السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: أصعب من الحرب العسكرية

باختصار: أصعب من الحرب العسكرية

زهير ماجد

لو قلنا منذ الحرب على سوريا إننا أمام عشر سنوات من الحرب لما صدقنا من يقرأ لنا .. سيقال إنه كلام بكلام، ولا قيمة في هذا العصر إلا للمعلومات .. اليوم مضت على تلك الحرب خمس سنوات والسادسة على الطريق، ومع ذلك لا غرابة في هذا العدد من السنين، وكلنا نعلم أننا ما زلنا أمام المزيد، فإذا صح ما قاله رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون من أن هذه الحرب ستحتاج لعشر سنوات أخرى، نكون أمام فاصل مرعب النتائج على دولة مثل لبنان وربما على الأردن، ويقينا على الأم سوريا.
في لبنان مليون ونصف المليون سوري نزحوا إبان الحرب ويقطنون ضمن مفهوم أرض الله الواسعة التي باتت أضيق من خرم إبرة. عشر سنوات كفيلة لأن يتضاعف العدد نتيجة الولادات الهائلة بحيث لا عمل للرجال السوريين النازحين سوى الإنجاب، ليصبح ثلاثة ملايين أي تقريبا بعدد الشعب اللبناني، الذي من الواضح أنه سيتناقص بدل أن يتزايد، نتيجة الهجرات الشابة منه، والتي قيل إن أكثر من 85 بالمائة من مهاجريه هم من خريجي الجامعات.
الزيادة في أعداد السوريين ستكون بكل أسف كارثية من الناحية النوعية، أي أن الأمية ستضرب العدد الأكبر منهم، فإذا أضفنا إليها الجهل والفقر والمرض، فنحن أمام تاريخ لا مثيل له من الانحطاط في الساحة اللبنانية التي لن تتسع لهذا العدد أولا، وثانيا لن تتمكن من هضم الحالات التي نتجت عنها، خصوصا فإن الصغار سيكبرون، سنكون أمام أكثر من جيل متمرد جاهز لحمل السلاح أيضا.
ربما الحال ذاته قد يكون في الأردن أيضا، لكن الواقع هناك مختلف نسبيا عن لبنان .. وكذلك الحال في تركيا التي سيتضاعف أيضا عدد النازحين إليها. هذا الجانب لا بد أن هنالك من درسه جيدا، وخصوصا من الجانب المتآمر على سوريا والمنطقة وعلى محيط سوريا وخاصة على لبنان، بحيث يضيع السوريون فيه ليتحولوا إلى أرقام تتصارع على ساحته من أجل الحصول على توطين فيه، فإذا أضفنا هذا العدد الكبير إلى اللاجئين الفلسطينيين نكون حتما قد تجاوزنا عدد اللبنانيين في بلدهم، الأمر الذي سيؤدي حتما إلى نزاعات مستمرة وتوترات لن تتوقف واعتداءات بالجملة .. فالجسم اللبناني هش بطبيعته، وهو مؤلف من تركيبة طائفية ومذهبية يمكن لأعداد السوريين والفلسطينيين أن تلعب دورا هائلا في التوازن الداخلي، وهذا هو هدفه.
هنالك إذن ما هو أصعب من الحرب العسكرية في سوريا، إنه التوهان الشعبي الذي خرج من سوريا على أمل العودة حين تنتهي الحرب، لكن الحرب لا يعرف لها تاريخ نهاية، وهي مرسومة لتدمير مجتمع وشعب ووطن ودولة ونظام .. ومن صنعوها وضعوا لها تلك التفاصيل وضخوا بها كل ما هو سيئ ومسيء لمستقبل سوريا، سواء انتصرت في حربها أو هزمت لا سمح الله. فإن انتصرت تكون مهزومة اجتماعيا، ناهيك عن الدمار والخراب الاقتصادي وغيره، وإن هزمت تتلاشى كدولة تماما فيختلط الخارج السوري بالداخل في معركة تعريف جديدة للذات السورية.
لعل هذا الجانب هو المؤامرة التي تستفز مشاعرنا القومية وتجعلنا نتساءل عن مستقبل أجيال هرست الحرب قواها وإمكانياتها في ساحات الحياة، ولم تترك لها سوى الدفاع عن نفسها في معارك عسكرية قاسية بدأت ولن يعرف لها نهاية، متى وكيف؟

إلى الأعلى