل بتحقيق مستقبل اقتصادي واعد.
يعود ذلك بالأساس إلى ان أردوغان إنما سحب تجربة رئاسته لبلدية اسطنبول على الدولة بشكل عام. وكان انتخاب أردوغان لرئاسة بلدية اسطنبول منتصف التسعينات فرصته ليخرج البلدية من الديون ويتركها بعد اربع سنوات ولديها فائض ميزانية عبر انجاز اقتصادي بنى عليه شعبيته التي حملته بعد ذلك من المحليات إلى السياسة العامة للبلاد. فعبر مشروعات بنية تحتية كبرى، مثل مترو أنفاق اسطنبول، نشط اقتصاد المدينة الكبيرة. لكن الأهم كان مشروع “رغيف البلدية” الذي ارتبط بأردوغان. كانت اسطنبول تعاني مشكلة نقص الخبز، وقرر رئيس البلدية الجديد أن تدخل السلطة المحلية في صناعة انتاج الخبز، وأدى ذلك إلى ضرب عصفورين بحجر. فقد حلت مشكلة الخبز لسكان المدينة وحققت البلدية أرباحا من مخابزها، أو بالشراكة مع مخابز خاصة. حتى وإن تعثر بعض أصحاب المخابز الخاصة وقتها، لكن ذلك لم يكن يعني أردوغان كثيرا ـ وغلبت الانجازات النتائج الجانبية السلبية.
هذا النموذج وإن صلح لمدينة ليس بالضرورة صالحا لاقتصاد بلد وقد تصبح النتائج الجانبية لسياسة مثل هذه مشكلة لحزب أو جماعة يستفيد على حساب بقية الأعمال الصغيرة والمتوسط، حتى وإن حقق أرقاما مبهرة للاقتصاد الكلي. وربما هذا ما بدأ يتضح لكثيرين بعد 2007. أما مشكلة أردوغان فهي أنه أصبح رمزا يرتبط به الحزب والحكم أكثر منه قائدا لكيان سياسي له هياكل تتقاسم المسؤولية، ويقول كثيرون إنه في السنوات الأخيرة اصبح متمركزا حول ذاته يحيط به عدد من رجاله لا يكاد يسمعونه إلا “صوت نفسه”.

د. أيمن مصطفى* كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى