السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / دور أهم للمجتمع الدولي في سوريا

دور أهم للمجتمع الدولي في سوريا

علي عقلة عرسان

لقد أكّدنا مرارًا وتكرارًا، ثم أكّدنا مرارًا وتكرارًا: أن السوريين، بكل مكوناتهم: الإثنية، والاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والروحية.. هم الأقدر، وهم الأجدر، وهم الأولى، بمعالجة أوضاعهم، وحل أزماتهم، ووقف الكارثة التي تحل بهم، وبوطنهم. ووضع حد لمن يجعل وطنهم أرضًا محروقة، وما تبقى من شعبهم قيد المعاناة، وفي قبضة من لا ترحم.. وأنهم هم المدعوون قبل سواهم، وأكثر من غيرهم.. إلى التوصل إلى تفاهم وتعاون، يضعان حدًّا للتدخل الخارجي في شؤونهم…

الموعد المفترَض لاستئناف المفاوضات، في جنيف، بين الحكومة السورية والمعارضات، وهو الخامس والعشرون من شباط/فبراير الجاري.. إلى تأجيل.. والعمل على “وقف الأعمال العدائية” فورًا، كما جاء في بيان ميونيخ الصادر عن “المجموعة الدولية لدعم سوريا”، أحيل إلى لجنة من العسكريين المختصين، بدأت أعمالها أمس الجمعة، وقد لا يفضي إلى توافق، بين الروس والأميركيين وحلفاء كل منهما، ومن ثم فقد يطول انتظار تنفيذ الوقف الفوري “للأعمال العدائية”. والوضع الميداني على الأرض السورية المحروقة، أو التي يراد لها أن تكون كذلك، لا يتصاعد فيه العنف المفرط، ووحشية التدمير، وسقوط قتلى وجرحى، فقط، بل ويتسبب أيضًا في لجوء مئات آلاف المدنيين السوريين، ونزوحهم، وزيادة معاناتهم في موسم الشتاء وهم في العراء، ويدمر بنى تحتية كثيرة، من شمال سوريا إلى جنوبها، دون تمييز بين ما يقصف ويدمر، ومن بين المدمَّر مشافٍ ومدارس، على الخصوص، مع شدة الحاجة لهما. والجهات المعنية مباشرة بالاقتتال والتدمير، أو بما سُمي بـ”الأعمال العدائية”، موضوع الاهتمام السياسي ـ الدبلوماسي الدولي الآن.. تضاعف أداءها العسكري الفعال، لتحقق مكاسب على الأرض.. وتتصاعد بينها العداوة، وتُضاف عواملُ وجهاتٌ أخرى، إلى العوامل والجهات التي كانت ناشطة في ذلك المجال، وما زالت ناشطة وتحرك السلاح، وتوجهه، وتقتل الناس، وتهجّرهم، وتدمّر البلد، وتنشر الإرهاب، والرعب، والفوضى، والفتنة، وتجعل حياة من تبقى من الشعب السوري في البلاد، لا تُطاق. تركيا، ومن تصنّفهم إرهابيين، من الأكراد السوريين، يخوضون معارك حامية على الأرض السورية، ويتبادلون العمليات “العدائية”، عسكريًّا وأمنيًّا، حيثما استطاعوا، وكيفما استطاعوا، من العمليات الإرهابية في المدن التركية، إلى القصف لمواقع وبلدات وقرى يسيطرون عليها في سوريا. والسعي للسيطرة، أو منع السيطرة، على مناطق حدودية، وبلدات وقرى ومدن، تشكل أهدافًا حيوية لكل منهما، في سوريا، وتتصل بالصراع القائم فيها منذ خمس سنوات، كما تتصل بمشاريع مستقبلية، لم تكن غائبة قبل ذلك عن أي من الدول والأطراف المعنية في المنطقة، حيث جذورها التي تضرب في الماضي القريب معروفة، لكل دول المنطقة، ولكثير من الناس فيها.
ويضاف إلى تلك العوامل جميعًا، التي تفاقم الحرب، وتزيد الأوضاع سوءًا، تباينٌ في وجهات النظر بين الأطراف المعنية بجنيف، شكليًّا أو جوهريًّا”، أي بين المعارضات السورية “داخليًّا”، من جهة، وبينها وبين الحكومة من جهة أخرى.. حيث لكل مطالبه، ونواياه، وأساليبه، التي تؤدي في المحصلة إلى انهيارات متتالية، وتوقف المسارات المبتغاة. وتباينٌ ذو مغزى، في الموقف من وقف “إطلاق النار، أو الأعمال العدائية، حتى لمدة أسبوع، حسب بيان ميونيخ، بين دمشق وموسكو.. حيث يريد الجانب السوري الاستمرار في القتال، ومن دون توقف، حتى استعادة السيطرة على الجغرافية السورية كاملة، ويريد الجانب الروسي، وقفًا مؤقتًا، مدته أسبوع، “للأعمال العدائية”، تنفيذًا لاتفاق ميونيخ. وقد ظهر هذا التباين، أو الاختلاف، في خطاب الرئيس بشار الأسد أمام نقابة المحامين، قبل أيام، حيث أكد هذا التوجه، وما قاله فيتالي تشوركين، ممثل روسيا الاتحادية الدائم في الأمم المتحدة، الذي اعتبر بمثابة رد على ما قاله الرئيس.
وإذا كانت رقعة الشطرنج على الأرض السورية، بهذا التعقيد، عند هذا المستوى من مستويات الحضور”السوري، الإقليمي”، فكيف يمكن أن تكون عليه صورتها، وانعكاسات تعقيدها، إذا ما نظرنا إليها من زوايا أوسع، وأكثر تعددًا، وفي الازدحام الدولي للاعبين كثر، يحركون أحجارهم عليها.. أي إذا أضفنا، إلى ما ذكرناه في السابق، الاستراتيجيتان الروسية والأميركية، في تقاطعاتهما، وتوافقاتهما، ونواياهما، وتمركزاتهما هناك، ومواقف حلف شمال الأطلسي، بما فيه تركيا.. في مقابل تحالفات روسيا الاتحادية، “السياسية والعسكرية”، بما فيه صراعها العنيف المكشوف، مع تركيا الأطلسية، بعد إسقاط المقاتلة ـ القاصفة، السوخوي ٢٤، فوق الأراضي السورية.. بعد أن قال أمين عام حلف الناتو: “الاعتداء على أحد حلفائنا، سيقابله رد من قبَلنا.”، وبعد أن أشارت روسيا الاتحادية إلى “خطورة القرار الذي اتخذه وزراء دفاع “الناتو” الخميس بشأن توسيع تواجد الناتو في شرق أوروبا على حدود الحلف مع روسيا”؟! وعلينا ألا ننسى أنه في مكونات “رقعة الشطرنج تلك”، أو المشهد السوري: صراعات إيران مع دول عربية وإسلامية، على الأرض السورية.. ومفاعيل الفتنة المذهبية الدموية “الشيعية ـ السنية”، باستقطاباتها ومفاعيلها ومخاطرها، تلك التي تغلي عمليًّا في رؤوس وقلوب كثيرة، وتتلاقى بعض قواها على الأرض، في سوريا، فتفيض دمًا وكراهية، وجهلًا فوق جاهلية؟!
إن الوضع يبدو غاية في الخطورة، وغاية في التعقيد، وغاية في الاستهانة بالإنسان: “كرامة، ودمًا، وحقوقًا، وحياة”.. والوضع ينغَلُ بالمخاوف، والمخاطر، والاحتمالات المفزعة، التي قد تفضي إلى أي منها، حماقةٌ من الحماقات، وما أكثر الحمقى والحماقات، وما أغزر مصادرهم ومصادرها، ومنابعهم ومنابعها.
لقد أكّدنا مرارًا وتكرارًا، ثم أكّدنا مرارًا وتكرارًا: أن السوريين، بكل مكوناتهم: الإثنية، والاجتماعية، والفكرية، والسياسية، والروحية.. هم الأقدر، وهم الأجدر، وهم الأولى، بمعالجة أوضاعهم، وحل أزماتهم، ووقف الكارثة التي تحل بهم، وبوطنهم. ووضع حد لمن يجعل وطنهم أرضًا محروقة، وما تبقى من شعبهم قيد المعاناة، وفي قبضة من لا ترحم.. وأنهم هم المدعوون قبل سواهم، وأكثر من غيرهم.. إلى التوصل إلى تفاهم وتعاون، يضعان حدًّا للتدخل الخارجي في شؤونهم، ويجنان شعبهم، ووطنهم، المزيد من المآسي، ويمنعان تدهور الأوضاع والأحوال، من جهاتها وجوانبها ومستوياتها، جميعًا، إلى مستويات يصعب تدارك شيء في حضيضها.. حيث تصبح سوريا ساحة صراعات دولية، جاذبة للحرب، ونابذة للسلم، وبؤرة بؤر التوتر، ومساحة للإرهاب، وللحرب على الإرهاب، والحرب تحت مظلة “محاربة الإرهاب”.. وساحة لتصفية حسابات دولية. ولكن للأسف الشديد، لم يكن الذين اختطفوا سوريا من يد الشعب، وصادروا إرادته، وادعوا أنها لهم من بين أبناء الشعب، وعرّضوها لما لا يليق بها، ولا بتاريخها، ولا بشعبها.. وجعلوها بضاعة سياسية، في سوق سوداء، دولية: “دموية، لا أخلاقية، ولا إنسانية.. لا تحترم الحق، ولا تقيم العدل، ولا تحمي الإنسان..”. ومن ذلك نستنتج، وبعد كل الضحايا، والخراب، والمعاناة.. طوال خمس سنوات، لنا أن نستنتج: أن أولئك لم يكونوا أهلًا لحمل مسؤولية “وطنية، وقومية، وتاريخية”، بهذا المستوى، وبتلك الأبعاد والآفاق والقيم.. فتاجر كلٌّ بكلٍّ، وبالوطن فوق الكل.. وجعل كلٌّ من ذاته أول العالم وآخره.. فضاع وأضاع.
ونحن اليوم، وبعد كل الذي جرى ويجري في سوريا العزيزة، للدولة ومقوماتها، ولشعبها بفئاته وشرائحه، وبعد أن وُضعَت معظم مقاليدها بيد غيرها، بصورة ما ولسبب ما، وبطريقة ما، ونتيجة، لما.. وأصبح مفتاح السلم والحرب والأمن والعيش فيها، بيد غير أبنائها، أو بيد من يتحكَّمون بهم، من خارج الانتماء الحق، والولاء الصادق، والوطنية والمواطَنة، بقيمهما ومقوماتهم الصحيحة، حيث الوطن هو للجميع، وتحكمه إرادة الجميع، وفق صيغ يشارك في وضعها القادرون، ويقرها الجميع.. نحن اليوم نؤكد من جديد، وبعد انكشاف أشخاص، وإفلاس سياسات، وتهاوي شعارات، وانكشاف آفاق، ومصائر، ومممارسات، و.. و.. إلخ: أن السوريين أولى بوطنهم، وأقدر على حل مشكلاته، ومعرفة ما يبقيه، وما يحميه، وما يبنيه، وما يعيد شعبه، وإرادة شعبه إليه، والمكانة التي يستحق، والثقة به والانتماء له.. وأنهم هم الأقدر على وضع حد لمأساته ومأساة أبنائه، التي بلغت كلّ مبلغ، وتجاوزت كل حد للاحتمال، وسمع بها كل أصم.. وإنقاذ أبنائه، والحد من معاناتهم، أولئك الذين انتشروا: “جراحًا، ونواحًا، ومساحات بؤس، وكومات شقاء بشري، في داخل سوريا الوطن، وفي كل قارات الأرض، وأصبحت لكثيرين منهم، قبور تحت الماء، وفي أحشاء لواحم البر والبحر.
وأولئك الذي يمكن، أو يجب، أن تُناط بهم هذه المهمة، هم ممن خدموا البلد، وبنوه، واحترموا الإنسان والقانون فيه، ولم يجعلوه مطية لأغراض وغايات ومصالح ذاتية، وضيقة، ومهلكة للجميع. إن أولئك موجودون، وقادرون، ولديهم الاستعداد للتضحية من أجل بلد، كان من قمم البلدان، في الأمن المقيم، والعيش الكريم، والتعايش المتميز على الأقل، حيث هذه كلها، من حقوق الإنسان، ومما يقيم الأوطان، بعدل ومن خلال العدل، وهي من أوليات ما يهم الإنسان. ولكي يسهم أولئك في استعادة الوطن، والعمل على استعادة الوفاق والاتفاق، واللحمة الوطنية، ويمارسوا دورًا فعالًا في هذا الاتجاه.. على الشعب السوري، في الداخل والخارج، أن يعلن عن وقفة قوية، صادقة، ومتألقة، تختارهم، وتمنحهم الثقة، وتزيل ركام الانتهازيين، ومختطفي الوطن، والمتآمرين عليه، والمتآمرين فيه.. وتواكب عمل أولئك، وتعلن أنها بالمرصاد، وعلى درجة من الوعي والمتابعة والجدية، في كل شأن من شؤون الوطن والشعب.. ومن ثم يقيم السوريون مسارات الخروج من دوائر النار، ودائرة الكارثة، ويحددون حلولًا لحربهم، وأزمتهم، وخلافاتهم.. ويرفعون أشكال التدخل في شؤونهم، ويتصافون، وينزعون الغِلَّ من الأنفس والقلوب، والأغلال والسلاسل من الأعناق والأيدي.. ويطهرون العقول والقلوب تطهيرا.
يكفي الذين عبثوا بمصير الشعب والوطن، في هذا البلد المنكوب، ما فعلوا به وبالناس، وما آلت إليه أموره، وأمور الشعب، والمنطقة كلها، على أيديهم، أو بسببهم، أو بتواطئهم مع مشغِّليهم، ومع أعدائه عليه، أو بتآمرهم جهارًا نهارًا، أو بتسليم أنفسهم وقرارهم، ومن ثم تسليمه وتسليم قراره، للآخرين. ويكفي تجار السياسة، ما أفاءت عليهم، وعلى وطنهم، السياسة، التي التهمت مئات آلاف الضحايا، ومثلهم من الجرحى والمعوقين، وأضعاف أضعاف ذلك من المشردين.. وليتركوا حق الرؤية والتفكير والقرار والتدبير وتقرير المصير، لسواهم، أو فليتشاركو بعدل، شراكة وطنية نظيفة مع آخرين، من حقهم أن يشاركوا في شؤون الوطن، بوصفهم مواطنين، لم يرتكبوا بحقه ما ارتكب سواهم من أخطاء، أو جرائم، وقدموا ما طمسه الانتهازيون، والمرضى، والقاصرون عن كل أداء سليم، واللصوص المحترفون.. من جهود، وخدمات، وإنجازات، مهمة للوطن والشعب، في كل الميادين.
إن المجتمع الدولي الذي يهتم بالمسألة السورية، يشكر على اهتمامه، وعلى جهوده.. ولا سيما في المجال الإنساني، الذي وقع عبئه على الجوار السوري بالدرجة الأولى، وعلى دول أخرى، ومؤسسات إنسانية.. وهذا المجتمع، مدعوٌّ للمشاركة الجادة في جعل سوريين مؤهلين يسهمون في حل مشكلات بلدهم، باستقلالية ومسؤولية، ويقومون بدور مباشرة عن ذلك وفيه.. والدور الذي يمكن أن يقوم به المجتمع الدولي، في هذا المجال: المساهمة الجادة، النظيفة، المسؤولة في “عدم اختطاف سوريا وقرارها، وعدم السماح باختطافها، ومنع من يختطفها ويختطف قرارها بتعاون مع دول أو تحالفات من ذلك الفعل غير الأخلاقي، والقانوني، والوطني”، والدفع باتجاه ذلك، بكل الوسائل، بما فيها التخلي عمن يفعل ذلك، ويشجع عليه”، وعليه أن يسهم في خلق مناخ، وبيئة تساعد على فصل “الحنطة عن الزؤان” في سوريا، لتقوم بجهود القادرين، سوريا التي تتجه إلى التفاهم والتعافي. وأن يتخلى هذا المجتمع عن جعل سوريا ساحة لحروب الآخرين، وساحة لحروب استباقية حتى من أولئك الذين يريدون تجميع الإرهاببين في سوريا ثم ضربهم فيها، أو محاربة الإرهاب في بلدان الآخرين حتى لا يصل إلى بلدنهم.. إذ يكفي سوريا ما دفعت، وما تدفع، وليحارب كل حربه في بلده، مع من يعتدي، أو يمكن أن يعتدي على بلده. ذلك لأنه ثبت أن هناك من يستثمر في الإرهاب، ويضرب به بلدانًا وشعوبًا ليحقق أهدافًا وسياسات ومصالح. والمجتمع الدولي قادر على فعل شيء كثير في هذا الاتجاه، بدلًا من التصارع على جثة سوريا، بدماء السوريين، وغيرهم من العرب والمسلمين، وبأدوات وأموال وطاقات منهم، وهم لا تعنيهم سوريا: الشعب، والأرض، والإنسان، والحضارة، والتاريخ.. كما ثبت من خلال وقائع، وممارسات، وأفعال، وسياسات.. خلال السنوات الخمس، الكارثية، التي مرت على سوريا، وأوصلتها، وأوصلت شعبها، إلى هذا الحال المأساوي. ويستطيع المجتمع الدولي أن يتفق على ما يَصلُح لسوريا، ويصلحها، ويأخذ به، بفعالية وإخلاص، وإجماع، وهو الأهم.. وبذلك يجنبها استمرار الحرب، والانقسام، والتنازع السياسي الضار، وعناد المعاندين من أبنائها، الرافضين لأي اتفاق، والساعين إلى “انتصارات؟!”، هي الخراب، بالاعتماد على قوى خارجية، أضحوا، وأضحت كلها، تحرق سوريا، أكثر مما تقدم لها ولشعبها، ما ينقذها من الحريق.
والله ولي التوفيق.

إلى الأعلى