الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كلمات: موج البحر وطن
كلمات: موج البحر وطن

كلمات: موج البحر وطن

علي عقلة عرسان

إلى سوريين..
لم يجدوا الأمن في الوطن،
وماتوا في الغربة، من دون قبر أو كفن.

ذات زمنْ،
في ذات وطن..
لا يلقَى فيه الميْتُ كَفنْ..
حمل الشخصُ المرهقُ طفليه، على كتفيه،
وسار بليْلٍ أليل، أسود من كحل العين..
سارَ يطرِّز سرَّ الأسرار بحرف نهارْ،
بشوقٍ، يلقُفُ ضوء الشمس، ليصنع بعضَ نهارْ..
ومشت زوجُه خلفَه..
في الحضن رضيعٌ أعجف أصفرْ،
والضرع جفافُ العمر الأغبرْ،
بعْضَ الزادِ بيد،
بالأخرى طفلة،
سمرا اللون، بطعم العنبرْ..
حلوة..
حلوة..
مثل فَتيتِ السكّرْ..
ضفائرُ ترقصُ، عينٌ تدمع،
قلبٌ أخضرْ.
ساروا ليلاً أليل..
طالَ، يطولُ، وأطول..
قطعوا الرعبَ، مفازة دربٍ، بعد مفازة دربٍ أعسَرْ..
بين ضفاف الوطن الموت، وقصف الرعب الأخطر.
إعياءً كانوا..
نفدَ الزادُ، وسجى الليلُ،
وطال الليلُ، وطالَ، وطال..
صار الرعبُ وسادة.
همست سمراءُ اللون: “تعبتُ”،
وقال الطفل الرّاعف فوق الكتف اليمنى للشخص الأب:
“أبويَ.. أريدُ الأرضَ”..
يا للأرض..
ومَن في الأرض يطيق الأرض، بهذا الوقت الصعب.؟!
ضجَّ الدمعُ بعينِ الأمِّ، بعين الأبِّ..
لكن..
لاتَ حين مناص..
طلبُ الطفل، وحَملُ الأهل..
وسيرُ الليل، تعبُ الليل، وجوعُ الليل، وخوفٌ يملأ جوف الليل..
هذا كلٌ.. هذا كلٌ..
بعض مآسي العيش، دواعي العيشِ..
وبعض دواعي الأمنِ..
وبعض الزمن، الرعب.

ـ ٢ ـ

في الفجر الحالك،
وصل الخمسةُ حوضَ المينا..
رهواً كان الماء،
نديَّاً كان هواءُ البحرِ..
وفوق الماء بهاء..
لسحرِ البحر بهاء.
سفينةُ نوْحٍٍ كانت ترسو فوق الماء،
مثل نهارٍ تُشرقُ، مثل رجاء بكرٍ تبرقُ،
تصخب أملاً في الأرجاء..
والمركب، ذو اللون العُشبيِّ، سفينةُ نوحِ العصرِ..
بدا للمعروقين المسحوقين سماءً، ذات ضياء،
عرشاً يطفو فوق الماء،
أمل الغربة والغرباء..
نجاةً من قهرٍ طالَ، وظلمٍ أعمى، صالَ وجال،
ورعبٍ ذي هولِ الأهوال.
حطَّ الشخصُ الأبُّ ذويه فوق رصيف المينا،
حلَّ حزاماً تحت ثيابه،
قدَّم للرُّبانِ، لنوح العصر، جراحاً ملء إهابه..
قدَّم أيضاً فرضَ الطاعة مع أحبابه،
قدَّمَ صُرَّةَ مالٍ،
كانت: “ثمن البيت، الحقل، الشجر، العمر، الوطن الـ..”..
تمتم، قال: أنصعدُ، بعد الأمرِ، بإذن الله، إلى ذا المركب.؟!
لم يسمع صوتَ الرُّبان،
كان الرُّبان يعدّ المالَ،
يركِّز عيناً يمنى،
عيناً يُسرى..
يغرق في الأوراق الخضرا،
يفحصُ، يفحصُ، يفحص.
بقي الشخصُ الأبُّ سُكوتاً،
كبداً حرَّى..
صار بلونِ الخُضْرَين الراكد فوق الصخر على الميناء..
صار صلاة، بعض دعاء.
فاضت أنفاس الإعياء..
كمَدَ الوجه الصابر،
صار الوجعُ الجامدُ مثل بقايا كَبِدٍ جفَّ من الأعباء.
ما قال الرجل، نوحُ العصر، المالكُ عرش الماءِ، كلاماً يشفي..
ما ألقى نظرة عطفٍ نحو الركْبِ المتعب..
ما أشرق في وجهه نورٌ،
يرضي توق القلب إلى شيئ من يُسر..
شيئ من أمنٍ، من وعدٍ أخضر، زمنَ العُسر..
كان الباذخ في الخُيَلاء.
مرَّ الوقتُ، تلاهُ الوقتُ..
قاسٍ جداً كان الوقتُ..
أنهى الرُّبان مَهمةَ عَدِّ المالِ،
وقال بصوت كالزلزالِ،
بصوتٍ يزجرُ، ينهرُ، يأمرُ،
صوتٍ مثل القدر الأبتر: “اركب”.
ابتسم الكَمْدُ،
فرِحَ الوجعُ بعين الطفل الجائع،
ضحكت سمراءُ الوجه، وندَّ الدمعُ من العينين..
عين الزوج وعين الزوجة..
صدرت عن أم السمرا، آهٌ حَرّى،
مثل نشيش الماء على مقلاةٍ فوق النار..
آهٌ ليست كالآهات الأخرى، المُرّة،
آهات العادة..
المعتادة..
لغة الحسْرة..
كانت آهاً من أعماق القلب، كسرّ عبادة..
قالت: “شكراً يا الله، شكراً، شكراً يا الله..
زال الهمُّ.. ركبنا المركب.
اجلس، اجلس يا رجَّال،
تعال، تعال..
تعبتَ كثيراً..
اجلس، اجلس.. هدأ البال..
بعون الله، هدأ البال..
فكَّ اللهُ الأسرَ، ركبنا البحرَ،
صرنا نحو الفرج الأكبر،
وجب الشكر.. نجونا،
ونجى الأطفال بفضل الله..
شكراً لله.. شكراً لله.”.
قالت سمراءُ الوجه: وصلنا يا أماه؟!
فافترَّ الثغرُ الناشفُ عمّا يشبه بَسمة،
قالت، ذات الوجه الشاحب: لا..
لا يا سمراء،
بدأ الفرج، بدأنا الرحلة.
قولي: شكراً يا الله.
وضعتْ سمراء الكفَّ الأعجفَ جنبَ الكفِّ الأعجف،
أبحرَ وجهُ الطفلة في الأجواءِ، بفيض رجاء،
قالت: شكراً يا الله،
شكراً.. شكراً.. يا الله.

ـ ٣ ـ

سطعتْ شمسُ اليوم الأول..
ماجتْ نارُ الشمسِ،
أصابتْ يافوخَ الطفل الغضِّ بضربة شمس..
فاضت روحٌ تحت الشمسِ،
وغاب الفرح الآتي مثل الموج..
بكَتِ الزوجة، وبكى الزوج.
غابت شمسُ اليوم الأول،
والرُّبان يعدّ المال،
يكدُس فوجاً من أجسادِ رجالٍ فوق رجال،
غصَّ المركبُ بالأشخاص، وبالآمال، وبالآهات، وبالأقوال..
أرواحٌ فوق الماء تصيحُ: “تعبنا”،
هيا أبحر يا رُبّان..
صرنا أشباهَ الفيران..
يا رُبانَ المركب أبحر،
صرنا الصبرَ، وملحَ البحرِ، وصرنا أكثر.
صلصلَ صوتُ الرُّبان كقصف الرعدِ:
“سكوتاً..
لا صوت يمجُّ الحرْفَ بهذا المركب،
لا للشكوى، لا.. للآه..
إنا نصنع فجرَ حياة.
إني الرُّبان أقول لكم:
“من باب أمان اللهِ، وأمن الناسِ، وأمن المركب..
نبحرُ لمَّا يأتي أمرٌ بالإبحارْ..
هناك رجالٌ تعمل،
كلٌ يعمل وفق أمان البحرِ، أمان الناسِ، أمان المركب.
لا أسمع صوتاً بعد الآن،
كلٌ يسكتُ، كلٌ يخرسُ، أو فلينزل..
هذا باب البحر وسيعٌ..
هيا.. هيا..
فليبحر من لا يحتاج إلى ذا المركب،
من لا يحتاج الرُّبانَ، وكلِّ أمان.!؟”.
سكتَ الناس..
نزغَ الياس بقلب الناس،
نزغ الوسواس الخنَّاس..
خرسَ الناس.
مرَّ الليلُ بلا أنفاس..
جاءت شمسُ اليوم الثاني، أقسى من شمس اليوم الأول..
ماتت أنثى، كانت تخشى الموتَ بحيٍّ في الشّهباء،
بحيٍّ من أحياء حَلب..
نتيجة قنصٍ، أو صاروخٍ، أو برميلٍ ضخم أعمى..
أو زحفِ وباءٍ..
زحفِ لهيبِ حريقِ حَلب..
ماتت في المركبِ علياء..
من نقص غذاءٍ، نقصِ دواءٍ، نقصِ أمان، نقص رجاء،
ماتت أيضاً من إعياء..
ماتت في المركبِ علياء.
فوق الماء..
سارَ هسيسُ دعاء..
“ارحم خلقك يا الله..
ارحم خلقَك يا الله.”،
قال الوجهُ الأشعثُ،
وجهُ الرجل الناظر طول الوقت، بوجهَ العلياء الشهباء:
“سبحان الله الخالق..
قدرُ الله، وأمرُ الله..
قدَرُ الله، وأمرُ الله”.

ـ ٤ ـ

جاء الرُّبان بعرْف الديك،
صاح الرّبان، بزهوِ الديك:
“سنبحرُ بعد غياب الشمسِ،
بعد عناء اليوم، عناء الأمسِ،
سنبحرُ.. نبحرُ..
جاء الأمر.
أمانُ الرحلةِ مثل سطوع الشمسِ،
لن نتأخر.
هيا، هيا، كلٌ يأخذ وضعاً يبقى فيه خلال الرحلة،
كونوا الحذَرَ بذاته،
لا تجوال، ولا تَصهال، ولا ضوضاء.”.
قال البعضُ من الأحياء:
“أيا رُبان هنا أمواتٌ،
لا أكفانٌ، لا إقبارٌ، لا أضرحة للأموات..
هذا وضعٌ يُفهمُ، ضمنَ المركب،
لكن.. لكن..
لا إضرار بنا الأحياءَْ..
لا أمكنةً للأموات حِذا الأحياء بهذا المركب.
مات الطفلُ غداة الأمس،
وحضنُ ذويه كان الرّمس..
ماتت في المركبِ علياء..
يلْفُقُ عند البعض مصابٌ ثالث..
وهنا فيضٌ من إقياء..
ماذ نفعل بالأموات، أيا رُبَّان المركب..
والصيف يضاعف كل وباء.؟!
جاء الصوت الزاجرُ، مثل قضاء الله القاهر:
“بعد الإبحار سنلقي الطفل، ونلقي علياء الشهباء، بجوف الماء..
البحرُ ضريحٌ أوسع..
لا أحضان، ولا تَحنان، ولا أكفان.
فليسمع، كلٌ يسمع:
لا أموات مع الأحياء بهذا المركب،
الحيُّ يفوقُ الميتَ عناية..
هذا أمر الله، أطيعوا أمر الله.”.
صمتَ الحشدُ، وفاضت روحُ الشخص الثالث..
بلغ الخوفُ، الحزنُ، اليأسُ، مداه.
غابت شمس اليوم الثاني،
شفقٌ.. في الغرب.. ولا أحلى،
شفقٌ في الغربِ، يريح القلب..
ويرسم بعضَ معالم درب..
شفقٌ في الغرب.. ولا أحلى..
أدبرْ يا كرب..
حالَ اللون الباهرُ شيئاً، شيئاً،
صار الشفقُ غسقاً بكراً..
شمسٌ تسحبُ ثوبَ العتمة..
زرقة لون الماء تَحُولُ رماداً،
لون البحر يصير ظلاماً،
عين الناس بعين البحرِ،
وعين البحر بعين النجمِ،
وغيمٌ غطّى وجه النجم، ووجه الماء..
صار المشهدُ نثرَ هباء.
همَسَ الشخصُ الأبُّ لزوجه:
“آهِ.. رجاء..
لا أرتاح لهذا الليل،
ليلٌ يحمل طعم الويل..
لا أرتاح لهذا الليل..
ولا أرتاح لهذا المركب.”.
قالت صندوقُ الحزن الأسود:
“لا .. لا تيأس،
لا تيأس، أمِّن بالله..
هاذا خيرٌ من ذبح الشاة، كما شُفناه..
هاذا أفضل من رعبِ الموت، كما عشناه..
بكل دقيقة وقتٍ كان الرعبُ الموتُ،
يدقّ وراء الباب خطاه..
كان قذيفةَ نارٍ..
كان قذيفةَ حقدٍ تطفئ كلَّ حياة..
ذلك حالٌ زالَ..
صرنا، إن شاء اللهُ، الآن على أبواب نجاة..
لا تيأس، أمِّن بالله..
لا تيأس، أمِّن بالله..
سبحان الله.. وحمداً.. حمداً لله.”.
صمتَ الكون..
صمتَ الكون..
كلُّ الناس قلوبٌ تضرب،
صمتُ الذعرِ، عيونٌ ترقب..
بعد الصبر.. الدهرِ، دارت عنفات المركب،
مثل ذراع العَنْكَب..
سبح المركب عبر الماء..
فجٌّ صخبُ الموجِ،
يضرب وجه الناس بكفِّ الماء،
والغيمٌ سماءٌ، تحت سماء،
والناس وجوهٌ تشحُب.. تشحُب..
كلُّ الناس هباءٌ،
كلُّ الناس دعاءٌ،
كلُّ الناس رجاء.

ـ ٥ ـ

جاء الصوتُ الآمر،
مثل الرعد القاصف، قاهر..
صوتُ الرُّبان:
“.. ألقوا الطفلَ بجوف الماء..”..
هبَّ ذهولٌ، دبَّ، وسبَّ، وصبَّ جحيماً في الأرجاء..
هبّ رجالٌ،
صرخت أمٌ، وبكت دمعاً فوق الماء،
فُجِعَ الماء، شخرَ الماء..
بلَعَ البحرُ الطفلَ الجثة.
مرَّ الوقتُ بطيئاً جداً..
دهراً يحبو كان الوقت..
عاد الصوت الآمر:
“.. ألقوا علياءً في الماء”..
هبَّ رجالٌ،
هزوا علياء الشهباء، بفضل رداء،
“هيلا.. هوب”..
صدمَ الجسدُ الماء..
صرخ الماء..
غابت علياءٌ في الماء.
ويلُ الماء، لطَمَ الماء..
غضب الموج، زأر الماء..
مرَّ الوقتُ..
عصيباً مرَّ الوقتُ..
نسي الرُّبان الميتَ الثالث..
صاح الناسُ، ببعض سؤالٍ، يخشى الرعدَ الآمر،
صوتَ الرُّبان القاهر،
حاكم أمر الناس:
“أيا الرٌّبان..
هل نلقي الميْتَ الثالث..؟!”..
غضبَ الموج، زأر الماء..
نسي الرُّبان الأحياء..
راح يدقّق في الأجواءِ، ويقرأ طِلَّسمَ الأنواء.
ألقى الناسُ الجثة.
صار المركب للأحياء، ولمن أنهكه الإعياء..
زأرَ الموج، وثارَ الماء،
هجم البحرُ على الأحياء،
قذائفُ ماء..
قذائف ماء..
قصفُ الرعد يزلزل كل بقاء..
زامنَ برقٌ قصف الرعد، أشعل غيمَ الجوِّ،
أضاء وجوه الناسِ،
وأرسل صوتاً هزَّ قلوبَ الناس..
فاضت شلالات الماء على الأحياء..
يا لشقاء الحيِّ، ويالَ صهيل الماء..
مطرٌ، مطرٌ..
قِرَبٌ تدفقُ، فوق ايهاب الماء،
نوحُ هواء..
هجمَ الموج، يصبُّ الموت على الأحياء..
صار المركبُ حوضَ سباحة،
يرقص أكثر، يرجف أكثر، يبطئ أكثر..
يغطسُ أكثر، يغرقُ أكثر.
صاحَ الرُّبان بصوتٍ فيه الرعبُ:
“فقدتُ أمانَ المركب،
يغرقُ، يغرقُ هذا المركب..
فليقفزْ في الماء السباح،
ولتنقِذْ أرواحٌ أرواحْ..
طوق نجاة..
هاكمُ، هاكمُ، طوق نجاة..
فليقفزْ في الماء السباح..
لعلَّ الحِمل يخفُّ، ويطفو المركب.”.
جَمُد الناس..
لبعض الوقت غدا الأحياء بلا أنفاس..
ذهولٌ عمَّ الأنفسَ، عمَّ البحرَ..
عمَّ فضاءَ الكونِ،
وصار الكلُّ ذهولاً..
“بُكماً، عُمياً، طُرْشاً”، صار الناس..
من ذا يقفز؟! من ذا يفْغَر جوف الماء،
من ذا يغرق قبل الآخر.؟!
شدْقُ الماء نيوبٌ القِرشِ، وجوف الماء قبور تترى..
من ذا يقفز في أشداق القرشِ، الوحش..
من ذا يصبح وجبة حوت البحر الجائع..
من ذا، من ذا.. من ذا..؟!
عادَ الوعيُ بطيئاً..
صرخت أصواتٌ ملء الكونِ،
بكت سمراءُ اللون، الطفلة،
كلُّ نساء المركبِ غِضن بقلب الماء، وفاض الماء..
كلٌ يصرخ يا ربَّاه،
أنقذ خلقك يا الله،
“ما من غيرك يا الله… “..
رُمْنا العيشَ، وأمنَ العيشِ..
جاء الموتُ، وما رُمناه..
جاء الخوف، وما والاه..
فارحم خلقك يا الله.”.
ـ ٦ـ

شدَّ الشخص الأبُّ حزامَ أمان،
أملك نفسَه طوق نجاة،
شدَّ الطفلَ إلى كتفيهِ، وأردفَ سمرا الوجهِ وراه،
صاحت زوجُهُ: “لا.. لا تقفز، بعض المركب أبقى..
بعض الماء وفاة..”
- لكن بعض الماء حياة..
لا .. لا تفعلْ،
لا.. لا تفعلْ..
يا..رب.. ا.. ه..
يا.. رب..ا..ه “..
غابت حشرجةُ الصوت الدامع تحت الماء،
ران الماء، وران الماء..
مات رجاءُ الشخص الأبِّ بموت رجاء..
صار الماء دماءً، دمعاً، حزناً،
من ذا يغسل وجه الماء..؟!
شدَّ الشخصُ الأبُّ قواه..
يسبحُ، يسبحْ ملء مُناه..
ينقذ طفلاً، ينقذ طفلة،
ينقذ بعض بقايا أهله..
قاوم زحفَ الموجِ، هجوم الموجِ، ولطم الموج..
أبحر يسعى، نحو بلاد غير بلاده،
نحو فؤادٍ غير فؤاده..
أبحر نحو ترابٍ آخر، غير تراب بلاده..
غير ترابِ الشام اللاهب، يشعل كل بلاده..
لكن .. لكن..
غاب الصوت،
مات الصوت..
انتصر الموت.
ـ ٧ ـ

عذراً، عذراً.. يا.. يا.. سادة..
أرضُ الشام غدت نبَّاذَة،
تنبذُ كلَّ بنيها،
تسحقُ كلَّ بنيها،
تقتلُ كلَّ بنيها..
كانت أرض الشام بلاده،
كانت أرض سلامٍ،
أرض إخاءٍ،
أرض رخاء،
أرض عبادة..
صارت، صارت، صارت..؟!..
خمدَ الصوتُ، ركدَ الشخصُ الأبُّ،
رانَ عليه الماء..
أكمل كلُّ الكون مراده،
قول شفاهٍ، كانت تكتب بعض شهادة..
فوق الماء..
قال الكونُ الشخصُ، الأبُّ، الشخصُ الكونُ:
“صار الشام زفيرَ جهنَّم، قعرَ النار..
بعضَ وقودِ النار، هسيس النارِ،
وبعضَ العار..
بعضَ حريقٍ يشعل نيراناً وقَّادَة..
يا الله.. صار البحرُ بلادَ الشام، ضريحَ الشام،
صار بلادَ الناسِ، وحلمَ الناسِ، بأرض الشام..
شغفٌ بالإنسان البحرُ،
شغفٌ بالأحيا، الأموات،
خدْنُ الموتِ البحرُ..
صار البحرُ سرابَ نجاة!!
صار بديل الشام، وصنوَ الشام..
يا للبحر، ويا للشام..
بلا أثواب للإنسان البحرُ..
بلا أكفانٍ للأموات،
بلا إقبارٍ في الأوطان..
بلا آيات من قرآن.
صار البحرُ، “أمانَ”الموتِ،
بلادَ فَناءٍ صارَ، وبعض أمانٍ كان.

ـ ٨ ـ

يا للإنسان، الإنسان..
يا للسوريّ العريانِ،
ذاك المبحرِ عبر البحر، الأملِ، الأرض، بلا عنوان،
في زمن الظلم، القهرِ، العهرِ..
زمن “الوحشيّ، الإنسان”.
حيث القتل مصير الحيِّ،
وحيث الدفنُ بلا أكفان..
وحيث البحرُ ضريحٌ رحبٌ..
للأحباب وللأوطان..
يا السوري العريان،
في وطن كان، وكان، وكان..
من أحلى، أحلى الأوطان..
صارَ القهرُ، الظلمُ، الرعبُ، الموتُ،
وطناً يعلو فيه الصوتُ الفارغُ،
من وعي يبني الإنسان..
صوتُ الفوضى، الشرِّ، القهرِ،
صوت الجهلِ، العهرِ..
فساد النفسِ..
فساد الروحِ، القلبِ، العقل..
فساد القيمة والعمران..
وطناً كان..
من أحلى أحلى الأوطان..
يصارع فيه الأملُ الموتَ، الآن، الآن..
ليبقى شيئٌ للإنسان..
في بعض بلادٍ، بعض أمانٍ، بعض حياة، بعض أمانْ..
آهٍ.. يا أحلى الأوطان..
آهٍ.. يا أحلى الأوطان.

إلى الأعلى